لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

بعد فوزه بولاية رابعة في «ريمونتادا» انتخابية ضد مرشح ترمب

الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
TT

لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)

كان لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يعرف أن هذه الانتخابات قد تكون الشرفة التي يطلّ منها على التاريخ، أو على هاويته السياسية. وكان يدرك أيضاً أنها انتخابات وجودية بالنسبة إلى المشروع الذي كرّس له حياته.

4 نقاط كانت تفصله عن منافسه اليميني المتطرف، فلافيو بولسونارو، في نهاية الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وكان يبدو شبه مستحيل، حتى بالنسبة إلى أنصاره وأقرب مستشاريه، أن يعكس النتيجة في الجولة الثانية. لكن «أبو الفقراء» الذي جاوز الـ80 من عمره أبى أن يسلّم العملاق البرازيلي إلى المعسكر اليميني المتطرف، الذي يهبّ كالإعصار على أميركا اللاتينية، فحقق أكبر «ريمونتادا» في تاريخ المنطقة، ونال 51.7 في المائة من الأصوات مقابل 48.2 في المائة لمنافسه، الذي سارع، على غرار والده في عام 2022، إلى رفض النتيجة والطعن فيها بحجة تمديد مدة الاقتراع ساعتين، متناسياً أن حزبه «الليبرالي» كان هو أيضاً انضم إلى الطلب الذي تقدم به حزب «العمال» إلى المحكمة العليا بسبب العراقيل في وسائل النقل، التي كانت تحول دون وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.

برازيلي من أنصار الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يضع قناعاً للمرشح اليميني المهزوم فلافيو بولسونارو داخل قفص خلال الاحتفال بفوز لولا بالانتخابات في ساو باولو (أ.ف.ب)

فاز لولا بولايته الرئاسية الرابعة، وأصبح الرئيس البرازيلي الوحيد الذي يفوز بعد انهزامه في الجولة الأولى، واستطاع أن يوقف تمدد اليمين المتطرف رغم الحقد الذي يولّده لدى شريحة واسعة من البرازيليين، ورسّخ موقعه سدّاً تقدمياً منيعاً في وجه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ليقول في أول تصريح له بعد إعلان الفوز: «هزمنا التدخلات الخارجية والتعبئة الواسعة للمنصات الرقمية ضدنا، وقلنا للعالم إن البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد».

الساعات الأخيرة من يوم الاقتراع كانت مشحونة بالتوتر والفوضى، عندما طلب حزب «العمال»، الذي يتزعمه لولا، تمديد مدة الاقتراع ساعتين تسهيلاً لوصول مئات الآلاف من المواطنين إلى الصناديق للإدلاء بأصواتهم بعد العراقيل التي وضعتها أمامهم سلطات محلية موالية للمعسكر اليميني، وتجاوبت المحكمة العليا مع الطلب الذي أيّده أيضاً الحزب «الليبرالي» المنافس، ربما لثقته بأن النتيجة ستكون لمصلحته.

ما بعد فرحة النصر

الفرحة كانت عارمة بين أنصار لولا الذين خرجوا بأعداد غفيرة إلى الشوارع للاحتفال بهذا النصر التاريخي، لكن لولا؛ الذي ناضل حتى الرمق الأخير في هذه المعركة، يعرف أن ولايته الأخيرة ستكون أقرب إلى الجحيم منها إلى أي شيء آخر؛ لأن خصومه يسيطرون على غالبية قياسية في مجلسَي النواب والشيوخ، ويملكون القدرة على تعيين أعضاء المحكمة العليا، فضلاً عن أن البرازيل اليوم محاطة من كل الجهات بحكومات يمينية متطرفة، وسيّد البيت الأبيض عازم على توسيع دائرة نفوذه في أميركا اللاتينية.

المرشح اليميني المهزوم فلافيو بولسونارو سار على خطى والده رافضاً نتائج الانتخابات (رويترز)

في تصريحاته الأولى من ساو باولو، جدّد لولا الوعود التي كان قطعها في الحملة الانتخابية التي حملته إلى الفوز في عام 2022 على والد منافسه الحالي، الذي يقضي عقوبة السجن في منزله لمشاركته يومذاك في المحاولة الانقلابية. وقال إنه سيواصل إعادة ترميم ما دمّره حكم بولسونارو الأب وسياسته الإقصائية ضد نصف البرازيليين.

القراءة الأولى لنتائج هذه الانتخابات، التي حصد لولا فيها 4 ملايين صوت أكثر من منافسه الذي كان تجاوزه بنحو العدد نفسه في الجولة الأولى، تظهر أن لولا نجح في رهانه على الناخبين الذين امتنعوا يومها عن التصويت، وحضّ أنصارَه على إقناع الذين لا يُلزمهم قانون الانتخاب بالاقتراع، أي أولئك الذين تجاوزوا الـ70 أو تتراوح أعمارهم بين الـ16 والـ17، والذين رجحّت مشاركتهم هذه المرة كفّة لولا. ومن بين التدابير التي أعلنها لاستقطاب هذه الشريحة الواسعة التي تقدر بما يزيد على 33 مليوناً، كان لولا أعلن عن قائمة طويلة شملت زيادة بنسبة 15 في المائة على المساعدات الشهرية التي توزع على 20 مليوناً من الأسر الفقيرة، وأصدر مرسوماً يمنع المراهنات الرياضية وألعاب الميسر عبر الشبكات الرقمية لمكافحة وباء الديون، الذي يجتاح البرازيل منذ عقود ويتسبب في مشكلات اجتماعية خطيرة، كما وعد بتقديم علاجات مجانية للتنحيف إلى الذين يعانون من البدانة، ومساعدات مالية سخية إلى ضحايا العنف المنزلي.

أنصار الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون بفوزه بالانتخابات في ساو باولو (رويترز)

منذ اليوم الأول بعد نهاية الجولة الأولى، سادت الحملةَ الانتخابية أجواءٌ من الثقة المفرطة بالفوز داخل المعسكر اليميني بعد نتائج الجولة الأولى، قابلتها أجواء من القنوط والخمول في معسكر لولا، الذي كان يعرف أن هامش الحصول على الأصوات اللازمة لعكس النتيجة ضيّق جداً، لا سيما أن لولا كان مرشحاً عن تحالف جميع الأحزاب اليسارية والتقدمية، في حين كان بولسونارو ضمن أيضاً تأييد الأحزاب اليمينية والمحافظة التي خرجت من السباق الرئاسي بعد الجولة الأولى.

لكن لولا يعرف أن حلاوة هذا الفوز التاريخي، الذي يتوّج مسيرته السياسية الاستثنائية، لن تدوم طويلاً، وأن التحديات التي تنتظره كثيرة وكبيرة، وأن نصف البلاد يضمر له حقداً عميقاً دفع بالملايين إلى الارتماء في أحضان اليمين المتطرف. وليس أدلّ على ذلك من هذه العبارة التي وردت صباح الأحد في مقالة أوكتافيو كوستا، كبير المعلقين السياسيين في صحيفة «جورنال دو برازيل» الذي قال: «اليمين المتطرف يطرح حلولاً للمشكلات الأساسية التي يعاني منها المواطنون. إنها حلول سيئة جداً، لكنه يطرحها. أما اليسار فلا يطرح شيئاً ملموساً أو واضحاً».

وعندما يتسلّم لولا زمام ولايته الرئاسية الرابعة مطالع يناير (كانون الثاني) المقبل، فلن يجد فقط أعداءه السياسيين يحتلون غالبية المقاعد في البرلمان، بل سيجد اقتصاداً في طور الترهل والضمور، ودَيناً عاماً يبلغ نحو 83 في المائة من إجمالي الناتج القومي. وفضلاً عن ذلك، يعرف أن هذا الفوز الأخير قد فتح باب الخلافة لزعامة اليسار التي كان دائماً يتحاشى الخوض فيها، وأن اليوم التالي بعد لولا قد بدأ ولولا ما زال في السلطة.


مقالات ذات صلة

كاتس: تل أبيب لا تعتزم شن هجوم على إيران قبل الانتخابات

شؤون إقليمية حافلة تحمل ملصقاً انتخابياً يظهر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي وزعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تسير في القدس (أ.ف.ب)

كاتس: تل أبيب لا تعتزم شن هجوم على إيران قبل الانتخابات

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل ليست لديها خطط لشن هجوم على إيران قبل الانتخابات البرلمانية المقررة غداً الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - إرنا)

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

قالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إنّه «لا فرق» بالنسبة إلى طهران بشأن من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية...

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية أشخاص يسيرون أمام لوحة إعلانية لحملة انتخابية تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم حزب «ياشار» غادي آيزنكوت تحمل عبارة «المعركة محتدمة!» في تل أبيب (إ.ب.أ)

من هم أبرز المرشحين في الانتخابات الإسرائيلية؟

منافسة محتدمة في سباق الانتخابات الإسرائيلية. فماذا تعرف عن المرشحين؟

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

تتوجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء وسط انقسام سياسي واجتماعي يجعلها أقرب إلى استفتاء على قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية صبي يجلس على دراجته بجوار لافتة دعائية لحزب «الليكود» بزعامة نتنياهو قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في بني براك - إسرائيل (رويترز) p-circle

بسبب توجيهات تخص إيران... مواجهة بين نتنياهو ورئيس الأركان الإسرائيلي

اندلعت مواجهة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس أركان الجيش حول توجيه سياسي يخص إيران، وذلك قبل وقت قصير من انتخابات إسرائيلية محتدمة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
TT

لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)

كان لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يعرف أن هذه الانتخابات قد تكون الشرفة التي يطلّ منها على التاريخ، أو على هاويته السياسية. وكان يدرك أيضاً أنها انتخابات وجودية بالنسبة إلى المشروع الذي كرّس له حياته.

4 نقاط كانت تفصله عن منافسه اليميني المتطرف، فلافيو بولسونارو، في نهاية الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وكان يبدو شبه مستحيل، حتى بالنسبة إلى أنصاره وأقرب مستشاريه، أن يعكس النتيجة في الجولة الثانية. لكن «أبو الفقراء» الذي جاوز الـ80 من عمره أبى أن يسلّم العملاق البرازيلي إلى المعسكر اليميني المتطرف، الذي يهبّ كالإعصار على أميركا اللاتينية، فحقق أكبر «ريمونتادا» في تاريخ المنطقة، ونال 51.7 في المائة من الأصوات مقابل 48.2 في المائة لمنافسه، الذي سارع، على غرار والده في عام 2022، إلى رفض النتيجة والطعن فيها بحجة تمديد مدة الاقتراع ساعتين، متناسياً أن حزبه «الليبرالي» كان هو أيضاً انضم إلى الطلب الذي تقدم به حزب «العمال» إلى المحكمة العليا بسبب العراقيل في وسائل النقل، التي كانت تحول دون وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.

برازيلي من أنصار الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يضع قناعاً للمرشح اليميني المهزوم فلافيو بولسونارو داخل قفص خلال الاحتفال بفوز لولا بالانتخابات في ساو باولو (أ.ف.ب)

فاز لولا بولايته الرئاسية الرابعة، وأصبح الرئيس البرازيلي الوحيد الذي يفوز بعد انهزامه في الجولة الأولى، واستطاع أن يوقف تمدد اليمين المتطرف رغم الحقد الذي يولّده لدى شريحة واسعة من البرازيليين، ورسّخ موقعه سدّاً تقدمياً منيعاً في وجه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ليقول في أول تصريح له بعد إعلان الفوز: «هزمنا التدخلات الخارجية والتعبئة الواسعة للمنصات الرقمية ضدنا، وقلنا للعالم إن البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد».

الساعات الأخيرة من يوم الاقتراع كانت مشحونة بالتوتر والفوضى، عندما طلب حزب «العمال»، الذي يتزعمه لولا، تمديد مدة الاقتراع ساعتين تسهيلاً لوصول مئات الآلاف من المواطنين إلى الصناديق للإدلاء بأصواتهم بعد العراقيل التي وضعتها أمامهم سلطات محلية موالية للمعسكر اليميني، وتجاوبت المحكمة العليا مع الطلب الذي أيّده أيضاً الحزب «الليبرالي» المنافس، ربما لثقته بأن النتيجة ستكون لمصلحته.

ما بعد فرحة النصر

الفرحة كانت عارمة بين أنصار لولا الذين خرجوا بأعداد غفيرة إلى الشوارع للاحتفال بهذا النصر التاريخي، لكن لولا؛ الذي ناضل حتى الرمق الأخير في هذه المعركة، يعرف أن ولايته الأخيرة ستكون أقرب إلى الجحيم منها إلى أي شيء آخر؛ لأن خصومه يسيطرون على غالبية قياسية في مجلسَي النواب والشيوخ، ويملكون القدرة على تعيين أعضاء المحكمة العليا، فضلاً عن أن البرازيل اليوم محاطة من كل الجهات بحكومات يمينية متطرفة، وسيّد البيت الأبيض عازم على توسيع دائرة نفوذه في أميركا اللاتينية.

المرشح اليميني المهزوم فلافيو بولسونارو سار على خطى والده رافضاً نتائج الانتخابات (رويترز)

في تصريحاته الأولى من ساو باولو، جدّد لولا الوعود التي كان قطعها في الحملة الانتخابية التي حملته إلى الفوز في عام 2022 على والد منافسه الحالي، الذي يقضي عقوبة السجن في منزله لمشاركته يومذاك في المحاولة الانقلابية. وقال إنه سيواصل إعادة ترميم ما دمّره حكم بولسونارو الأب وسياسته الإقصائية ضد نصف البرازيليين.

القراءة الأولى لنتائج هذه الانتخابات، التي حصد لولا فيها 4 ملايين صوت أكثر من منافسه الذي كان تجاوزه بنحو العدد نفسه في الجولة الأولى، تظهر أن لولا نجح في رهانه على الناخبين الذين امتنعوا يومها عن التصويت، وحضّ أنصارَه على إقناع الذين لا يُلزمهم قانون الانتخاب بالاقتراع، أي أولئك الذين تجاوزوا الـ70 أو تتراوح أعمارهم بين الـ16 والـ17، والذين رجحّت مشاركتهم هذه المرة كفّة لولا. ومن بين التدابير التي أعلنها لاستقطاب هذه الشريحة الواسعة التي تقدر بما يزيد على 33 مليوناً، كان لولا أعلن عن قائمة طويلة شملت زيادة بنسبة 15 في المائة على المساعدات الشهرية التي توزع على 20 مليوناً من الأسر الفقيرة، وأصدر مرسوماً يمنع المراهنات الرياضية وألعاب الميسر عبر الشبكات الرقمية لمكافحة وباء الديون، الذي يجتاح البرازيل منذ عقود ويتسبب في مشكلات اجتماعية خطيرة، كما وعد بتقديم علاجات مجانية للتنحيف إلى الذين يعانون من البدانة، ومساعدات مالية سخية إلى ضحايا العنف المنزلي.

أنصار الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون بفوزه بالانتخابات في ساو باولو (رويترز)

منذ اليوم الأول بعد نهاية الجولة الأولى، سادت الحملةَ الانتخابية أجواءٌ من الثقة المفرطة بالفوز داخل المعسكر اليميني بعد نتائج الجولة الأولى، قابلتها أجواء من القنوط والخمول في معسكر لولا، الذي كان يعرف أن هامش الحصول على الأصوات اللازمة لعكس النتيجة ضيّق جداً، لا سيما أن لولا كان مرشحاً عن تحالف جميع الأحزاب اليسارية والتقدمية، في حين كان بولسونارو ضمن أيضاً تأييد الأحزاب اليمينية والمحافظة التي خرجت من السباق الرئاسي بعد الجولة الأولى.

لكن لولا يعرف أن حلاوة هذا الفوز التاريخي، الذي يتوّج مسيرته السياسية الاستثنائية، لن تدوم طويلاً، وأن التحديات التي تنتظره كثيرة وكبيرة، وأن نصف البلاد يضمر له حقداً عميقاً دفع بالملايين إلى الارتماء في أحضان اليمين المتطرف. وليس أدلّ على ذلك من هذه العبارة التي وردت صباح الأحد في مقالة أوكتافيو كوستا، كبير المعلقين السياسيين في صحيفة «جورنال دو برازيل» الذي قال: «اليمين المتطرف يطرح حلولاً للمشكلات الأساسية التي يعاني منها المواطنون. إنها حلول سيئة جداً، لكنه يطرحها. أما اليسار فلا يطرح شيئاً ملموساً أو واضحاً».

وعندما يتسلّم لولا زمام ولايته الرئاسية الرابعة مطالع يناير (كانون الثاني) المقبل، فلن يجد فقط أعداءه السياسيين يحتلون غالبية المقاعد في البرلمان، بل سيجد اقتصاداً في طور الترهل والضمور، ودَيناً عاماً يبلغ نحو 83 في المائة من إجمالي الناتج القومي. وفضلاً عن ذلك، يعرف أن هذا الفوز الأخير قد فتح باب الخلافة لزعامة اليسار التي كان دائماً يتحاشى الخوض فيها، وأن اليوم التالي بعد لولا قد بدأ ولولا ما زال في السلطة.


لولا بفوز بولاية رئاسية رابعة للبرازيل وبولسونارو يسعى لإلغاء الانتخابات

مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)
مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)
TT

لولا بفوز بولاية رئاسية رابعة للبرازيل وبولسونارو يسعى لإلغاء الانتخابات

مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)
مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)

أعيد انتخاب الرئيس البرازيلي اليساري المنتهية ولايته لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي سيبلغ قريبا 81 عاما، الأحد لولاية رابعة غير مسبوقة، بعد تغلبه على منافسه المحافظ فلافيو بولسونارو الذي أعلن نيته السعي لإلغاء الاقتراع.

ومع فوز لولا، لم تتجه البرازيل في نهاية المطاف نحو اليمين، على غرار الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا، وهي دول تحظى بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل بقيت واحدة من المعاقل التقدمية القليلة في أميركا اللاتينية. وحصل لولا على نحو 51,8% من الأصوات مقابل 48,2% لابن الرئيس السابق جايير بولسونارو، بحسب النتائج الرسمية.

وقال بولسونارو إنه ‌لن ‌يعترف ​بهزيمته ‌أمام ⁠دا سيلفا، ‌مضيفا ​أنه ‌سيسعى ‌إلى إلغاء جولة الإعادة. وقال إن قرار قاضي ⁠المحكمة ⁠العليا كريستيانو زانين بتمديد فترة التصويت لمدة ساعتين أمر «غير ​مقبول».

وكانت هيئة الانتخابات في البرازيل أعلنت في وقت سابق أنها أوقفت مؤقتا إحصاء الأصوات في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، بعد أن قضى أحد قضاة المحكمة العليا بتمديد ساعات التصويت على مستوى البلاد ساعتين.

وكان من المقرر في البداية إغلاق صناديق الاقتراع في الخامسة مساء بالتوقيت المحلي (2000 بتوقيت غرينتش)، لكنها أغلقت في السابعة مساء، بعد أن وافق القاضي الأعلى كريستيانو زانين على طلب قدمته حملة لولا لتمديد فترة التصويت، مشيرا إلى مشاكل في وسائل النقل العام في ثلاث مدن بولاية بايا.

وكان التوتر شديدا في ظل توقع استطلاعات الرأي سباقا شديد التقارب، ووجه كلا المرشحين نداءات في اللحظة الأخيرة إلى السلطات الانتخابية لتمديد التصويت لمدة ساعتين في ولايات محددة. وطلب بولسونارو وقتا إضافيا في ثلاث ولايات، متذرعا بسوء الأحوال الجوية، في حين طلب لولا من السلطات الانتخابية تمديد التصويت في تسع ولايات بعد أن قالت حملته إن المسؤولين قلصوا خدمات النقل العام في يوم الانتخابات.

ويعتمد كثير من البرازيليين على وسائل النقل العام للتصويت في المدن المسجلين فيها، لكنهم قد لا يكونون مقيمين فيها حاليا. ويميل أنصار لولا إلى الاعتماد بنحو أكبر على وسائل النقل العام في هذه المدن. وأمرت محكمة في ولاية بايا، وهي معقل لولا في شمال شرق البرازيل، باعتقال مسؤول كبير في قطاع النقل في سلفادور على خلفية اتهامات بأنه أمر بتقليص أسطول حافلات المدينة.

وقال لولا للصحفيين «ينبغي ألا يتخلى أحد عن التصويت لأن رجل أعمال عديم الضمير أو رئيس بلدية فاسد وغير أمين حاول منعهم من ذلك».

وهيمنت على السباق الانتخابي فضائح الفساد والمخاوف الاقتصادية واتهامات بالتدخل الأميركي، وهو ما تنفيه واشنطن. وتأثرت حملة الانتخابات كذلك بتداعيات إدانة جايير بولسونارو عام 2025 بالتخطيط لانقلاب عام 2022. وتعهد فلافيو بإطلاق سراح والده في حال فوزه بالانتخابات.

ووصف ترمب هذه القضية بأنها «حملة استهداف»، وفرض في 2025 رسوما جمركية تبلغ 50 بالمئة على البرازيل في قرار ارتبط بوضوح بمحاكمة جايير بولسونارو. وعلى الرغم من تخفيف بعض هذه الإجراءات لاحقا، فرض ترمب خلال العام الحالي رسوما جديدة على البرازيل وعزا ذلك إلى ممارسات تجارية غير عادلة.

واعتبر لولا أن تقارب إدارة ترمب مع عائلة بولسونارو يندرج ضمن محاولات التأثير على الانتخابات، وانتقد الرسوم الجمركية وغيرها من التدابير العقابية ووصفها بأنها استقواء. ويواجه لولا على الصعيد الاقتصادي صعوبة في كسب تأييد الناخبين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراكم ديون الأسر رغم تراجع معدلات عدم المساواة والبطالة. ويشكل كذلك العنف المستشري الذي تمارسه عصابات إجرامية مصدر قلق للناخبين.

وسعى بولسونارو في المقابل لاستغلال المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة متعهدا بتبني نهج صارم في مكافحة الجريمة يشمل إنشاء سجون شديدة الحراسة والإخصاء الكيميائي على مرتكبي الجرائم الجنسية الخطيرة.

وحصل بولسونارو على 47 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى، مقابل 45 بالمئة للولا. وأدى فوز عضو مجلس الشيوخ في الجولة الأولى إلى ارتفاع أسواق البرازيل وعملتها على خلفية التوقعات بإجراء إصلاحات مؤيدة لقطاع الأعمال.

وانعكس نجاحه في الجولة الأولى على انتخابات الكونغرس لصالح حزبه، الحزب الليبرالي، وسياسيين آخرين من تيار اليمين، وهو ما قد يمهد له الطريق التشريعي، أو يعقد عملية الحكم بالنسبة للولا.


البرازيل تقترع في انتخابات رئاسية «حاسمة»

موظفة في هيئة الانتخابات الإقليمية تتأكد من وضع آلة التصويت الإلكتروني في مقاطعة لاغو دو كاتالاو في ولاية الأمازون في البرازيل (أ.ف.ب)
موظفة في هيئة الانتخابات الإقليمية تتأكد من وضع آلة التصويت الإلكتروني في مقاطعة لاغو دو كاتالاو في ولاية الأمازون في البرازيل (أ.ف.ب)
TT

البرازيل تقترع في انتخابات رئاسية «حاسمة»

موظفة في هيئة الانتخابات الإقليمية تتأكد من وضع آلة التصويت الإلكتروني في مقاطعة لاغو دو كاتالاو في ولاية الأمازون في البرازيل (أ.ف.ب)
موظفة في هيئة الانتخابات الإقليمية تتأكد من وضع آلة التصويت الإلكتروني في مقاطعة لاغو دو كاتالاو في ولاية الأمازون في البرازيل (أ.ف.ب)

بدأ البرازيليون بالإدلاء بأصواتهم، الأحد، في انتخابات تضعهم أمام خيار حاسم، يتمثّل في 4 سنوات أخرى في ظل حكم الرئيس اليساري الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أو في العودة إلى نهج اليمين بقيادة السيناتور فلافيو بولسونارو. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن هذه المعركة الانتخابية هي الأخيرة للولا الذي سيبلغ 81 عاماً، الأسبوع المقبل، والذي يأمل في تحقيق تحول في مجرى التصويت بعدما حلّ ثانياً في الجولة الأولى خلف نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو. وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تقارباً شديداً بين المرشحَين. بعد الإدلاء بصوته في أحد مراكز الاقتراع في ريو دي جانيرو، قال بولسونارو: «لا يمكن للبرازيل أن تستمر 4 سنوات أخرى على هذه الحال. حياة الجميع ازدادت سوءاً»، داعياً إلى إحداث «تغيير حقيقي». وستحسم جولة الإعادة، الأحد، ما إذا كانت البرازيل ستلزم معسكر اليسار، أو أنها ستنضمّ إلى اليمين الذي يدعمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حليف عائلة بولسونارو. وقدّم لولا الذي يسعى للفوز بولاية رابعة في المنصب، نفسه كحصن منيع في وجه التدخل الأميركي، وتراجع الديمقراطية، وتعهّد توسيع نطاق الحماية الاجتماعية. أما فلافيو بولسونارو البالغ 45 عاماً، فتعهد القضاء على الجريمة، وخفض الإنفاق الحكومي، مع جرعة دينية بـ«تسليم البرازيل إلى يسوع المسيح»، وطرح رؤية للتغيير نالت تأييد البرازيليين الباحثين عن نهج جديد. وقال جواو باولو (37 عاماً) خلال تجمع حاشد في بيلو هوريزونتي: «كفى. لقد أمضينا 16 عاماً تقريباً تحت حكم هذه الإدارة، ومن الواضح أنها لم تنجح. حان وقت التغيير». وحرص بولسونارو على تقديم نفسه بوصفه أكثر اعتدالاً من والده جايير الذي يمضي عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً بتهمة محاولة تنفيذ انقلاب بعد هزيمته أمام لولا في انتخابات عام 2022. وتعهد أنه في حال انتخابه، سيكون أول إجراء يتخذه هو إطلاق سراح والده، وهو شخصية تثير انقساماً حاداً في البرازيل، وكان لإرثه حضور طاغٍ خلال الحملة الانتخابية لابنه الأكبر. وعقب الهزيمة في الجولة الأولى، تحرك اليسار بقوة، ونظم تجمّعات حاشدة تحت شعار: «لن نسمح بعودة بولسونارو أبداً»، واستذكر المحتجون الإدارة الفوضوية للرئيس السابق لجائحة «كوفيد - 19»، وتدميره غابات الأمازون المطيرة، وتقليصه البرامج الحكومية والخدمات العامة.

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا المرشح عن حزب العمل في الانتخابات الرئاسية الحالية وسط مؤيديه من الناخبين (رويترز)

ووصلت عمليات إزالة الغابات في أكبر غابة مطيرة في العالم إلى أدنى مستوياتها منذ 4 عقود في ظل حكم لولا. لكن في الوقت الذي غذت ظاهرة «إل نينيو» المناخية الحرائق التي خنقت مدن الأمازون بالدخان في الأسابيع الأخيرة، لم يتم التطرق بشكل كبير إلى تغير المناخ في الحملة.

سياسات مثيرة للجدل

عاد لولا الذي يحظى بتقدير بفضل برامج الرعاية الاجتماعية التي انتشلت الملايين من الفقر، إلى سدة الحكم في انتخابات عام 2022، بعد فضيحة فساد كبرى أدت إلى سجنه لأكثر من 18 شهراً. وبقيت التهم التي أُسقطت لأسباب إجرائية، تلاحقه. وخلال ولايته الثالثة، شهدت البرازيل انخفاضاً في معدلات التضخم والبطالة، كما انتشل الملايين من براثن الجوع، لكنّ الناخبين يشكون من ارتفاع تكاليف المعيشة، كما أنهم ضاقوا ذرعاً بانتشار الجريمة. وأصبحت سياسات لولا الاجتماعية الشهيرة مصدر توتر، إذ عمد إلى توسيع برامج الرعاية الاجتماعية خلال حملته الانتخابية بينما يطالب منتقدوه بأن تكبح الحكومة الإنفاق. وقال والتر دوس سانتوس البالغ 56 عاماً والذي يعيش في شمال شرقي البرازيل وهي منطقة تعدّ معقلاً للرئيس الذي ينحدر منها «حتى إن وصفها البعض بأنها مجرد منح أو مساعدات، فقد كانت بالنسبة إلينا عوناً هائلاً؛ لأن من ذاق طعم الجوع يدرك تماماً أهمية هذه البرامج، ولا يعد وجودها أمراً مسلّماً به».

مركز اقتراع في مقاطعة لاغو دو كاتالاو في ولاية الأمازون في البرازيل (أ.ف.ب)

استراتيجية وسائل التواصل

بعد الضربة التي تلقاها في الجولة الأولى، أعاد لولا صياغة استراتيجيته على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لجأ إلى تسجيل مقاطع فيديو له، واشترى أول هاتف محمول. واندلعت معركة محتدمة على وسائل التواصل الاجتماعي طالت مجموعة «ميتا» المالكة لتطبيقات «واتساب» و«فيسبوك» و«إنستغرام»؛ إذ اتهمتها حملة لولا بالانحياز لمنافسه من خلال «التلاعب الخوارزمي». ونفت «ميتا» ذلك، لكنها أقرت بأن بعض الإعلانات الخاصة بحملة لولا أوقفت عن طريق الخطأ بسبب مشكلات تقنية. وأيّاً كان الفائز، فإن البرازيل مقبلة على مرحلة صعبة ومضطربة بعد الانتخابات. وقال المحلل السياسي توماس تراومان: «إذا فاز اليسار، فسيواجه 4 سنوات في ظل كونغرس معادٍ وتهديدات بالعزل»، مشيراً إلى المكاسب التشريعية الواسعة التي حققها اليمين. وأضاف: «إذا فاز اليمين المتطرف، فستكون حكومة قائمة على الانتقام، تستهدف المحكمة العليا» التي يكنّ لها اليمين خصومة شديدة منذ إدانتها جايير بولسونارو بتهمة محاولة الانقلاب. وقال فلافيو بولسونارو إنه سيسعى لعزل قاضي المحكمة العليا ألكسندر دي مورايس الذي قاد القضية المقامة على والده.