بيانات النشاط الاقتصادي تختبر رهانات الفائدة في الأسواق العالمية

مؤشرات مديري المشتريات في أميركا وأوروبا وأرقام النمو الصينية ترسم ملامح أسبوع حافل

متداول يعمل ببورصة نيويورك قبل قرع جرس الإغلاق في 16 أكتوبر (إ.ب.أ)
متداول يعمل ببورصة نيويورك قبل قرع جرس الإغلاق في 16 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

بيانات النشاط الاقتصادي تختبر رهانات الفائدة في الأسواق العالمية

متداول يعمل ببورصة نيويورك قبل قرع جرس الإغلاق في 16 أكتوبر (إ.ب.أ)
متداول يعمل ببورصة نيويورك قبل قرع جرس الإغلاق في 16 أكتوبر (إ.ب.أ)

تتَّجه أنظار أسواق العملات والسندات العالمية، هذا الأسبوع، إلى مؤشرات النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى، وبيانات التضخم في بريطانيا وكندا واليابان؛ بحثاً عن إشارات جديدة لمسار أسعار الفائدة، في وقت تزداد فيه الضغوط على البنوك المركزية بفعل ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار التضخم، بالتزامن مع تنامي المخاوف من تكلفة تمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وتكتسب مؤشرات مديري المشتريات الأولية لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، المقرر صدورها يوم الجمعة في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وبريطانيا، أهميةً خاصةً في تقييم متانة النشاط الاقتصادي واتجاهات الطلب، وقد توفِّر إشارات إضافيةً بشأن توقيت زيادات الفائدة وحجمها. كما تترقَّب الأسواق بيانات التضخم في بريطانيا وكندا، وأرقام النمو والنشاط الاقتصادي في الصين، إلى جانب قرارات عدد من البنوك المركزية الآسيوية.

رهانات الفائدة الأميركية تحت الاختبار

في الولايات المتحدة، ستساعد مؤشرات مديري المشتريات، وبيانات طلبات إعانة البطالة، ومؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان في تقييم قوة الاقتصاد، بعدما أظهرت البيانات الأخيرة تضخماً أعلى من المتوقع، ونشاطاً اقتصادياً متماسكاً.

ورغم ذلك، فإن الأسواق لا ترجح رفعاً جديداً للفائدة في اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» المقرر في 28 أكتوبر، إذ تسعّر العقود احتمالاً لا يتجاوز 15 في المائة لزيادة قدرها رُبع نقطة مئوية، وفق بيانات «إل إس إي جي» الواردة في تقرير «وول ستريت جورنال». في المقابل، أصبحت زيادة الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) مسعّرة بالكامل في الأسواق.

وتبقى عوائد سندات الخزانة الأميركية في دائرة الاهتمام، بعدما تراجعت عن مستوياتها المرتفعة الأخيرة مع تصاعد المخاوف بشأن استدامة الاستثمارات الممولة بالدين في الذكاء الاصطناعي. غير أن استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة قد يعيدان الضغط على العوائد خلال الفترة المقبلة.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن استراتيجي أسعار الفائدة لدى «آي إن جي»، بادهرايك غارفي، أن قوة بيانات سوق العمل ومبيعات التجزئة وارتفاع تضخم أسعار المنتجين قد تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير العوائد نحو مستويات أعلى خلال الأسابيع المقبلة.

عرض معلومات السوق على شاشة بقاعة بورصة نيويورك في 16 أكتوبر (أ.ب)

أوروبا بين التضخم وتوقعات التشديد

في منطقة اليورو، تتركز الأنظار على مؤشرات النشاطَين الصناعي والخدمي في فرنسا وألمانيا والمنطقة كلها، إلى جانب بيانات ثقة المستثمرين الألمان وتضخم أسعار المنتجين. وقد تساعد النتائج على تحديد ما إذا كان التَّحسُّن الأخير في المعنويات الاقتصادية سيستمر أم سيتراجع.

أما في بريطانيا، فتترقَّب الأسواق بيانات سوق العمل والتضخم ومبيعات التجزئة ومؤشرات النشاط، وسط توقعات متزايدة بأن يرفع «بنك إنجلترا» الفائدة في اجتماعه المقرر في 5 نوفمبر (تشرين الثاني). وتسعّر الأسواق احتمالاً يبلغ 93 في المائة لزيادة قدرها رُبع نقطة مئوية، وفق البيانات التي أوردها التقرير.

وتعكس هذه الرهانات مخاوف من استمرار الضغوط السعرية، وإن كان بعض الاقتصاديين يرى أن الأسواق قد تكون تبالغ في تقدير حجم التشديد النقدي المنتظر.

وفي كندا، تصدر بيانات أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر (أيلول)، التي ستؤثر في توقعات السياسة النقدية بعد بيانات أظهرت ضعفاً في سوق العمل. ولا تزال الأسواق تمنح احتمالاً محدوداً لرفع الفائدة في اجتماع 28 أكتوبر، مع تسعير زيادة في اجتماع ديسمبر.

الصين وآسيا أمام معادلة النمو والأسعار

في آسيا، تتصدر بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصيني للربع الثالث، إلى جانب الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة والاستثمار، قائمة المؤشرات المنتظرة يوم الاثنين. وستساعد هذه الأرقام في تقييم التباين بين قوة الصادرات وضعف الطلب المحلي، في وقت يستفيد فيه قطاع الإلكترونيات من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات «دي بي إس» الواردة في التقرير إلى احتمال ارتفاع الإنتاج الصناعي الصيني بنسبة 5.3 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر، مقابل تباطؤ نمو مبيعات التجزئة إلى 0.3 في المائة، مع استمرار الضغوط على الاستهلاك.

الناس يسيرون بالقرب من بنك إنجلترا البنك المركزي البريطاني والبورصة الملكية في لندن (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن يبقي البنك المركزي الصيني سعر الإقراض المرجعي دون تغيير، مع استمرار الاعتماد على إجراءات دعم موجهة للنشاط الاقتصادي.

كما تصدر اليابان بيانات التجارة والتضخم، التي ستؤثر في توقعات مسار السياسة النقدية لبنك اليابان. ويتوقع اقتصاديون لدى «آي إن جي» ارتفاع التضخم العام والأساسي إلى 2.1 في المائة على أساس سنوي، وهو ما قد يدعم التوقعات بمواصلة تطبيع السياسة النقدية.

وتجتمع بنوك كوريا الجنوبية وإندونيسيا والفلبين، هذا الأسبوع، لاتخاذ قرارات بشأن الفائدة، وسط اختلاف ظروف النمو والتضخم بينها. ففي حين يتوقَّع معظم الاقتصاديِّين تثبيت الفائدة في كوريا الجنوبية، تظلُّ مخاطر ارتفاع أسعار الوقود وضعف العملات المحلية عاملَين ضاغطَين على قرارات البنوك المركزية في إندونيسيا والفلبين.

وفي نيوزيلندا، قد تعزِّز بيانات التضخم للرُّبع الثالث التوقعات برفع الفائدة في اجتماع 28 أكتوبر، بينما تترقب الأسواق في أستراليا تصريحات نائب محافظ البنك المركزي بشأن الخطوة المقبلة للسياسة النقدية.

رسم بياني لسعر سهم شركة «دويتشه أكتين إندكس» ببورصة فرانكفورت في 16 أكتوبر (رويترز)

الطاقة والتمويل يضاعفان أهمية البيانات

وتأتي هذه البيانات في وقت تتداخل فيه مخاطر التضخم مع المخاوف بشأن التمويل، إذ يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يرفع تكاليف الشركات والمستهلكين ويعقِّد مهمة البنوك المركزية، بينما تزيد العوائد المرتفعة تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومات.

وستكون نتائج مؤشرات النشاط الاقتصادي حاسمةً في تحديد ما إذا كانت متانة الطلب ستمنح البنوك المركزية مجالاً لمواصلة التشديد، أم أن تباطؤ النشاط سيحدُّ من قدرتها على رفع الفائدة رغم الضغوط السعرية. كما ستراقب أسواق السندات أي مؤشرات على تغير توقعات الفائدة، في ظلِّ حساسية العوائد للتضخم والإنفاق الاستثماري ومخاطر الدين.


مقالات ذات صلة

رئيس «فيدرالي نيويورك»: التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية... ويجب إعادته إلى 2 %

الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك (رويترز)

رئيس «فيدرالي نيويورك»: التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية... ويجب إعادته إلى 2 %

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، يوم الجمعة، إن النمو الاقتصادي الأميركي لا يزال يُظهر قدرة على الصمود.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

تُلقي حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو الاقتصادي، والتوقعات باستمرار ارتفاع التضخم خلال العام المقبل، بظلالها على الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بنك إنجلترا يتجه إلى رفع الفائدة لمواجهة التضخم الناجم عن الحرب

من المتوقع أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة، الخميس، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، في محاولة لاحتواء صدمة التضخم الناجمة عن حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أفق مدينة برلين عند شروق الشمس (رويترز)

تباطؤ نمو اقتصاد منطقة اليورو إلى أدنى مستوى في 4 أشهر خلال أكتوبر

تباطأ نمو النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو بشكل حاد خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم استمرار الاقتصاد في التوسع، في ظل اقتراب الطلب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد شروق الشمس خلف جسر البرج والحي المالي «كناري وارف» في لندن (رويترز)

قطاع الخدمات البريطاني يسجل أقوى نمو منذ فبراير بدعم من زيادة الطلبيات والتوظيف

سجلت شركات الخدمات البريطانية في أكتوبر أقوى نمو لها منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية في فبراير، مدفوعة بزيادة الطلبيات والتوظيف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)

لم تكن موجة الهبوط العنيفة التي ضربت «وول ستريت» مجرد رد فعل عابر على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية؛ بل كشفت عن تصدعات في الرهان الأكبر الذي قاد صعود الأسهم خلال العام الحالي: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أشهر من الارتفاعات القياسية، وجد المستثمرون أنفسهم أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرة شركات التكنولوجيا على تحقيق عوائد تبرر إنفاقها الضخم، في وقت باتت فيه التكاليف التمويلية والضغوط السياسية تهدد بإبطاء التوسع في البنية التحتية لهذه التكنولوجيا.

ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، محا الهبوط نحو 3.2 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم الأميركية في جلسة واحدة، بعدما تحوّل فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي إلى شرارة أشعلت موجة بيع واسعة، في سوق كانت تعاني أصلاً من تراكم مراكز استثمارية ضخمة ومخاوف متزايدة بشأن تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك 100»، المثقل بأسهم التكنولوجيا، قد هبط بأكثر من 6 في المائة الخميس، قبل أن يسترد جزءاً من خسائره في جلسة الجمعة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً 4.9 في المائة.

ولم يكن العامل السياسي وحده وراء هذا التحول؛ فقد تزايدت مخاوف المستثمرين من أن يؤدي صعود الديمقراطيين إلى تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات، سواء على المستوى الفيدرالي أو في الولايات، بما يهدد خطط التوسع التي تستند إليها توقعات نمو شركات التكنولوجيا. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تقديرات بوصول الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى تريليون دولار خلال العام المقبل.

متداول يعمل في بورصة نيويورك وخلفه شاشات تعرض تحرك الأسهم (أ.ب)

ونقلت الصحيفة عن لودوفيك سوبرا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أليانز» الألمانية، أن نتائج الانتخابات أنهت افتراض أن قطاع الذكاء الاصطناعي سيحصل على تمويل مفتوح بلا قيود، مشيراً إلى أن الأسواق بدأت تدرك أن توقعات النمو غير المحدود لا تصلح وحدها أساساً لتقييم الشركات.

وتزامن ذلك مع ضغوط مالية كانت تتراكم قبل الانتخابات؛ فقد أثارت نتائج الربع الثالث تساؤلات بشأن التوازن بين الإنفاق الرأسمالي الهائل لشركات التكنولوجيا الكبرى، ونمو إيرادات أنشطتها الأساسية، بينما غذّت خسائر أدوات الدين المرتبطة بشركات متخصصة في توفير البنية التحتية السحابية مخاوف من اتساع مشكلات التمويل في القطاع.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تكن ترفع أسعار الأسهم من خلال أرباح شركات تصنيع الرقائق والمعدات ومراكز البيانات فحسب؛ بل كانت تعزز أيضاً توقعات النمو الاقتصادي الأميركي. وبالتالي، فإن أي تباطؤ في الإنفاق قد يضغط في الوقت نفسه على أرباح الشركات وعلى التوقعات الاقتصادية، بما يضعف أحد أبرز محركات صعود الأسواق.

انسحاب المستثمرين يضخم الخسائر

لكن ما حوّل المخاوف إلى موجة بيع واسعة كان التراجع المتزامن للمستثمرين الأفراد وصناديق التحوط عن مراكزهم في الأسهم؛ فبعد أن اعتاد المستثمرون الأفراد شراء الأسهم عند كل تراجع سعري، سجلوا هذه المرة عمليات بيع صافية في الأسهم الفردية بلغت 388 مليون دولار خلال أول ساعتين من التداول الخميس، وفق بيانات «فاندا ريسيرش».

ومع تسارع الهبوط، اضطرت صناديق التحوط إلى تقليص مراكزها الاستثمارية الممولة بالاقتراض، في عملية تعرف في الأسواق باسم خفض الرافعة المالية، بهدف الحد من المخاطر وتوفير السيولة. وأدى هذا الانسحاب المتزامن إلى زيادة ضغوط البيع، بعدما تحولت المراكز الاستثمارية التي عززت المكاسب خلال فترة الصعود إلى مصدر إضافي للخسائر.

وأبلغ «جي بي مورغان» عملاءه بأن الخميس كان أسوأ يوم لصناديق التحوط من حيث الخسائر اليومية منذ تداعيات الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أبريل (نيسان) من العام الماضي، مشيراً إلى أن تقليص الصناديق لاقتراضها وخروجها من المراكز الاستثمارية بلغ أقوى مستوياته خلال فترة 20 يوماً منذ موجة البيع التي صاحبت جائحة «كوفيد-19».

وفي مؤشر إضافي إلى عمق الاضطراب، أعلنت مجموعة «والي» لصناديق التحوط إغلاق جزء من أنشطة الاستثمار في الأسهم وإعادة بعض الأموال إلى المستثمرين.

هل انتهت طفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم الارتداد الجزئي لأسهم التكنولوجيا الجمعة، لا يزال المستثمرون منقسمين بشأن ما إذا كانت موجة البيع تمثل تصحيحاً مؤقتاً للمراكز الاستثمارية المزدحمة، أم بداية تحول أعمق في تقييم آفاق الذكاء الاصطناعي؛ فبعضهم يرى أن المخاوف السياسية مبالغ فيها، خصوصاً أن كثيراً من مشروعات مراكز البيانات دخل بالفعل مرحلة الإنشاء، ما يجعل وقفها بالكامل أمراً مستبعداً. كما عززت بيانات الوظائف الأميركية هذه النظرة، بعدما أظهرت إضافة 165 ألف وظيفة في أكتوبر (تشرين الأول)، متجاوزة توقعات الأسواق.

لكن في المقابل، يرى مستثمرون أن الاضطراب الأخير قد يكون مؤشراً إلى بلوغ طفرة الذكاء الاصطناعي ذروتها، وأن الأسواق بدأت تعيد النظر في افتراضاتها بشأن حجم الإنفاق والعوائد المستقبلية.

تُعرض معلومات السوق على شاشة في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

وتنقل «فاينانشال تايمز» عن نيكيل سرينيفاسان، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق «بنزايتن ماكرو»، اعتقاده بأن الأسواق قد تواصل التراجع، حتى لو شهدت ارتدادات مؤقتة خلال الفترة المقبلة، في إشارة إلى أن إعادة تقييم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد لا تكون انتهت بعد.

ما التوقعات؟

على صعيد توقعات التداول، لا تبدو الأسواق مقبلة على استعادة سريعة للاستقرار مع بداية الأسبوع الجديد، رغم الارتداد الجزئي الذي سجلته أسهم التكنولوجيا في جلسة الجمعة. ونقلت «رويترز» عن محللين، أن عمليات التخلص من المراكز الاستثمارية المموّلة بالاقتراض قد تستمر، بما يبقي التقلبات مرتفعة، فيما لا تزال الأسئلة المتعلقة بتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي والعوائد المنتظرة منها دون إجابات واضحة.

وفي حين يرى بعض المستثمرين أن موجة البيع ربما تجاوزت حدودها، يحذّر آخرون من اعتبار التراجع قد بلغ نهايته، مشيرين إلى أن الأسواق لم تستوعب بعد التداعيات المحتملة للتحولات السياسية والتنظيمية في الولايات المتحدة.

وسيكون اختبار الأسواق الأبرز الثلاثاء، مع صدور بيانات التضخم الأميركية، التي قد تؤثر في توقعات أسعار الفائدة، خصوصاً أن العقود الآجلة كانت تسعّر احتمالاً بنحو 80 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في اجتماعه خلال ديسمبر (كانون الأول).

كما ستتجه الأنظار إلى نتائج «كور ويف»، المتخصصة في الحوسبة السحابية، و«أبلايد ماتيريالز» و«سيسكو»، للحصول على مؤشرات بشأن قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على مواصلة التوسع وتوفير التمويل اللازم لمشروعاتها.


تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

رغم موجة التراجع الحادة التي ضربت أسواق الأسهم الأميركية والآسيوية على وقع المخاوف من تضخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتداعيات التحولات السياسية في واشنطن، واصل المستثمرون ضخ أموالهم في صناديق الأسهم العالمية للأسبوع السابع على التوالي، في مفارقة تعكس استمرار شهية الاستثمار خارج بؤر الاضطراب، بالتزامن مع توجه متزايد نحو أدوات السيولة، والأصول الأكثر أماناً. ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي ليبر»، بلغت التدفقات الصافية إلى صناديق الأسهم العالمية 38.63 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) ، مسجلة أعلى مستوى أسبوعي منذ سبتمبر (أيلول).

وأبقى الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، في حين لمح الأخير إلى احتمال رفعها مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

واستقطبت صناديق الأسهم الأوروبية صافي تدفقات بقيمة 13.25 مليار دولار، وهو أكبر حجم من التدفقات الأسبوعية منذ 12 أغسطس (آب). كما جذبت صناديق الأسهم الآسيوية تدفقات صافية بلغت 8.34 مليار دولار.

وساهم تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي، التي كانت قد رفعت معدلات التضخم في أوروبا منذ اندلاع الحرب مع إيران، في تعزيز الطلب على الأسهم، والصناديق الاستثمارية الأوروبية. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنحو 15.6 في المائة خلال الأسبوع.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة طفيفة بلغت 0.05 في المائة منذ بداية الأسبوع، رغم تراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول بنسبة 2.91 في المائة، وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسواق آسيا والمحيط الهادئ -باستثناء اليابان- بنسبة 4.69 في المائة.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

وفي المقابل، تراجع الطلب على صناديق قطاع التكنولوجيا إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع، مع تسجيلها صافي تدفقات داخلة أسبوعية بقيمة 623.61 مليون دولار. وفي قطاعي الرعاية الصحية والخدمات المالية، بلغت التدفقات الداخلة 1.33 مليار دولار و1.2 مليار دولار على التوالي.

وسجلت صناديق السندات العالمية صافي مشتريات بقيمة 9.91 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول). واستقطبت صناديق السندات الحكومية تدفقات بقيمة 3.07 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. كما سجلت صناديق السندات مرتفعة العائد، والسندات المقومة باليورو، والسندات قصيرة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.02 مليار دولار، وملياري دولار، و1.52 مليار دولار على التوالي.

أما صناديق أسواق النقد العالمية، فقد اجتذبت تدفقات ضخمة بلغت 172.71 مليار دولار، وهي الأكبر منذ أبريل (نيسان) 2020.

صناديق السلع الأولية

وفيما يتعلق بصناديق السلع الأولية، سجلت صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تدفقات داخلة بقيمة 269.79 مليون دولار، ما عوّض جزئياً التدفقات الخارجة البالغة 1.54 مليار دولار في الأسبوع السابق. كذلك سجلت صناديق الطاقة تدفقات داخلة للأسبوع الثالث على التوالي، بلغت 327.31 مليون دولار.

وفي الأسواق الناشئة، سجلت صناديق الأسهم صافي مشتريات أسبوعية بقيمة 1.91 مليار دولار، للأسبوع الخامس على التوالي من التدفقات الداخلة. في المقابل، شهدت صناديق السندات تدفقات خارجة بقيمة 299.07 مليون دولار، وفقاً للبيانات التي شملت 29229 صندوقاً.

وعلى صعيد الولايات المتحدة، سجلت صناديق أسواق النقد أكبر تدفقات نقدية داخلة في ستة أشهر خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر، مع تنامي الحذر قبيل انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد المخاوف بشأن ارتفاع إنفاق شركات التكنولوجيا العملاقة على الذكاء الاصطناعي، واستنزافها للسيولة، ما عزز الطلب على الأصول الآمنة.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي ليبر» أن المستثمرين ضخّوا صافي 117.97 مليار دولار في صناديق أسواق النقد الأميركية خلال الأسبوع، وهو أكبر استثمار أسبوعي منذ 6 مايو (أيار).

صناديق الأسهم الأميركية

وفي المقابل، استقطبت صناديق الأسهم الأميركية صافي تدفقات داخلة بقيمة 14.81 مليار دولار، معوضة التدفقات الخارجة الصافية البالغة 6.54 مليار دولار في الأسبوع السابق، بدعم من تراجع أسعار الطاقة، وانخفاض عوائد سندات الخزانة عن مستوياتها المرتفعة المسجلة في أكتوبر.

وفاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي جرت الثلاثاء، ما أثار مخاوف من أن يؤدي تشديد الرقابة التنظيمية إلى الحد من التوسع السريع لقطاع الذكاء الاصطناعي.

وأثرت هذه المخاوف سلباً على الأسواق يوم الخميس، إذ تراجعت مؤشرات «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» الصناعي بنسبة 5.52 في المائة و4.36 في المائة و3.44 في المائة على التوالي.

وعلى مستوى فئات الأسهم الأميركية، اشترى المستثمرون صافي 10.35 مليار دولار من صناديق الشركات الكبرى، و1.64 مليار دولار من صناديق الأسهم متعددة الأحجام، و422.77 مليون دولار من صناديق الشركات الصغيرة، في حين سحبوا صافي 1.07 مليار دولار من صناديق الشركات المتوسطة.

صناديق التكنولوجيا

وسجلت صناديق التكنولوجيا والصناعة وخدمات الاتصالات تدفقات خارجة بلغت 160.23 مليون دولار و624.67 مليون دولار و965.68 مليون دولار على التوالي. في المقابل، استقطبت صناديق القطاعين المالي والصحي تدفقات داخلة بقيمة 1.3 مليار دولار و1.09 مليار دولار على التوالي.

كما سجلت صناديق السندات الأميركية تدفقات داخلة صافية بقيمة 7.31 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. واستقطبت صناديق الدخل الثابت -الخاضعة للضرائب المحلية العامة- وصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة طويلة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.72 مليار دولار و2.66 مليار دولار على التوالي. كذلك اشترى المستثمرون ما قيمته 794.32 مليون دولار من صناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة قصيرة ومتوسطة الأجل.


صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إن البنوك المركزية حول العالم ستحتاج إلى أخذ أي تباطؤ في النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي في الحسبان، لدى تقييم الخطوات اللازمة لمكافحة التضخم.

وأوضحت غورغييفا أن المخاوف بشأن الاعتماد على طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وارتفاع تقييمات الشركات المرتبطة به، بدأت تؤثر في الأسواق حول العالم.

وقالت خلال فعالية في مقر صندوق النقد الدولي بواشنطن: «الأمور تشهد صعوداً وهبوطاً، ومن المرجح أن يستمر ذلك»، مضيفة أن التقلبات ستزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد استقرار الأسعار.

وجاءت تصريحاتها غداة موجة هبوط حادة ضربت أسهم شركات التكنولوجيا، الخميس، وامتدت تداعياتها إلى الأسواق العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، إلى تشديد الرقابة التنظيمية على الذكاء الاصطناعي وإبطاء التوسع في إنشاء مراكز البيانات، ما دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى السندات باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً.

وتأتي هذه المخاوف السياسية في وقت تواجه فيه الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ضغوطاً متزايدة، بسبب التساؤلات بشأن العوائد المحتملة من الإنفاق الضخم على البنية التحتية اللازمة لهذه التكنولوجيا. وأدت موجة التراجع الأخيرة إلى تفعيل طلبات تغطية الهامش، وأثارت قلق المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط.

وقالت غورغييفا إن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدعم النمو الاقتصادي في بعض البلدان، وتساعد في تعويض الآثار السلبية لصدمة نقص إمدادات النفط الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغوط التضخمية ومخاطر الاستقرار المالي.

وكان صندوق النقد قد حذّر الشهر الماضي، من مخاطر كبيرة تهدد النمو والاستقرار المالي إذا انتهت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاطر أخرى من بينها استمرار الحرب في الشرق الأوسط لفترة طويلة.

وأشار الصندوق حينها إلى أن التراجع الحاد في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى هبوط كبير في أسعار الأصول، بما قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.1 في المائة بحلول عام 2028، بما في ذلك تراجع الناتج الأميركي بنسبة 1.8 في المائة.

ولم تكرر غورغييفا هذه التوقعات السلبية في تصريحاتها الجمعة، لكنها أقرت بتزايد التقلبات في الأسواق، وقالت إن «حدوث تباطؤ في الزخم الذي يوفره النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي، سيشكل عاملاً يتعين أخذه في الحسبان، بينما تقيّم البنوك المركزية الخطوات اللازمة لمواجهة التضخم المستعصي».

وفي سياق متصل، أفادت «رويترز»، الجمعة، بأن الديمقراطيين يعتزمون طرح حزمة واسعة من التشريعات الجديدة التي تستهدف أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطوير مراكز البيانات، فور توليهم السيطرة على الكونغرس الأميركي في يناير (كانون الثاني).

ويمثل ذلك تحولاً واضحاً عن نهج الكونغرس السابق الذي قاده الجمهوريون؛ إذ ركز المشرعون إلى حد كبير على تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي، وامتنعوا عن إقرار تشريعات تفرض قيوداً على هذه التكنولوجيا.