يشكّلُ الموقفُ الذي أعلنَه الرئيس عبد الفتاح السيسي من الاعتداءات الحوثية على السّعودية تطوراً لافتاً في الأزمة الحالية التي تتخطَّى حدودَ اليمن لتشكّلَ أزمةً على مستوى إقليم يعيشُ منذ عقودٍ على جمر مسلسلِ الانقلابات الإيرانية. ولا غرابةَ في هذا الموقفِ؛ فمصرُ دولةٌ عربيةٌ كبيرة لا تستطيعُ الاستقالةَ من دورها في الدفاعِ عن الأمن القومي وعن مصالِحها المباشرة. ولا مبالغةَ في القول إنَّ مصرَ والسعودية هما العمودُ الفقري لأيّ موقفٍ عربيّ صارمٍ يرمي إلى المحافظةِ على حقوقِ الضلع العربي في الإقليم.
تعاملت مصرُ مع الاندفاعةِ الإيرانية في المنطقة بكثيرٍ من الحكمة والصبر. راهنت على الدبلوماسيةِ وعاملِ الوقت آملةً في أن توقفَ طهرانُ محاولاتِها المتكررةَ لتطويق مراكز القرار العربي، وإحداثِ تغييراتٍ في موازين القوى داخلَ عددٍ من الخرائط وعلى مستوى المنطقةِ برمَّتها.
ذهبتُ قبلَ سنوات إلى الرئيس السيسي وسألتُه عن مصرَ واقتصادِها وأوضاع الإقليم وأمنه. قالَ: «القوى التي تستهدف مصرَ تستهدف المنطقةَ أيضاً. إنَّها قوى الشَّر التي تتشكَّل من تنظيماتٍ متطرفة أو دولٍ إقليمية تسعى إلى زعزعةِ الاستقرار وقلب المعادلات. قرارُنا حاسمٌ بالتصدي لهذه الاعتداءاتِ والمحاولات، وإرادتُنا صلبة. علينا بوصفنا دولاً عربية أن نتكاتفَ دفاعاً عن أمننا القوميّ واستقرارِنا ضد محاولاتِ تقسيم بلادِنا أو إغراقها في الفوضى واستنزافِ اقتصادها وفرص تقدمها. أثق تماماً بأنَّنا ومع أشقائنا في دول الخليج ودولٍ عربية أخرى نستطيع إذا وحّدنا جهودَنا أن نتصدَّى لمن يستهدف بلدانَنا ومنطقتَنا ودورنا».
شدَّد السيسي في حديثه على أنَّ العلاقةَ مع السعودية «عميقةٌ واستراتيجيةٌ وهي لمصلحة البلدين والأمن القومي العربي». وأضافَ: «بأمانةٍ أقول إنَّ أشقاءنا في السعودية يديرون الأمورَ بحكمةٍ وحزم، ولهذا أقول لهم نحن دائماً معاً». وكانَ السيسي حاسماً في القول إنَّ «استقرارَ المملكة استقرارٌ لمصر والعكس صحيح».
كانَ لافتاً في الحديث الذي نشرته «الشرق الأوسط»، أنَّ الرئيسَ المصري حرص على عدم ذكر إيرانَ بالاسم رغم أنَّه كانَ يعنيها في إشارته إلى قوى الشَّر التي تحاول زعزعةَ الاستقرار وقلب المعادلات. وبدا واضحاً أنَّ السيسي أرادَ إبقاء نافذةِ الحوار مفتوحةً لإعطاء الدبلوماسية أوسعَ الفرص في عقلنة السلوك الإيراني بالإقليم، رغم استمرار طهرانَ في انتهاك «الخطوط الحمر» على الأرض العربية.
تعاملتِ السعودية أيضاً بصبرٍ طويل مع الاختراقاتِ الإيرانية في الإقليم. حاولت دائماً إبقاءَ نافذة الدبلوماسية مفتوحةً وذلك قبل اتّفاق بكينَ وبعدَه. لكنَّ السعوديةَ تمسَّكت بثوابتِ سياستها؛ وهي احترام «الخطوط الحمر» التي يفرضها القانونُ الدوليُّ في التعامل بين الدول، وكذلك «الخطوط الحمر» التي يرسمها مبدأ حسنِ الجوار لمن يلتزمُه قولاً وفعلاً. وفي هذا السياق التقت بشكلٍ عام التوجهاتُ المصريةُ والسعوديةُ في دعم الشّرعيات؛ الشرعية الفلسطينية والشرعية اللبنانية والشرعية اليمنية وتشجيع الشرعية العراقية على استعادة مؤسسات الدولة في الداخل واستعادة دور العراق في العائلة العربية.
في المنعطفات الكبرى التي شهدتها العقودُ الأخيرة المضطربة تلاقت الإرادةُ المصرية مع الإرادة السعودية. حصل اللقاءُ حين غزت قوات صدام حسين الكويت، وحين نزلت مصرُ إلى الشارع، بعدما أثارَ حكمُ «الإخوان» مخاوفَها على هويتها واستقرارها ودورها. تصرَّفت السعودية وقتَها انطلاقاً من قناعتها بترابط أمنِها واستقرارها مع استقرار مصر وأمنِها. وتصرَّفت مصرُ انطلاقاً من قناعتها بأنَّ زعزعة استقرار السعودية تلحق ضرراً كارثياً بمصرَ والخليج والعالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن الاقتصاد العالمي.
من شروط التعايشِ في الإقليم احترامُ الخطوط الحمر التي يفترض بالدول احترامها؛ احترام الحدود الدولية والتعامل مع الحكومات، واحترام حقّ كل دولة في اختيار سياستها وتوجهاتها وفقاً للقوانين والأعراف المعمول بها. يتناقضُ مع شروط التعايش تطويقُ الدول واختراقُ حدودها وأمنها واستنزاف قدرتها على صنع قرارها والدفاع عن سيادتها ومصالحها.
واضح أنَّ سياسة تنظيم «أنصار الله» الحوثي تقوم أصلاً على انتهاك كلّ الخطوط الحمر في الداخل والخارج. يمتدُّ هذا الأسلوبُ من تقويض الشرعية في الداخل اليمني واغتيال الرئيسِ السابق علي عبد الله صالح، إلى ارتهانِ مضيق باب المندب، ووصولاً إلى القصفِ الهمجي الذي استهدف المدنيين في مطار الرياض. إيرانُ بدورها مارست انتهاكاتٍ متواصلة للخطوط الحمر على أراضي الآخرين؛ إنشاء الميليشيات وتسليحها والإمساك بقرارها وتكليفها مهماتٍ إقليمية في سياق عمليات زعزعة الاستقرار.
في مواجهة الاضطراب الكبير الذي يضرب الإقليم، يشكّلُ موقفُ الرئيس المصري رسالةَ تحذير صارمة: مصرُ مستعدةٌ للانخراط في مهمات دفاعية تسهم في كبح عاصفةِ زعزعة الاستقرار. لقاءُ القدرتين المصرية والسعودية يشكّلُ أساساً لاستجماع موقف عربي وإسلامي ودولي يساعد في ترميم الخطوط الحمر ولجم محاولات قلب المعادلة على مستوى الإقليم.
في الإقليم رائحة حرب أوسع وضباب كثيف. لا يكفي غيابُ لاعبٍ خطر اسمُه نتنياهو، في حال حدوثه، للجزم بأنَّ إسرائيلَ ستكون أقلَّ عدوانية. ويصعب التَّكهنُ بالنتائج التي سيستخلصها ترمب من أي انتكاسةٍ انتخابية محتملة لحزبه في الانتخابات النصفية. يضاف إلى ذلك أنَّ السلوكَ الإيراني التصعيديَّ في «هرمز» قد يسرّع بهبوب الرياح الأشد سخونة. لم تبدل إيرانُ لغتَها أو أسلوبها.
ابتسم المسؤولُ العربيُّ طويلاً حين سمعَ من عباس عراقجي أنَّ بلاده بذلت جهودَها لدى السعودية والحوثيين لوقف التصعيد لكنَّ الطرفين لم يتجاوبا، وحرصه على القول إنَّ «الحوثيين يتَّخذون قرارهم بشكل مستقل». ضاعفتِ العبارةُ «الظريفة» تشاؤمَ المسؤول العربي.
