«أرواح في المدينة» تُنقب عن الذاكرة والهوية المصرية

مبادرة تهتم بالرموز المؤثرة خلال حقب القاهرة التاريخية

مبادرة «أرواح في المدينة» أبرزت جوانب عدة من كواليس حياة «كوكب الشرق» (حساب التميمي على «فيسبوك»)
مبادرة «أرواح في المدينة» أبرزت جوانب عدة من كواليس حياة «كوكب الشرق» (حساب التميمي على «فيسبوك»)
TT

«أرواح في المدينة» تُنقب عن الذاكرة والهوية المصرية

مبادرة «أرواح في المدينة» أبرزت جوانب عدة من كواليس حياة «كوكب الشرق» (حساب التميمي على «فيسبوك»)
مبادرة «أرواح في المدينة» أبرزت جوانب عدة من كواليس حياة «كوكب الشرق» (حساب التميمي على «فيسبوك»)

ثمة مدن لا تسكنها الأبنية والشوارع وحدها، وإنما تسكنها أيضاً حكايات الشخوص الذين مرّوا بها، وتركوا شيئاً من أرواحهم في تفاصيلها. والقاهرة، عاصمة «المحروسة»، واحدة من هذه المدن؛ فقد تتغيّر ملامحها، وتتبدّل شوارعها وبيوتها ودكاكينها، لكن بعض ما تركه أهلها فيها يظلّ قادراً على العودة كلما بحثنا عنه في صورة قديمة، أو أغنية، أو فيلم، أو حكاية منسية.

من هنا جاءت مبادرة «أرواح في المدينة»، التي تحتفل هذه الأيام بمرور 4 أعوام على تأسيسها، بوصفها مشروعاً ثقافياً وفنياً يسعى إلى حفظ الذاكرة الوطنية المصرية، وتوثيق تاريخ حياة المصريين في القاهرة.

أسّس المبادرة الصحافي والإعلامي محمود التميمي، تحت مظلة مشروع «القاهرة عنواني»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، لتتحوّل خلال سنوات قليلة إلى موعد شهري ينتظره الجمهور.

الإعلامي المصري محمود التميمي صاحب مشروع «أرواح في المدينة» (حساب التميمي على «فيسبوك»)

يقول التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «بدأ انشغالي بالهوية المصرية قبل سنوات طويلة، حين كنت أتابع كتابات كبار المثقفين والأسماء البارزة التي تبحر في عناصر هذه الهوية من خلال التاريخ. وكنت أنفعل بها للغاية، وأحاول دمج أفكارها في برامج عدّة تولّيت مسؤولية محتواها؛ انطلاقاً من أن ذلك يقودنا في النهاية إلى سؤال مهم: مَن نحن؟».

من هنا بدأ مشروع «القاهرة عنواني»، الذي يراه التميمي، في جوهره، محاولةً لحفظ الذاكرة الوطنية، موضحاً: «تتآكل الذاكرة يومياً نتيجة حضور الثقافات الوافدة، والتعليم الأجنبي، واتساع استخدام اللغات الأجنبية، فضلاً عن التشويه المتعمّد لبعض الحقب التاريخية، وإصدار أحكام صفرية عليها وفق ثنائية الشيطان والملاك».

لذلك يفضّل التميمي العودة إلى ما يسمّيه «التنبيش في طبقات التاريخ»، بحثاً عن حكايات موثّقة لا جدال بشأنها، وقادرة على تأكيد فكرة أساسية، هي أن «مصر بلد كبير، وأن أجيالها الجديدة ينبغي ألا ترث الإحباط».

وهكذا تتّضح العلاقة بين المشروعين؛ فـ«القاهرة عنواني» هو الفكرة، و«أرواح في المدينة» هي الأداة الأولى لتقديمها إلى الناس. ومنذ ذلك الحين، تواصل المبادرة بناء طقسها الخاص: موعد شهري، وجمهور يعود، وحكايات جديدة تفتح أبواباً قديمة في القاهرة.

جانب من احتفاء المبادرة بأم كلثوم (حساب التميمي على «فيسبوك»)

ويتوافق اسم سلسلة اللقاءات مع جوهر الفكرة نفسها. يقول التميمي: «في عام 2016، أطلقت وسم (هذا الوجه نحبّه)، مستعيداً وجوه عدد من المبدعين، ثم تطوّرت الفكرة إلى (وجوه مصرية). لكنني أدركت أن القضية لا تتعلّق بالوجوه والصور والملامح وحدها؛ فهناك مَن لم تُلتقط لهم صور، ومَن سبقوا زمن التصوير، وإن بقيت أرواحهم مستقرة في المدينة؛ لذلك اخترت اسم (أرواح في المدينة)، في إشارة إلى أرواح حلّت بها وترفض الرحيل عنها، فوجودها لا ينتهي بالوفاة، وإنما يستمر بما قدّمته».

ولعلّ أول ما يستوقفك، إذا حضرت أحد لقاءات المبادرة، ذلك الزخم اللافت في الحضور؛ حتى إن العثور على مقعد شاغر قد يصبح مهمة صعبة، ما لم تصل إلى القاعة مبكراً.

وهو أمر يستحق التوقّف عنده، خصوصاً أن الموضوعات المطروحة ليست ترفيهية، وأن بعض اللقاءات يمتد إلى 5 ساعات. ويعزو صاحب المبادرة ذلك إلى أن «أهم ما يميّزها ليس موضوعاتها فحسب، وإنما الطريقة التي تختارها لرواية الحكاية، وتسعى من خلالها إلى ترسيخ مفهوم (متعة الثقافة)».

المبادرة تشهد مناقشات ثرية مع شخصيات تركت بصمتها في المجتمع (حساب التميمي على «فيسبوك»)

ورغم أن حضور بعض الندوات التقليدية في القاهرة لا يتجاوز أحياناً 20 شخصاً، فإن لقاءات المبادرة تستقطب مئات الحاضرين، وفق التميمي.

ولعلّ أكثر الأرواح حضوراً في تجربة التميمي روح أم كلثوم؛ فعندما قرّر الاحتفال بمرور 50 عاماً على رحيلها، خرج بالفعالية من حدود دار الأوبرا إلى أماكن مصرية أخرى، ثم نقلها إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب، والأسبوع الثقافي المصري في قطر، والأردن.

وفي هذا السياق، لا يخفي التميمي أن بعض اللقاءات يمنحه إحساساً خاصاً بأن الشخصية التي يتحدّث عنها حاضرة في المكان، وأن هناك أرواحاً «خفيفة وجميلة»، وأخرى يشعر بأنها أكثر ثقلاً، حتى إن كانت لشخصيات عظيمة قدّمت الكثير. ويشدّد على أنه لم يجد مثيلاً لخفة روح أم كلثوم وجمالها بين الشخصيات التي تحدّث عنها.

ومن أبرز اللحظات التي بقيت في ذاكرته تناوله فيلم «حياة أو موت»، الذي يعدّه من أهم محطات المبادرة؛ إذ يرى أن الفيلم يجسّد «سينما المدن»، ويُمثّل أول وثيقة سينمائية عن القاهرة. ويقول: «كانت هناك كاميرا محمولة تجوب الشوارع، وأتاحت لنا مشاهدة أحياء تغيّر شكلها، ووسائل مواصلات لم تعد موجودة، وملابس وأنماط حياة قديمة من القرن الماضي».

إقبال كبير على حضور لقاءات المبادرة (فيسبوك)

وظهرت بطلة الفيلم مجدداً مع التميمي في لقاء مصوَّر، بعد ابتعادها عن الأضواء لأكثر من 6 عقود. كما لا ينسى لقاءً خاصاً احتفى خلاله بمرور 40 عاماً على عرض فيلم «سواق الأتوبيس»، وكان كاتب السيناريو بشير الديك يجلس في الصف الأول، متفاعلاً مع مشاهد الفيلم كأنه يراها للمرة الأولى، رغم أنه أحد صنَّاعه. وفي نهاية اللقاء، قال الديك: «أنا ممتن لهذا الجمال الفادح في توصيف الأرواح في المدينة».

لا يضع التميمي نهاية للمشروع، وإنما يرى أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار البحث في أرشيف مصر، ويأمل أن يجمع حكايات الشخصيات المنسية في كتاب يحمل عنوان «الناس المنسية»، حتى لا تظل الذاكرة رهينة الأسماء الأكثر شهرة وحدها.

ووفق الصحافي والإعلامي المصري، فإن «المبادرة لا تبدو رحلة إلى الماضي بقدر ما تبدو محاولة لاستدعائه إلى الحاضر؛ فبعض الأرواح لا تنتهي حين يرحل أصحابها، وإنما تظل حاضرة في أغنية، أو فيلم، أو شارع، أو صورة، أو حكاية. إنها أرواح لا تريد أن ترحل؛ لأنها، ببساطة، لم تنتهِ بعد».


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يوميات الشرق يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي» في القطاع، بهدف ترسيخ ممارساتٍ واعية ومسؤولة وعادلة في توظيف التقنيات بالصناعات الإبداعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ما أكلوه ذات يوم... يروي اليوم كيف عاشوا (واس)

ماذا كان يُطبخ في سوريا قبل 4500 عام؟

كان طهاة المدينة يستخدمون أوانيَ تختلف خصائصها في امتصاص الحرارة وتوزيعها، وفق نوع الطعام الذي يعتزمون إعداده...

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق «أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

اختار المايسترو هاروت فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف...

فاطمة عبد الله (بيروت)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)

عودة تاريخية لـ«نسيج بايو» إلى إنجلترا بعد أكثر من 900 عام

لا شيء يرمز إلى التاريخ المُشترك والفريد بين بريطانيا وفرنسا أكثر من «نسيج بايو».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.