أعاد تحذير البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي من تزايد بيع الأراضي في لبنان هواجس مسيحية تتجاوز انتقال الملكيات، إلى احتمال التأثير على التركيبة السكانية في عدد من المناطق، في ظل الحرب، والنزوح، والضائقة الاقتصادية. وتترافق التحذيرات مع جدل بشأن عمليات شراء عقارات في جبل لبنان، من دون توفر أدلة منشورة تثبت وجود خطة منظّمة لإحداث تغيير ديموغرافي.

تحذير بكركي وملف العقارات
خلال قداس الأحد في العاقورة (قضاء جبيل)، دعا الراعي إلى عدم التسرّع في بيع الأراضي، أو التفريط بها، قائلاً إنها «ذاكرة، وجذور، وهوية، ومستقبل»، محذّراً من أن ما يخسره اللبنانيون منها اليوم قد لا يتمكن أبناؤهم من استعادته غداً.
وتحدثت «حركة الأرض اللبنانية» عن مؤشرات شراء شقق وأراضٍ ومبانٍ في بعبدات، وجرود المتن، وكسروان (مناطق تسكنها غالبية مسيحية)، وسط تساؤلات عن حجم الصفقات، ومصادر تمويلها. وهي معطيات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مشروع سياسي موحّد وراء عمليات الشراء.

هواجس العيش المشترك
إلى ذلك، أكد مصدر كنسي لبناني أن «التحذير الذي أطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي بشأن بيع الأراضي يأتي نتيجة تنامي الهواجس لدى شرائح من اللبنانيين حيال ما يمكن أن يترتب على عمليات البيع من تغييرات ديموغرافية، وتوترات اجتماعية»، مشيراً إلى أن «هذه المخاوف باتت مطروحة بقوة في الآونة الأخيرة، وسط تزايد الدعوات إلى إثارة هذا الملف، والتحدث عنه بصراحة، وهو ما يفسّر توقيت موقف البطريرك».
وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «الخشية من حصول تغيير ديموغرافي هي هواجس مشروعة، خصوصاً عندما تجري عمليات بيع الأراضي وشرائها في ظروف استثنائية يمر بها لبنان»، محذراً من أن «مثل هذه التحركات قد تخلق تشنجات في بلد يعاني أساساً انقسامات سياسية حادة، وتنعكس سلباً على العلاقات بين مكوناته».
ولفت إلى أن «المشكلة لا تقتصر على مبدأ البيع والشراء، وإنما ترتبط أيضاً بتوقيت هذه العمليات، والظروف المحيطة بها»، معتبراً أن «إثارة هذا الملف في ظل الأزمة الراهنة تعكس خشية من وجود نوع من الاستغلال للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمر بها اللبنانيون».
وشدد المصدر على أن «الهاجس الأساسي يتمثل في الحفاظ على صيغة العيش المشترك التي يقوم عليها لبنان، ومنع تحوّل عمليات بيع الأراضي إلى سبب لإثارة الحساسيات والتوترات بين اللبنانيين»، لافتاً إلى أن «هذه المسائل لم تكن تثير المستوى نفسه من القلق عندما كانت ظروف العيش المشترك أكثر استقراراً، إلا أن الانقسامات السياسية والأزمات المتلاحقة أعادتها إلى الواجهة»، مؤكداً أن «المطلوب هو حماية العيش المشترك، والحؤول دون استغلال الظروف الراهنة بما يؤدي إلى تعميق الانقسامات، وإثارة التشنجات».

نزوح دائم؟
بدوره، رأى عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب إيلي خوري أن «التحذير الذي أطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي بشأن بيع الأراضي يعكس هواجس حقيقية لدى اللبنانيين من احتمال حصول تغييرات ديموغرافية واسعة، في ظل النزوح السكاني الذي تسببت به الحرب المستمرة منذ أكثر من سنتين»، مشيراً إلى أن «الخوف الأساسي لا يرتبط بعمليات البيع بحد ذاتها، وإنما باحتمال تحوّلها إلى مشاريع سكنية كبيرة تؤدي إلى انتقال جماعي للسكان، وإحداث تغييرات ديموغرافية دائمة في بعض المناطق».
وأوضح خوري لـ«الشرق الأوسط» أن «الانقسام السياسي في لبنان قائم، ومعروف، لكن المسألة الأكثر إثارة للقلق اليوم تتصل بالتحولات الديموغرافية التي فرضتها الحرب، وما نتج عنها من انتقال سكاني، وضغط على مناطق الداخل اللبناني»، لافتاً إلى أن «هذا الواقع أوجد هواجس فعلية لدى المواطنين، تتغذى من الأخبار والمعلومات المتداولة عن عمليات شراء أراضٍ بمساحات واسعة في مناطق مختلفة».
وأضاف أن «ما يثير المخاوف هو الحديث عن انتقال أشخاص ورؤوس أموال لشراء مساحات كبيرة من الأراضي في مناطق أخرى، واحتمال استخدامها لاحقاً لإقامة تجمعات سكنية جديدة»، موضحاً أن «شراء مساحات تصل إلى 500 ألف متر مربع، أو مليون متر مربع يفتح، في نظر المواطنين، باب التساؤلات حول إمكان تشييد عشرات المباني عليها، ربما 40 أو 50 مبنى، بما يسمح باستيعاب تجمعات سكانية قد تضم 7 أو 10 آلاف شخص».

ترانسفير سكاني ومخاوف أمنية
وفي معرض تمييزه بين المخاوف الأمنية والديموغرافية، أكد خوري أن «الخشية المرتبطة ببيع الأراضي لا تنحصر في احتمال انتقال الاستهدافات الإسرائيلية إلى مناطق جديدة، بل تتجاوز ذلك إلى الخوف من مشاريع متوسطة وطويلة الأمد تؤسس لانتقال سكاني جماعي»، مشيراً إلى أن «النازحين الذين استأجروا منازل في مناطق مختلفة تعرض بعضهم للاستهداف، بعدما شهدنا عمليات اغتيال في طرابلس، وزغرتا، وجونية، وكسروان، ومناطق أخرى، بما يؤكد أن الاستهدافات لم تقتصر على منطقة معينة».
وشدد على أن «الهاجس الأكبر هو حصول ما يشبه الترانسفير السكاني، نتيجة استمرار تهجير الناس من مناطقهم الأصلية، وعدم تمكينهم من العودة إلى منازلهم»، موضحاً أن «المشكلة لا تتعلق فقط بالنزوح الذي فرضته الحرب، وإنما باحتمال تحوله إلى واقع دائم، في ظل غياب مؤشرات جدية إلى إمكان عودة النازحين في المدى المنظور، وحتى في المدى المتوسط على الأقل».
مصادر الأموال
في السياق، تقدّم النائب رازي الحاج، في 15 أكتوبر (تشرين الأول)، بإخبار إلى النيابة العامة التمييزية للتحقق من مصادر الأموال المستخدمة في شراء عقارات بالمتن الشمالي. وأشار الإخبار إلى معلومات متداولة عن شراء أكثر من 83 عقاراً في بعبدات، ومار موسى، والدوار، والقعقور، والمحيدثة، مطالباً بالتثبت من سلامة المعاملات، وهوية المستفيدين الفعليين، من دون اعتبار هذه المعلومات وقائع قضائية مثبتة.
ويكفل القانون اللبناني الملكية الخاصة، ولا يشكّل انتقال الأراضي بين مواطنين من طوائف مختلفة دليلاً بذاته على تغيير ديموغرافي، كما لا يعني انتقال الملكية تلقائياً انتقال السكان، أو تبدّل طبيعة إقامتهم.







