هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

لا هَمّ لإيران إلّا بقاء النظام!

استمع إلى المقالة

لم يعد السؤال عمن يحكم إيران يقود بالضرورة إلى اسم واحد، فقد أحدثت وفاة المرشد علي خامنئي وصعود نجله مجتبى إلى موقع المرشد الأعلى تحولاً عميقاً في طريقة إدارة السلطة داخل البلاد. القرار بات موزعاً بين شخصيات ومؤسسات وشبكات نفوذ، يجمعها هاجس واحد هو بقاء النظام. في ظل الحرب والاضطراب، تقدّمت المؤسسة العسكرية والأمنية، وأصبحت أكثر قدرة على تحديد الأولويات وصياغة الخيارات المطروحة أمام القيادة.

كان علي خامنئي المرجع الأخير في القضايا الاستراتيجية، وحضوره العلني يمنح المسؤولين إشارات يستندون إليها في تفسير توجهاته. أما مجتبى خامنئي فهو غائب عن المشهد العام منذ توليه المنصب. وتنشر السلطات صوراً قديمة وبيانات مكتوبة منسوبة إليه، فيما يصعب التحقق من روايات اللقاءات التي يعقدها. هذا الغياب لا يعني اختفاء موقع المرشد، لكنه يثير أسئلة عن كيفية انتقال التعليمات، وعن الأشخاص الذين يتحدثون باسمه ويؤثرون في مضمون القرارات.

تبرز هنا مشكلة الثقة داخل الحكم، فعندما تمر التعليمات عبر وسطاء، يصبح التثبّت من مصدرها ودقتها أكثر صعوبة، وتتسع مساحة التأويل والتنافس. في أوساط «الحرس الثوري»، أصبحت العلاقات العائلية والشخصية أساساً لتجمعات صغيرة داخل السلطة، تتبادل الدعم وتتحفظ حيال الآخرين. هكذا، لم تعد معرفة صاحب المنصب كافية لفهم نفوذه، بل ينبغي معرفة من يحيط به، ومن يوصل إليه المعلومات، ومن يستطيع الوصول إلى المرشد.

في مقدمة الشخصيات المؤثرة يأتي محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يمنحه موقعه دوراً محورياً في وصل القيادة السياسية بالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية. رضائي قائد سابق لـ«الحرس الثوري»، ولديه علاقات متراكمة داخل هذه المؤسسة. إلى جانبه أحمد وحيدي، القائد العام لـ«الحرس»، الذي عمل سابقاً تحت قيادته. تمنح هذه الصلة الطرفَين معرفة متبادلة، لكنها لا تلغي اختلاف الحسابات والطموحات داخل الدائرة الحاكمة.

يبرز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره شخصية تجمع الخبرة الأمنية بالطموح السياسي. يحمل قاليباف ورضائي طموحات متنافسة، ما ينعكس على توازنات القيادة وعلاقات أقطابها. يرتبط قاليباف بعلاقة قديمة مع علي عبد اللهي، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة، الذي تقدم في مواقع رسمية مختلفة بدعمه. تمثّل هذه العلاقة مثالاً واضحاً على تداخل المواقع المؤسسية مع الروابط الشخصية التي تساعد على بناء النفوذ وحماية المصالح.

أما غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية، فهو أحد أركان الدائرة التي تشارك في صنع القرار، ويضيف موقعه ثقلاً قضائياً إلى منظومة يطغى عليها الهاجس الأمني. في المقابل، يتولى الرئيس مسعود بزشكيان مسؤوليات الإدارة اليومية للدولة، وما تفرضه من أعباء اقتصادية واجتماعية. لذلك، يبدو أكثر ميلاً إلى تسوية دبلوماسية عاجلة من بعض القادة العسكريين، الذين ينظرون إلى المواجهة من زاوية الردع واستعادة القوة العسكرية.

يتحرك وزير الخارجية عباس عراقجي ضمن هذا الهامش الدبلوماسي، فهو يدير التفاوض والاتصالات الخارجية، لكن قدرته على تمثيل مركز القرار ليست مسألة محسومة. هو أقر خلال الصيف بأنه لم يلتقِ شخصياً المرشد الجديد منذ توليه منصبه. تكشف هذه المسافة بين المسؤول عن التفاوض وصاحب السلطة العليا تعقيد المشهد؛ فالتوصل إلى تفاهم مع الدبلوماسيين لا يضمن وحده موافقة بقية الأطراف القادرة على تعطيله أو تغيير شروطه.

على مستوى المؤسسات، تبقى الرئاسة والوزارات مسؤولة عن تسيير البلاد وتنفيذ السياسات. لكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو بمصير النظام، ينتقل مركز الثقل نحو الأجهزة العسكرية والأمنية. يحتل المجلس الأعلى للأمن القومي موقع الحلقة الجامعة بين السياسيين والعسكريين والاستخبارات والبيروقراطية. من هنا تأتي أهميته؛ فهو مساحة لتنسيق المصالح وصياغة الخيارات، وليس مجرد اجتماع لشخصيات نافذة تتخذ قرارات منفصلة عن المؤسسات التي تمثّلها.

خلف هذه الواجهات تعمل شبكات أقل ظهوراً، تضم رفاق السلاح، لا سيما المشاركين في الحرب الإيرانية-العراقية، ومسؤولين في «الحرس» ووزارة الاستخبارات. هناك شبكات اقتصادية تشمل شركات مرتبطة بالدولة ومؤسسات شبه حكومية ومقاولين وتجار نفط ووسطاء ماليين ومتخصصين في تجاوز العقوبات. تشارك أيضاً شبكات رجال الدين والحوزات وأئمة الجمعة ومؤسسات الدعاية، إلى جانب الدبلوماسيين والخبراء الاقتصاديين والمهندسين والمختصين بالبرنامج النووي والإداريين الذين يضمنون استمرار عمل الدولة.

تكمن قوة هذه الشبكات في قدرتها على تحديد المعلومات التي تصل إلى المسؤولين، وتعريف التهديدات، وحصر البدائل المقبولة. الدبلوماسي يفضّل التفاوض، والاقتصادي يحسب تكلفة الحرب، والعسكري يطالب بالردع، فيما يخشى المتشددون العقائديون أن يفتح التنازل باب الاختراق الغربي. الخلافات حقيقية، لكنها تتركز في معظمها حتى الآن على الوسائل أكثر من المبادئ المؤسسة للنظام. كما أن وزن الأطراف متفاوت، والكفة تميل إلى أصحاب القوة العسكرية والأمنية.

سرّعت الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل هذا التحول، فأصبحت الاحتجاجات والاقتصاد والمعلومات والسياسة الخارجية والملف النووي قضايا تُقرأ بمنظار أمني. وهنا يظهر الفارق بين مصلحة إيران ومصلحة النظام؛ قرار مكلف اقتصادياً قد يبدو مقبولاً لدى القيادة إذا عدّته ضرورياً لحماية بقائها. لذلك، تواجه طهران معضلة مستمرة؛ تريد إنهاء استنزاف الحرب، لكنها تخشى تسوية توحي بالاستسلام، أو إصلاحات تعتقد أنها قد تُضعف تماسك السلطة وتفتح الطريق أمام انهيارها.

مجتبى خامنئي يحتل قمة الهرم، لكن فهم القرار الإيراني يتطلّب النظر إلى ما تحتها. فالأفراد يقررون، والمؤسسات تنظّم وتنفذ، والشبكات ترسم حدود الخيارات. وهذه القيادة الجماعية لا تعني انفتاحاً سياسياً، بل تعكس انتقالاً نحو حكم أشد ارتباطاً بالأمن والعسكر. تبقى حدود سلطة كل طرف مرتبطة بمسار الحرب وتوازن القوى الداخلي. من يريد التعامل مع طهران يحتاج إلى فهم توازناتها الداخلية، لأن صوت المفاوض لا يختصر دائماً إرادة أصحاب النفوذ، ولأن بقاء النظام يظل المعيار الذي تُوزن به التسويات والمواجهات معاً.