هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

روسيا تعود إلى «سوفياتيتها» لمواجهة تحديات «الناتو»!

استمع إلى المقالة

رغم أن أرمينيا ليست في آسيا الوسطى، ولكن كونها خاضت الانتخابات، ولأنها من الدول السوفياتية السابقة، أثارت فضول موسكو علَّ يريفان تحن إلى الماضي، ولكنها لم تفعل؛ إذ إنها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، لم تتخلَّ روسيا يوماً عن فكرة الحفاظ على نفوذها في الفضاء السوفياتي السابق. فموسكو تنظر إلى الجمهوريات التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي؛ ليس بوصفها دولاً مجاورة فقط؛ بل بوصفها عمقاً استراتيجياً وامتداداً طبيعياً لأمنها القومي. ولهذا السبب بقيت العلاقة بين روسيا وهذه الدول محور السياسة الخارجية الروسية طوال العقود الثلاثة الماضية، وتحوَّلت في السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع مفتوح مع الغرب وحلف «الناتو».

في تسعينات القرن الماضي، كانت روسيا ضعيفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ الأمر الذي سمح للولايات المتحدة والدول الأوروبية بتوسيع نفوذها في أوروبا الشرقية. وخلال تلك المرحلة انضمت دول كثيرة كانت تدور في الفلك السوفياتي إلى حلف «الناتو» والاتحاد الأوروبي. ولكن وصول فلاديمير بوتين إلى رأس السلطة غيَّر المعادلة تدريجياً. فقد اعتبر الرئيس الروسي أن توسُّع «الناتو» شرقاً يمثِّل تهديداً مباشراً لأمن روسيا، وأن الغرب استغل مرحلة الضعف الروسي لإعادة رسم الخريطة الأمنية في أوروبا على حساب موسكو.

هذا الموقف لم يبقَ نظرياً. ففي عام 2008 خاضت روسيا حرباً قصيرة ضد جورجيا، بعدما حاولت تبليسي الاقتراب أكثر من «الناتو». وبعدها بست سنوات ضمَّت شبه جزيرة القرم، وسيطرت على مناطق واسعة من شرق أوكرانيا.

أما الحرب التي اندلعت في أوكرانيا عام 2022، فكانت التعبير الأكثر وضوحاً عن رفض موسكو السماح بانضمام كييف إلى الحلف الأطلسي.

لكن الأزمة الأوكرانية لم تكن الحدث الوحيد الذي أثَّر في مكانة روسيا داخل فضائها السوفياتي السابق. فالحرب استنزفت جزءاً من القدرات العسكرية الروسية، وأجبرت موسكو على إعادة توزيع مواردها، ما دفع بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى اتباع سياسات أكثر استقلالية. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في آسيا الوسطى والقوقاز؛ حيث بدأت حكومات كثيرة في تنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة.وتُولي موسكو اهتماماً خاصاً بآسيا الوسطى التي تضم كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان. فهذه المنطقة تمثل حاجزاً جغرافياً بين روسيا ومصادر التهديد المحتملة القادمة من أفغانستان والشرق الأوسط وجنوب آسيا. كما أنها غنية بالموارد الطبيعية، وتشكل ممراً حيوياً للتجارة والطاقة. في السنوات الأخيرة، كثَّفت روسيا تعاونها مع دول آسيا الوسطى، عبر اتفاقات أمنية واقتصادية وعسكرية. كما عملت على تعزيز دور منظمات إقليمية، مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

أما بالنسبة إلى «الناتو»، فإن روسيا تنظر اليوم إلى الحلف بوصفه الخصم الاستراتيجي الأول. فموسكو تعتبر أن الحلف لم يعد مجرد منظمة دفاعية كما كان خلال الحرب الباردة؛ بل تحول إلى أداة سياسية وعسكرية لتطويق روسيا والحد من نفوذها. وتستشهد القيادة الروسية بانضمام فنلندا والسويد إلى الحلف، وبزيادة الانتشار العسكري الأطلسي قرب الحدود الروسية كدليل على صحة هذه المخاوف. في المقابل، يرى «الناتو» أن التحركات الروسية في أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا تبرر تعزيز دفاعاته في أوروبا الشرقية. وهكذا دخل الطرفان في حلقة متواصلة من الشكوك المتبادلة والتصعيد العسكري، ما يجعل فرص العودة إلى أجواء التعاون التي سادت فترة قصيرة بعد نهاية الحرب الباردة أمراً صعباً في المستقبل القريب.

أما نظرة موسكو إلى الغد، فتقوم على قناعة بأن المواجهة مع الغرب ستكون طويلة. ولهذا تعمل روسيا على بناء شبكة واسعة من الشراكات خارج الفضاء الأوروبي التقليدي؛ خصوصاً مع الصين والهند وإيران وعدد من دول الجنوب العالمي. كما تسعى إلى إعادة ترسيخ نفوذها داخل الجمهوريات السوفياتية السابقة، عبر أدوات اقتصادية وأمنية وثقافية متعددة.

وفي المرحلة المقبلة، قد تُقدِم روسيا على خطوات إضافية لتعزيز وجودها في آسيا الوسطى والقوقاز. ومن بين الاحتمالات المطروحة زيادة التعاون العسكري المشترك، وتوسيع القواعد العسكرية الروسية، وتطوير أنظمة دفاع جوي إقليمية، وربط اقتصادات المنطقة بشكل أكبر بالممرات التجارية الروسية. كما يمكن أن تستخدم موسكو نفوذها في مجالات الطاقة والنقل والهجرة للحفاظ على موقعها المهيمن.

لكن قدرة روسيا على تحقيق هذه الأهداف ستعتمد على عوامل عدة، أبرزها مسار الحرب في أوكرانيا، ومستوى الدعم الغربي لكييف، ومدى نجاح الصين في توسيع نفوذها الاقتصادي داخل آسيا الوسطى. فبكين أصبحت شريكاً اقتصادياً رئيسياً لكثير من دول المنطقة، وهو ما يفرض على موسكو التعايش مع واقع جديد لم تعد فيه القوة الخارجية الوحيدة المؤثرة.

في النهاية تبدو روسيا مصممة على منع خسارة ما تبقى من مجالها الحيوي التاريخي. فبالنسبة إلى الكرملين، لا يتعلق الأمر بمجرد نفوذ سياسي أو اقتصادي؛ بل بمفهوم أوسع يرتبط بأمن الدولة الروسية وهويتها ومكانتها الدولية. ولذلك ستبقى الجمهوريات السوفياتية السابقة في قلب الاستراتيجية الروسية خلال السنوات المقبلة، بينما سيظل حلف «الناتو» بالنسبة إلى موسكو التحدي الأكبر الذي يحدد شكل سياساتها وتحركاتها، في أوروبا وآسيا على حد سواء. وفي هذا السياق، تزداد التحذيرات من أن التوتر بين روسيا والغرب دخل مرحلة أكثر خطورة من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. فقد حذر وزير الدفاع البريطاني العمالي السابق لورد روبرتسون، من أنه لا يستبعد أن يضرب بوتين المملكة المتحدة بصواريخ باليستية أو صواريخ «كروز» تقليدية، إذا استمر التصعيد الحالي.

كما يرى الدبلوماسي الروسي المخضرم دميتري بوليانسكي، أن العلاقات بين روسيا وأوروبا وصلت إلى مستوى بالغ الحساسية، وأن خطر المواجهة العسكرية المباشرة بين روسيا وحلف «الناتو» أصبح أقرب مما كان عليه خلال السنوات الماضية. ويضيف أن أخطر السيناريوهات يتمثل في احتمال اقتناع موسكو بأن بعض الهجمات التي تستهدف أراضيها تنطلق من داخل دول أعضاء في الحلف. ويحذر بوليانسكي من أن حادثاً واحداً، أو خطأ في الحسابات، قد يكون كافياً لإشعال أزمة كبيرة بين روسيا و«الناتو». وعندما سئل: أيهما أقرب، انتهاء الحرب في أوكرانيا أم اندلاع مواجهة مباشرة بين روسيا والحلف؟ أجاب بعد تردد بأن احتمال التصعيد العسكري يبدو في نظره أكثر ترجيحاً من الوصول إلى سلام قريب. وهو تقييم يعكس حجم القلق السائد داخل الأوساط الروسية من مستقبل العلاقة مع الغرب.