هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

إيران من الداخل غيرها من الخارج!

استمع إلى المقالة

قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) قيمة الدمار الذي لحق بإيران منذ 13 يونيو (حزيران) 2025 وحتى منتصف يونيو 2026 بما يتراوح بين 400 و600 مليار دولار، محذراً من أن هذه الخسائر قد تكون أكبر بكثير إذا سُمح بإجراء مسح ميداني شامل، وهو أمر لا يزال النظام الإيراني يمنعه، بل يحظر حتى الحديث عنه.

ويقول الخبير في البرنامج، خورشيد علام، إن حجم الخسائر كارثي بكل ما للكلمة من معنى، موضحاً أن الاقتصاد الإيراني كان يعيش أزمة عميقة قبل الحرب، فكيف سيكون وضعه بعدها؟ ويشير إلى أن معدل التضخم بلغ نحو 90 في المائة، فيما تقدر البطالة بنحو 66 في المائة من القوى العاملة، في حين يعيش 55 في المائة من الإيرانيين تحت خط الفقر، ويقف 23 في المائة آخرون على حافته.

وتدرك شخصيات داخل القيادة الإيرانية حجم الكارثة؛ لذلك تسعى إلى وقف الحرب والبدء بعملية إنقاذ شاملة ستستغرق سنوات، وستتطلب تغييراً جذرياً في نهج الدولة حتى تتمكن إيران من العودة إلى المجتمع الدولي والحصول على الخبرات والاستثمارات اللازمة لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، ليس فقط في الحجر، بل أيضاً في البشر.

لكن هذا التوجه يواجه معارضة من فريق متشدد داخل «الحرس الثوري»، يعتقد أن الولايات المتحدة والغرب يمران بمرحلة ضعف، وأنهما يتطلعان إلى اتفاق مع إيران ينهي الأزمة التي تسبب بها إغلاق مضيق هرمز. ويرى هذا الفريق أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر، وأن استمرار المواجهة سيمنح طهران موقعاً أقوى على الساحة الدولية؛ لذلك يدفع نحو مواصلة التصعيد رغم التكلفة الاقتصادية والمعيشية، أملاً في إرغام الغرب على القبول بالشروط الإيرانية.

وخلال الأسابيع المقبلة، قد تجد إيران نفسها أمام أحد مسارين: إما انهيار اقتصادي أشد إذا فشلت محادثات سويسرا، وإما تحول كبير في سياساتها يفتح الباب أمام العودة إلى المجتمع الدولي والانطلاق في معالجة واحدة من كبرى الكوارث التي شهدتها البلاد منذ عقود.

لقد مارس الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطاً متزايدة على النظام الإيراني، في محاولة لتعميق الانقسامات داخل مؤسسات الحكم، انطلاقاً من قناعة بأن الخلافات الداخلية موجودة بالفعل لكنها لا تظهر بوضوح لمن لا يعرف طبيعة النظام وآلية عمله.

وهكذا، وبعد إعادة نشر ترمب تغريدة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، برزت ردود فعل قوية داخل إيران. ففي مدينة مشهد تجمع عدد من المتشددين الموالين للمرشد الراحل علي خامنئي، أمام وزارة الخارجية، ورددوا هتافات تتهم عباس عراقجي وزير الخارجية بالخيانة والتسلل، ووصل الأمر إلى المطالبة بإعدامه.

في الوقت نفسه، انتشرت عبر المجموعات التابعة للتيار المتشدد دعوات لتنظيم احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد، بينما حذّر قائد الشرطة أحمد رضا رادان من أن أي تحرك ضد ما وصفه بـ«الوحدة الوطنية» أو ضد الاتفاق سيواجه بالقمع.

وخلال سنواته الأخيرة، كان المرشد الراحل علي خامنئي شديد الارتياب حتى من «الحرس الثوري» الذي أنشئ لحماية النظام؛ ولذلك حرص على توزيع مراكز القوة داخل النظام، بحيث لا يستطيع أي شخص أو تيار احتكار النفوذ أو المال، وأبقى الأجنحة المختلفة في حالة تنافس دائم لمنع أي منها من السيطرة الكاملة.

وفي الوقت نفسه، اعتمد خامنئي الأب على مجموعة شديدة الولاء له شخصياً، ضمت عناصر جرى تجنيدها من الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً، واستخدمها لضبط التوازنات داخل النظام ومراقبة بقية مراكز النفوذ.

ومع غياب خامنئي الأب، دخلت هذه القوى في صراع مفتوح على السلطة، بعدما ترك الفراغ السياسي الباب مفتوحاً أمام تنافس الأجنحة المختلفة. وتشير الأخبار إلى أن مجموعة نافذة داخل النظام كانت قد أحاطت بخامنئي الأب، وقلّصت أدوار أبرز منافسيها، وبينهم الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، ووزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان. ولقي الرجلان حتفهما في حادث تحطم مروحية عام 2024، ما مهّد الطريق أمام ترتيبات جديدة داخل السلطة.

وتعتقد أوساط متشددة أن عراقجي أصبح يُمثل هذا المسار، ولذلك تصفه بالخائن والمتسلل، لأنها ترى أن النظام يتعرض لعملية تفكيك من الداخل.

وبعد وقف إطلاق النار، حصلت مراكز القوى على فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، إلا أن الضغوط الأميركية المتواصلة تدفعها إلى تسريع حسم الصراع الداخلي، في وقت تقترب فيه المواجهة على السلطة وعلى عائدات النفط وشبكات التهريب والالتفاف على العقوبات.

ويعتقد أصحاب هذا الطرح أن استمرار الصراع بين أجنحة النظام سيؤدي إلى إنهاكه وإضعافه من الداخل، من دون تعريض الجنود الأميركيين أو الإسرائيليين للخطر، ومن دون أن يدفع المحتجون الإيرانيون ثمناً جديداً في الشوارع.

كما يراهن هذا التصور على أن السماح للأميركيين بالدخول إلى إيران لنقل مخزون اليورانيوم، إذا تم في ظروف غير حربية، سيضع النظام أمام تحدٍّ كبير، لأن وجود مراقبة أميركية سيجعل من الصعب قمع الاحتجاجات، كما سيسهل تقديم الدعم للمعارضين داخل البلاد. وكان قد لوحظ أنه في اليوم الأول للمفاوضات في سويسرا نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديدين ردّاً على هجمات «حزب الله» على الجيش الإسرائيلي، والتهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق، فثار المفاوضون الإيرانيون غضباً، وأصدروا بيانات عدائية، ورفضوا المصافحة والتقاط الصور، وغير ذلك.

لقد أصابهم الذعر، لأنهم لم يتلقوا أي توجيهات من وحيدي أو خامنئي الابن أو المجلس الأعلى للأمناء. لكن ذعرهم هذا أظهر أن منشورات الرئيس ترمب تصيب هدفها - القيادة الإيرانية - وأن ترمب يُرعبهم ويؤثر على سلوكهم.

وفي رد فعلهم المذعور على تلك التغريدات كشفوا عن ضعفهم وضياعهم.

وفي مشهد يحمل دلالات رمزية، ظهرت نساء من التيار المتشدد وهن يرتدين فوق الشادور الكفن الأبيض المستخدم في مراسم الدفن الإسلامية، في إشارة إلى استعدادهن للموت دفاعاً عن النظام.