عبد العزيز الغيامة
صحافي سعودي منذ 1998 وحاصل على وسام الإعلام الرياضي العربي من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية عام 2022 ورئيس لقسم الرياضة في صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

النجومية لا تصنع الوعي

استمع إلى المقالة

كم يحتاج لاعب كرة قدم من السنوات حتى يصنع اسمه وشعبيته وقيمته التجارية؟ وكم يحتاج من الكلمات حتى يخسر جزءاً مما بناه؟

ما حدث مع الفرنسي كيليان مبابي في الصين يقدم إجابة واضحة عن السؤالين، ويعيد طرح قضية أعتقد أن الوسط الرياضي لا يمنحها الاهتمام الذي تستحقه، وهي مسؤولية الكلمة حين تصدر عن شخصية يتابعها الملايين حول العالم.

مبابي خسر عقود رعاية تقدر قيمتها بنحو سبعة ملايين يورو سنوياً، وتسببت تصريحاته بشأن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ في اعتذار رابطة الدوري الإسباني، ثم ريال مدريد، بينما تدخل رئيس الرابطة خافيير تيباس شخصياً والتقى السفير الصيني في مدريد لمحاولة احتواء الأزمة. كل ذلك بسبب كلمات قالها اللاعب وهو يتحدث عن صورة ساخرة!

في تقديري الشخصي، المشكلة تتجاوز مبابي إلى معظم نجوم كرة القدم الذين يعيشون شهرة عالمية هائلة، لكن بعضهم لا يزال يتصرف بعقلية اللاعب الذي يعتقد أن حديثه شأن شخصي، وأن ما يقوله أمام الكاميرات يمكن التعامل معه كما لو كان حديثاً مع أصدقائه.

هؤلاء يستفيدون من جماهيرية تمتد إلى قارات العالم، ويوقعون عقوداً بمئات الملايين، وتتنافس الشركات على صورهم وأسمائهم، لكن هل يدركون فعلاً أن هذه الشعبية تفرض عليهم مسؤوليات تتجاوز تسجيل الأهداف والفوز بالبطولات؟

الباحث الفرنسي لوكاس أوبان، مدير الأبحاث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية، قال كلاماً مهماً عن وجود خطوط حمراء سياسية وتاريخية ينبغي للاعب العالمي إدراكها، واعتبر أن مبابي أخطأ بسبب السذاجة. وأتصور أن هذه الكلمة تحديداً تختصر المشكلة؛ فالنجومية لا تعني بالضرورة امتلاك الوعي، والموهبة لا تمنح صاحبها المعرفة بتاريخ الشعوب وحساسياتها.

ولا أقول إن على الرياضيين التوقف عن إبداء آرائهم، أو الخضوع لمواقف الحكومات، فحرية التعبير حق، لكن الفرق كبير بين رأي يعرف صاحبه أبعاده، وكلام يطلقه دون أن يفكر في نتائجه.

والمفارقة أن تيباس، الذي تحرك لمعالجة تصريحات مبابي، يواجه هو الآخر إجراءات مساءلة على خلفية تشبيهه أساليب قناة ريال مدريد التلفزيونية بالدعاية التي ارتبطت بجوزيف غوبلز في الحقبة النازية. رئيس رابطة يحاول معالجة تبعات كلمات لاعب، بينما يجد نفسه مطالباً بتفسير كلماته أيضاً!

وهنا أعتقد أن القضية تشمل الجميع؛ اللاعب والمدرب والمسؤول والناقد الرياضي. فالتاريخ يحمل أمثلة كثيرة لأشخاص دفعتهم تصريحاتهم إلى خسارة مناصب أو عقود أو مكانة جماهيرية، بعدما اعتقدوا أن ما يقولونه سينتهي بانتهاء المقابلة أو المؤتمر الصحافي.

رأيي الشخصي أن الأندية والاتحادات تنفق أموالاً ضخمة لتطوير اللاعبين بدنياً وفنياً، لكنها لا تمنح تطوير وعيهم الثقافي والإعلامي القدر نفسه من الاهتمام. وهذه ثغرة تستحق المعالجة، لأن اللاعب أصبح مؤسسة اقتصادية وإعلامية متنقلة، وكلمته قد تؤثر في مصالح نادٍ ودوري بأكمله.

والحقيقة أن أخطر ما يواجه الرياضي أحياناً ليس المنافس الذي يقف أمامه في الملعب، وإنما لسانه الذي لا يعرف متى يتوقف.

المشكلة أن بعض نجوم الرياضة يعرفون جيداً كم تساوي أقدامهم في سوق الانتقالات، وكم تساوي صورهم في عقود الرعاية، لكنهم لا يعرفون حتى الآن كم يمكن أن تكلفهم كلمة واحدة. وهذه، في تقديري الشخصي، واحدة من أكبر مفارقات الرياضة الحديثة.



المزيد من مقالات الرأي