شبح «لوكربي» يستيقظ في دراما «نتفليكس»... مَن هو صانع القنابل مروان خريسات؟

بين معسكرات أحمد جبريل ودهاليز الاستخبارات الدولية

مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)
مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)
TT

شبح «لوكربي» يستيقظ في دراما «نتفليكس»... مَن هو صانع القنابل مروان خريسات؟

مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)
مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

في دهاليز عمليات الفصائل الفلسطينية وحروب الظلِّ الاستخباراتية التي طبعت عقدَي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، يبرز اسم مروان خريسات بوصفه من أكثر الشخصيات غموضاً وإثارةً للجدل.

الرجل الذي ارتبط اسمه بـ«هندسة الموت المحمول جواً»، ووُصف في أدبيات أجهزة الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» - القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل.

مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

طوال عقود، ظلَّ خريسات لغزاً متحرِّكاً بين العواصم العالمية، اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه في ظروف غامضة، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية عمان، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً.

بين سردية «الفدائي» الذي سخَّر مهاراته الكهربائية لمواجهة الاحتلال، واتهامات الغرب له بالمسؤولية عن كوارث جوية هزَّت ضمير العالم، تنكشف فصول قصة مروان خريسات، الرجل الذي رحل وبقيت بصماته الافتراضية تلاحق ملف «قضية لوكربي» الشهيرة، ليعود اسمه بقوة مؤخراً إلى واجهة النقاشات العالمية مع تسليط الدراما الوثائقية الحديثة على «نتفليكس» الضوء على خفايا تلك الحقبة.

صورة لمروان خريسات وهو في سن 13 ربيعا يعمل على أجهزة الراديو واللاسلكي (من حسابه على «فيسبوك»)

العقل الإلكتروني في معسكرات «القيادة العامة»

بدأت الحكاية من التفاصيل التقنية الدقيقة، فخريسات، الذي كان كهربائياً وفنياً بارعاً في نشأته، انخرط مبكراً في العمل المسلح انطلاقاً من خلفيته القومية. ومع صعود الفصائل الراديكالية الفلسطينية، وجد مكانه الطبيعي داخل «الجبهة الشعبية» - القيادة العامة، التي انشقت عن الجبهة الأم، وركزت على العمليات العسكرية النوعية والعابرة للحدود.

أحمد جبريل الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» - القيادة العامة (رويترز)

أدرك أحمد جبريل الذي وُلد في قرية في قضاء يافا في عام 1938، وأسَّس فصيله في عام 1968 إثر انشقاقه عن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، مبكراً عبقرية خريسات في التعامل مع الدوائر الكهربائية والمتفجرات البلاستيكية الحديثة آنذاك مثل الـ«سي 4» والـ«سيمنتكس».

لم يكن خريسات مقاتلاً في الخطوط الأمامية، بل كان يعتكف في مختبرات سرية مجهزة، يبتكر فيها أجهزة تفجير بالغة التعقيد تعتمد على الضغط الجوي أو المؤقتات الرقمية، مما جعل اختراقاته الأمنية تمثل كابوساً لأجهزة الأمن في مطارات العالم.

من طائرة «إل عال» إلى شراك الاستخبارات الألمانية

لم تكن مهارات مروان خريسات وليدة الصدفة في ثمانينات القرن الماضي، بل صُقلت في مختبرات حروب الظل الباكرة، وتحديداً في صيف عام 1972. في العاصمة الإيطالية روما، وضعت «القيادة العامة» تكتيكاً بالوجدان البشري، حيث استُغلت فتاتان بريطانيَّتان عبر خدعة عاطفية لتمرير جهاز «غراموفون» منزلي بوصفه هدية وداع قبل صعودهما على متن طائرة «إل عال» المتجهة إلى تل أبيب. داخل أحشاء ذلك الجهاز الموسيقي، زرع خريسات أولى بصماته التكنولوجية المرعبة: عبوة من المتفجرات البلاستيكية الشديدة تعمل بمؤقت الضغط الجوي (Barometric Trigger).

صُمِّم الجهاز لينفجر تلقائياً حين تبلغ الطائرة ارتفاعاً شاهقاً فوق البحر الأبيض المتوسط، ليُدفَن الحطام والأدلة معاً في أعماق المياه.

ورغم أنَّ الانفجار وقع بالفعل بعد الإقلاع بنحو 20 دقيقة محْدثاً فجوة هائلة، فإنَّ إصرار أمن المطار على شحن الجهاز في مقصورة الأمتعة السفلية بدلاً من كابينة الركاب، مَصَّ صدمة العبوة وأتاح لقائد الطائرة الهبوط اضطرارياً بسلام في روما.

صورة لجهاز راديو من حساب مروان خريسات على (فيسبوك)

كانت تلك الحادثة جرس الإنذار الأول لأجهزة الاستخبارات الدولية، التي أدركت آنذاك أنَّها تواجه عقلاً هندسياً قادراً على تحويل الأجهزة المنزلية البسيطة إلى كمائن موت ذكية تخترق جدران المطارات.

لكن الذروة الأمنية التي كادت تنهي مسيرته مبكراً حدثت في خريف عام 1988 في ألمانيا الغربية. في إطار ما عُرفت استخباراتياً بعملية «أوراق الخريف (Operation Autumn Leaves)»، نجحت السلطات الألمانية في اختراق خلية تابعة لـ«القيادة العامة» في مدينة فرانكفورت يقودها حافظ دلقموني.

أوقعت الشرطة الألمانية بخريسات ومعه سيارة مفخخة بمتفجرات مخبأة داخل أجهزة راديو وكاسيت من طراز «توشيبا بومبيت».

صورة لجهاز راديو من حساب مروان خريسات على (فيسبوك)

كانت تلك الأجهزة مصمَّمة ومعدلة بعناية فائقة لتنفجر تلقائياً عند بلوغ الطائرة ارتفاعاً جوياً معيناً بفعل تغير الضغط. غير أنَّ المثير للدهشة، والذي فتح باب التكهنات على مصراعيه، هو قيام السلطات الألمانية بإطلاق سراح خريسات بعد أيام وجيزة من توقيفه، وسط تقارير وشكوك استخباراتية غربية لاحقة تلمّح إلى أنَّه ربما كان يعمل «عميلاً مزدوجاً» يمرر معلومات حساسة للأمن الأردني والأميركي أو أطراف أخرى.

شبح «لوكربي» يعود عبر شاشة «نتفليكس»

في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 1988، تفتتت طائرة «بان أم» الرحلة 103 فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، مودية بحياة 270 شخصاً.

تشابهت التقارير الفنية للحادث بشكل مذهل مع الابتكارات التي ضُبطت بحوزة خريسات في ألمانيا قبل شهرين، فالقنبلة كانت مخبأة أيضاً في جهاز كاسيت «توشيبا».

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

ورغم أنَّ المسار القضائي الدولي أدان لاحقاً الليبي عبد الباسط المقرحي، فإنَّ اسم خريسات لم يغب عن التحقيقات قط.

ومؤخراً، أعادت الذاكرة الجمعية العالمية نبش ملفاته مع عرض المسلسل الدرامي الوثائقي الضخم «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير رحلة بان أم 103) المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس».

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

المسلسل الذي ركَّز بشكل جاد ودقيق على تفاصيل التحقيقات الجنائية والملاحقات الاستخباراتية المشتركة بين الاسكوتلنديِّين ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، أعاد تسليط الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا.

أعاد هذا الطرح الدرامي الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي والفعلي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

الملف السري تحت وسادة الزوجة

عاش خريسات عقوده الأخيرة خلف جدران الصمت المطبق في منزله بضواحي العاصمة الأردنية عمان، رافضاً الحديث لوسائل الإعلام الغربية التي كانت تحاول ملاحقته.

وفي سنواته الأخيرة، بدأ عبر فضاء الإنترنت ينشر مذكرات ووثائق تهاجم بعض القيادات الفلسطينية، متفاخراً أحياناً بضرباته السابقة ضد مصالح إسرائيل.

بعد وفاته، عادت الإثارة لترافق اسمه مجدداً، حيث خرجت ابنته، سها خريسات، في تصريحات صحافية لوسائل إعلام بريطانية لتفجِّر مفاجأةً مدويةً.
أكدت الابنة في مقابلة حصرية أجرتها مع صحيفة «ذا ميرور» البريطانية عام 2018 بالتزامن مع الذكرى الـ30 لتفجير طائرة لوكربي، أنَّ والدها لم تكن له يد في دماء ضحايا لوكربي، لكنه ترك قبل رحيله «ملفاً سرياً كبيراً ومستندات وتسجيلات» تحتفظ بها والدتها (زوجته)، توثق بالدليل القاطع أنَّ أحمد جبريل الذي توفي في دمشق عن عمر ناهز 83 عاماً، نفَّذ عملية لوكربي بناءً على صفقة مالية ضخمة ومباشرة مع الحكومة الإيرانية.

رحل مروان خريسات، صانع القنابل الذي حيَّر أجهزة الأمن في قارتين، تاركاً خلفه إرثاً غامضاً يمزج بين دقة الإلكترونيات وصراعات المحاور السياسية، ليبقى اسماً عصياً على النسيان تلاحقه وثائق المخابرات وترصد تاريخه شاشات الدراما العالمية.


مقالات ذات صلة

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

مسلسل «نتفليكس» يعود بالذاكرة إلى تفجير طائرة «بان آم 103» فوق لوكربي مركّزاً على تعاطف أهل القرية الاسكوتلندية مع الضحايا وذويهم، وعلى صراع الأجهزة في التحقيق.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق شعار «نتفليكس» (أ.ف.ب)

«نتفليكس» استخدمت الذكاء الاصطناعي في 300 عمل هذا العام

أعلنت شركة «نتفليكس»، الأميركية العملاقة لخدمات البثِّ الرقمي المباشر استخدام الذكاء الاصطناعي في نحو 300 عمل فني خلال العام الحالي فقط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«خزانة بلا شراء»... هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

استئجار الملابس اليومية جزء من سوق آخذة في التوسُّع (بيكساباي)
استئجار الملابس اليومية جزء من سوق آخذة في التوسُّع (بيكساباي)
TT

«خزانة بلا شراء»... هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

استئجار الملابس اليومية جزء من سوق آخذة في التوسُّع (بيكساباي)
استئجار الملابس اليومية جزء من سوق آخذة في التوسُّع (بيكساباي)

كان استئجار الملابس، حتى وقت قريب، خياراً يرتبط في أذهان كثيرين بالمناسبات التي لا تتكرر كثيراً، من حفلات الزفاف إلى حفلات التخرج والمناسبات الرسمية.

ولكن في عصرنا، الفكرة بدأت تتغير، وأصبح استئجار الملابس اليومية جزءاً من سوق آخذة في التوسُّع، مدفوعاً بالرغبة في الحصول على إطلالات متنوعة، من دون شراء قطع جديدة في كل مرة.

والآن، قد يجد هذا التوجه حليفاً جديداً في الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يمنح المتسوق ما يشبه «غرفة قياس» افتراضية تساعده على رؤية الملابس عليه قبل أن يدفع رسوم الاستئجار.

وحسب موقع «Conversation»، تتيح منصات مثل «By Rotation» و«Hurr» للمستخدمين استئجار الملابس مباشرة من أشخاص آخرين، فيما بدأت متاجر كبرى، بينها «John Lewis» و«Selfridges» بلندن، توفير خيارات للاستئجار. إلا أن معظم هذه الخدمات تعتمد على التسوق عبر الإنترنت، ما يترك سؤالاً مهماً بلا إجابة قبل إتمام الطلب: كيف ستبدو القطعة عليّ؟ وهل سيكون مقاسها وشكلها مناسبين؟

هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.

تجربة افتراضية قبل الدفع

بحثت ريبيكا بيتش، المحاضرة في التسويق بجامعة «أوكسفورد بروكس»، مع زملائها، في نظرة المستهلكين إلى استئجار الملابس اليومية، وإمكان استخدام روبوت محادثة مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المستخدم في اختيار القطع المناسبة.

وشملت الدراسة ثلاث مجموعات نقاش و28 مقابلة، وأظهر المشاركون اهتماماً واضحاً بفكرة استخدام الذكاء الاصطناعي لرؤية شكل الملابس عليهم قبل اتخاذ قرار الاستئجار.

يمكن لروبوت المحادثة أن يبدأ بسؤال المستخدم عن مقاسه وتفضيلاته والهدف من ارتداء القطعة، سواء أكان مناسبة معينة أو رحلة أو حتى مناسبة يومية. وبموافقة المستخدم، يمكن حفظ هذه المعلومات لاستخدامها في عمليات استئجار لاحقة.

والخطوة الأكثر إثارة تتمثل في إمكانية تحميل صورة للمستخدم، ليظهر في صورة افتراضية مرتدياً الملابس التي يفكر في استئجارها. وبذلك تتحول الشاشة إلى ما يُشبِه غرفة قياس رقمية، وإن كانت لا تزال بعيدة عن التجربة الحقيقية أمام المرآة.

استئجار الملابس حليف جديد في الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)

ورأى أحد المشاركين في الدراسة أن هذه الخدمة يمكن أن تكون «حاجة مرحَّباً بها في عالم الموضة»، بينما أشار آخر إلى أن روبوت المحادثة يستطيع الإجابة عن أسئلة قد يصعب الحصول على إجابات واضحة عنها عند استئجار الملابس، مثل الرسوم الإضافية أو حالة القطعة، وما إذا كانت تحمل آثار استخدام سابق.

من «اشترِ أكثر» إلى «استأجر بذكاء»

لا تتوقف الفكرة عند مساعدة المستخدم في اختيار المقاس أو اللون؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دوراً في تذكيره أيضاً بالتكلفة البيئية لخياراته، وتحويل قرار الاستئجار من مجرد وسيلة للحصول على إطلالة جديدة إلى اختيار أكثر وعياً.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه صناعة الأزياء السريعة انتقادات متزايدة بسبب الكميات الضخمة من الملابس التي تنتجها، ثم ينتهي جزء كبير منها في مكبات النفايات أو ينتقل إلى أسواق في دول نامية.

وتشير الدراسة إلى أن قطاع الأزياء يرتبط بنحو 10 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، فيما ينتهي نحو 85 في المائة من المنسوجات في مكبات النفايات. ومن شأن إطالة عمر الملابس عبر إعادة استخدامها واستئجارها أن تقلل البصمة المرتبطة بالكربون والمياه والنفايات.

ويمكن للذكاء الاصطناعي هنا استخدام ما يُعرَف بـ«التنبيهات الخضراء»، وهي رسائل قصيرة تظهر للمستخدم لتشجيعه على اتخاذ خيار أكثر استدامة؛ فقد تقترح الشاشة، مثلاً، أن استئجار قطعة معينة بدلاً من شرائها يمكن أن يوفر كمية محددة من المياه ويقلل انبعاثات الكربون. لكن أهمية هذه الفكرة تعتمد على أن تكون الأرقام المستخدمة موثقة ودقيقة، حتى لا يتحول الجانب البيئي إلى مجرد أداة تسويقية.

(بيكساباي)

مستشار أزياء لا ينام

ومع الوقت، يمكن للروبوت أن يتجاوز دوره كغرفة قياس افتراضية ليصبح أشبه بمستشار شخصي للأزياء، يتذكر تفضيلات المستخدم والقطع التي أحبها والمقاسات التي تناسبه.

فإذا كان المستخدم يستعد، مثلاً، لرحلة، يستطيع الذكاء الاصطناعي اقتراح مجموعة متكاملة من الملابس المناسبة للوجهة ومدة السفر، وربما يجمع قطعاً يمكن استئجارها بدلاً من شراء ملابس جديدة لن تُستخدَم إلا مرات قليلة.

لكن الطريق لا يزال طويلاً؛ فهناك مخاوف تتعلق بالنظافة، واحتمال تعرُّض الملابس للتلف، وما قد يترتب على ذلك من رسوم للتنظيف أو الإصلاح. كما أن بعض المستهلكين لا يزالون يرون أن استئجار الملابس لم يصبح خياراً شائعاً بما يكفي.

استدامة تحمل مفارقتها

ورغم الوعود التي يحملها الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يخلو من مفارقة بيئية؛ فتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي يحتاج بدوره إلى كميات كبيرة من الطاقة والمياه، خصوصاً في مراكز البيانات التي تحتاج إلى التبريد المستمر.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في العادات التي ترسخت لدى المستهلكين. فإذا استطاعت «غرفة القياس» الافتراضية أن تمنح المتسوق ثقة أكبر في استئجار قطعة بدلاً من شرائها، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تغيير علاقة الناس بملابسهم.

فربما لا يكون مستقبل الموضة هو امتلاك خزانة أكبر، بل معرفة أفضل بما نحتاج إليه فعلاً... وما يمكننا استئجاره عندما نحتاج إليه.


هل تفتح عودة هاري باب المصالحة؟ ويليام يلتزم «الترقب والانتظار»

الأمير البريطاني ويليام (يسار) يظهر إلى جانب شقيقه الأمير هاري (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام (يسار) يظهر إلى جانب شقيقه الأمير هاري (رويترز)
TT

هل تفتح عودة هاري باب المصالحة؟ ويليام يلتزم «الترقب والانتظار»

الأمير البريطاني ويليام (يسار) يظهر إلى جانب شقيقه الأمير هاري (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام (يسار) يظهر إلى جانب شقيقه الأمير هاري (رويترز)

بعد سنوات من التوتر والقطيعة التي شابت علاقتهما، يبدو أن عودة الأمير هاري المفاجئة إلى المملكة المتحدة قد وضعت شقيقه الأكبر، الأمير ويليام، في حالة ترقب، وسط تساؤلات حول ما يخطط له دوق ساسكس وما إذا كانت عودته قد تفتح الباب أمام أي تقارب جديد داخل العائلة الملكية، وفقاً لموقع «بيج سيكس».

وفي مقابلة نُشرت يوم الأربعاء، مع مجلة «يو إس ويكلي»، قال غرانت هارولد، كبير الخدم الملكي السابق: «سيراقب ويليام شقيقه من كثب، وسيحاول فهم خطته وما ينوي القيام به».

ويرى هارولد أن ويليام لا يزال مستاءً من المزاعم الصادمة التي أوردها هاري بشأن علاقتهما في مذكراته الصادرة عام 2023 بعنوان «سبير»، مضيفاً: «لا أعتقد أنه سعيد على الإطلاق بعودة هاري إلى المملكة المتحدة».

في السياق نفسه، صرّح مصدر للوسيلة الإعلامية بأن «العلاقة بين الشقيقين كانت متصدعة بالفعل»، موضحاً أن «هذه الخطوة لا تتسبب في تصدع جديد، لكنها تضع هذا التصدع في البلد نفسه».

وأشار المصدر المطلع إلى أن عودة دوق ساسكس وزوجته ميغان ماركل إلى المملكة المتحدة تشكل «صدمة» لكل من الأمير ويليام والأميرة كيت ميدلتون.

وقال المصدر: «لا يزالان يستوعبان الأمر، لكن دهشتهما الأولية قد تطورت، وهما يتبعان الآن نهج الترقب والانتظار».

أما فيما يتعلق باحتمال لمّ شمل الأميرين ويليام وهاري، فلا يبدو أن المصدر يراهن على حدوث ذلك في أي وقت قريب.

وصرّح المصدر المطلع قائلاً: «لا أحد يحجز طاولة لشخصين تجمع ويليام وهاري؛ فالجميع يتوقون لسماع أخبار عن لمّ شملهما، لكن هذا الأمر ليس مطروحاً حالياً».

ويرى المصدر أنه في حال حدوث هذا اللقاء مستقبلاً، فإنه «سيكون عملية بطيئة وتتم في إطار خاص»، ووفقاً للشروط التي يضعها أمير ويلز.

وفي تطور آخر، قال المتحدث باسم الأمير هاري وزوجته ميغان إنهما فوجئا برسالة أُرسلت نيابةً عن ملك بريطانيا، الملك تشارلز، توضح أنهما لم يعودا عضوين فاعلين في العائلة الملكية، وأنهما سيبقيان مواطنين عاديين.

وعاد دوق ودوقة ساسكس وطفلاهما للعيش في بريطانيا الشهر الماضي، بعد تخليهما عن أداء المهام الملكية وانتقالهما إلى الولايات المتحدة قبل ست سنوات، خلال فترة اتسمت بالقطيعة والعلاقات المتوترة مع العائلة الملكية.

الأمير البريطاني هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان خلف والده الملك تشارلز والملكة كاميلا (أ.ب)

وكانت هذه العودة مفاجئة حتى لأقرب أفراد العائلة، إذ إن الملك تشارلز، والد هاري، لم يُبلّغ بالأمر إلا قبل إعلان الخبر بأيام.

وفي رسالة أذن بها الملك تشارلز وأُرسلت إلى مسؤولين بريطانيين كبار يوم الاثنين، تم توضيح أن هاري وميغان لم يعودا عضوين عاملين في العائلة الملكية.

وقال متحدث باسم الزوجين إنهما لم يُبلّغا بالأمر إلا قبل إرسال الرسالة بوقت قصير، وإنهما فوجئا بما حدث.

وظل الزوجان يتصدران عناوين الأخبار منذ مغادرتهما إلى الولايات المتحدة؛ إذ اتهم هاري العائلة الملكية بالتقصير في حقه، كما اتهم الصحافة الصفراء بتدمير حياته، والحكومة بعدم توفير الحماية الشرطية التلقائية التي من شأنها أن تسمح له بالعودة إلى وطنه.


«بماذا يحلم الناجون؟»... أحياء يحملون آثار الكارثة

أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
TT

«بماذا يحلم الناجون؟»... أحياء يحملون آثار الكارثة

أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

تتمرَّد مسرحية «بماذا يحلم الناجون؟»، التي حصدت جائزة السينوغرافيا في الدورة الـ33 من مهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، على معظم القوالب والمفاهيم الفنّية المتعارف عليها. فلا حبكة تقليدية تتكوّن من بداية وعقدة ونهاية، ولا قصة تتصاعد درامياً، بل إنّ وضعية جلوس الجمهور في العرض مختلفة وغير معتادة.

الناجون هنا هم كلّ مَن مرّوا بتجارب قاسية تُهدّد وجودهم وتجعل حياتهم على المحكّ، سواء بفعل الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأوبئة. لكن مع توالي الأحداث، يكتشف المتفرّج أنّ ثمة فضاءات أخرى للنجاة تتعلَّق بالأزمات النفسية العاصفة والاضطرابات الداخلية العنيفة، التي تُعدّ الوجه الآخر للمخاطر التي تحيق بإنسان العصر.

يُقدّم العرض المصري تلك الأفكار من خلال مَشاهد سريالية ذات طابع فانتازي، لا تجعل من لحظة النجاة نهاية سعيدة لأزمة شديدة الوطأة، وإنما بداية لتجربة إنسانية استثنائية، يجد فيها الأبطال أنفسهم في مواجهة أسئلة تفرض نفسها بقوة، من أبرزها: ماذا يحدث للإنسان بعد أن يخرج حياً من الحرب أو الكارثة أو التجربة القاسية؟ وهل تعني النجاة أنّ الألم انتهى بالفعل، أم أنّ الناجي قد يعاني آثار الكارثة في مرحلة ما بعد انتهاء الخطر؟

وعدّت مخرجة المسرحية، سماح حمدي، الهوية والبحث عن معنى للحياة وسط فوضى الوجود «كلمة السر في محاولة فهم وتلقّي تلك التجربة التي تتعامل مع فكرة النجاة بوصفها تجربة إنسانية معقّدة، تتشابك فيها آثار الصدمة مع الألم والرغبة في التحرّر واستعادة التوازن، فضلاً عن الصراع الداخلي الذي يخوضه الإنسان في مواجهة ماضيه».

الإضاءة لعبت دوراً لافتاً (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «صور الناجين من حرب غزة حضرت بوصفها أحد المراجع البصرية والإنسانية المهمّة في بناء التجربة الفنّية ومفردات السينوغرافيا، نظراً إلى ما تحمله من أثر مباشر للصدمة وما تثيره من أسئلة حول معنى النجاة، إلى جانب تجارب إنسانية أخرى».

ولفتت إلى أنّ «العرض يبتعد عن البناء الدرامي التقليدي، ويعتمد بدلاً منه على بنية بصرية تتداخل فيها مجموعة من العناصر الفنية، يأتي في مقدّمتها الفيلم البصري، إلى جانب أداء حيّ يعتمد على تشكيل صور جسدية تتفاعل مع اللحظة والمكان، في الوقت نفسه الذي يتابع فيه الجمهور العمل من زوايا مختلفة ومتحرّكة، وليس من زاوية واحدة ثابتة».

بوستر العرض المصري «بماذا يحلم الناجون؟» (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وينتمي العرض إلى ما يُعرف بـ«فن الأداء»، فيتحوّل المسرح إلى فضاء بصري يمزج بين الدراما والفنّ التشكيلي في تكوين يُخاطب العين والمشاعر. كما تتراجع فكرة الشخصيات الرئيسية التي تعبّر عن أحداث ومواقف، ليصبح البطل هو الأداء الحركي لجموع الممثلين، والتعبيرات التي تحملها وجوههم، والانفعالات التي تتجسّد في نظراتهم.

ويكشف العرض عن واقع كابوسي يعيشه مَن يسعون إلى النجاة، أو ظفروا بها بالفعل، عبر مفردات مخيفة ومقبضة، مثل الجماجم والعظام والدماء. لكن الأكثر تعبيراً عن هشاشتهم تلك النظرات الزائغة التي تطلّ من عيونهم الغائرة، والشفاه السوداء المتشقّقة التي تبرز على وجوههم الشاحبة.

البلّورة المضيئة ترمز إلى الأمل (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وتبدو الشخصيات كأنها كائنات فقدت بوصلة الطريق وهي تبحث عن المعنى والهوية. ترتدي في غالبيتها الأسود، وتهيم على وجوهها عبر طريق صحراوية مفروشة بالرمال والحصى. لكن في نهاية الطريق ثمة بلّورة مضيئة تحمل رسالة طمأنينة وتبعث على الأمل، كأنها نقطة الضوء التي تلوح في نهاية نفق مظلم مليء بالإحباط والألم والشك في الذات والآخرين، في مواجهة عالم لا يكترث بتحقيق حالة الطمأنينة.