متحور «الأنديز»... سلالة «هانتا» التي كشرت عن أنيابها: هل تفرض عدوى البشر إغلاقاً جديداً؟

TT

متحور «الأنديز»... سلالة «هانتا» التي كشرت عن أنيابها: هل تفرض عدوى البشر إغلاقاً جديداً؟

إجلاء مرضى من السفينة السياحية (إم في هوندوس) إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب)
إجلاء مرضى من السفينة السياحية (إم في هوندوس) إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب)

عادت الهواجس الصحية لتخيم بظلالها الثقيلة على الأجندة الدولية، بعدما أعلنت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، عن رصد تفشٍ وبائي لمتحور «الأنديز» (Andes virus)، المنبثق عن سلالة فيروسات «هانتا»، على متن سفينة ركاب راسية قبالة سواحل «الرأس الأخضر» في المحيط الأطلسي. وجاء هذا الإعلان ليقطع حالة من الغموض والترقب سادت أروقة السفينة خلال الأيام الماضية، حيث أكدت الفحوصات المخبرية الدقيقة طبيعة المرض، مما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً لإجلاء الحالات الحرجة في سباق مع الزمن لمنع تمدد العدوى إلى مناطق أخرى.

إجلاء مرضى من السفينة السياحية (إم في هوندوس) إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب)

هذا الفيروس، الذي ينتمي جينياً إلى عائلة «فيروسات هانتا» المعروفة بفتكها بالجهاز التنفسي، يثير قلقاً استثنائياً في الأوساط الطبية؛ فهو يمثل حالة «تمرد بيولوجي» فريدة داخل فصيلته، كونه السلالة الوحيدة التي تكسر القواعد التقليدية وتنتقل مباشرة بين البشر عبر الرذاذ التنفسي أو الاتصال الوثيق.

هذه الميزة تحديداً هي ما وضعت المنظمات الدولية في حالة استنفار قصوى، ليس فقط لكونه يسبب «متلازمة هانتا الرئوية» التي تفتك بالجهاز التنفسي في وقت قياسي، بل لأن ظهوره المتجدد بات يطرح تساؤلات شائكة حول كفاءة أنظمة الرصد المبكر وقدرتها على كبح جماح سلالة قد تحول الرحلات السياحية أو التنقلات الدولية إلى بؤر وبائية متنقلة.

إن خروج الفيروس من معاقله التاريخية في جبال الأنديز بأميركا الجنوبية ليظهر في قلب المحيط الأطلسي، يضع أنظمة الرصد الوبائي أمام اختبار قاسم، وسط مخاوف كبيرة من قدرة هذا المتحور على فرض واقع صحي جديد قد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات «العزلة الإجبارية» التي لم يكد العالم يبرأ من جراحها بعد.

من جبال الأنديز إلى العالم

تعود الجذور الأولى لهذا التهديد الصحي إلى عام 1995، حين استيقظت مدينة «إل بولسون» الهادئة في الأرجنتين على تفشٍ وبائي غامض، سرعان ما كشف العلماء عن هويته ليُطلق عليه اسم «فيروس الأنديز»، تيمناً بالجبال الشاهقة التي احتضنت مستودعه الطبيعي. هذا الفيروس لم يكن وافداً جديداً على الطبيعة، بل كان مستوطناً في أحشاء «الفأر ذي الذيل الطويل» الذي جاب براري تشيلي والأرجنتين لعقود، محتفظاً بسره الوبائي داخل حدود جغرافية ضيقة، قبل أن تكسر تحولات ربيع عام 2026 هذا الطوق الجغرافي وتنقله إلى واجهة الأحداث الدولية عبر بوابات السفر والسياحة العابرة للقارات.

وتكمن الخطورة الاستثنائية لـ«الأنديز» في ميكانيكية عدواه المعقدة التي تضعه في منزلة تختلف عن بقية أفراد عائلة «فيروسات هانتا»، فبينما يظل المسار الحيواني هو المحرك الأساسي للإصابات من خلال استنشاق الرذاذ الملوث بفضلات القوارض في الأماكن المغلقة والمخيمات المهجورة، يبرز المسار البشري بوصفه تحولاً بيولوجياً «متمرداً». فقد أكدت الدراسات السريرية قدرة هذا الفيروس على الانتقال عبر الاتصال الوثيق بين البشر، سواء من خلال الرذاذ التنفسي أو تشارك الأدوات الشخصية، وهي ميزة فريدة جعلت منه «تهديداً وبائياً محتملاً» يراقب العالم تحركاته بحذر شديد.

صورة أرشيفية مجهرية توضح خصائص خلوية لعينة من غدة لمفاوية لمريض يُشتبه بإصابته بفيروس «هانتا» (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها عبر رويترز)

على الصعيد السريري، يمثل فيروس الأنديز تحدياً طبياً مركباً، إذ تمتد فترة حضانته من أسبوع إلى ستة أسابيع، وهي فترة كافية لتجاوز إجراءات الرصد التقليدية في المطارات. تبدأ المعركة مع الفيروس بمرحلة «بادرية» (Prodromal Phase) خادعة تشبه الإنفلونزا الموسمية، حيث يعاني المريض من حمى شديدة وآلام عضلية وصداع حاد، لكن هذا الهدوء لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما ينتقل الجسم إلى المرحلة الحرجة المعروفة بـ«متلازمة هانتا الرئوية». وفي هذه المرحلة، يهاجم الفيروس الرئتين بعنف، مسبباً تسرباً للسوائل وفشلاً تنفسياً حاداً، مما يرفع معدلات الوفاة إلى مستويات صادمة تتراوح بين 35 في المائة و40 في المائة في حال تأخر التدخل الطبي المكثف.

شبح الإغلاق: هل يتكرر سيناريو 2020؟

ومع تصاعد المخاوف الشعبية من عودة شبح «إغلاقات 2020»، يميل خبراء الصحة العامة إلى طمأنة الأسواق والمجتمعات، مؤكدين أن سيناريو الإغلاق الشامل لا يزال مستبعداً في الوقت الراهن. ويستند هذا التفاؤل الحذر إلى حقيقة أن كفاءة انتشار «الأنديز» بين البشر، رغم خطورتها، لا تضاهي سرعة تفشي فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى مثل «كورونا»، إذ تتطلب العدوى احتكاكاً لصيقاً ولفترات زمنية ممتدة. كما أن الوعي الوبائي الذي اكتسبته الأنظمة الصحية العالمية جعلها أكثر قدرة على تنفيذ «الحجر المستهدف» ومحاصرة البؤر الموضعية بدلاً من اللجوء إلى شل الحركة الاقتصادية والاجتماعية بالكامل.

صورة أرشيفية مجهرية لنسيج كبدي من مريض مصاب بمتلازمة «هانتا» الرئوية (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها عبر رويترز)

وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، تظل الوقاية هي حجر الزاوية في مواجهة هذا الزحف الوبائي. وتشدد البروتوكولات الصحية على ضرورة توخي الحذر عند التعامل مع الأماكن المغلقة التي قد توجد بها قوارض، عبر التهوية الجيدة واستخدام المطهرات السائلة لترطيب الأسطح قبل تنظيفها لمنع تطاير الفيروس في الهواء، مع الالتزام بارتداء كمامات عالية الجودة (N95).

خريطة اللقاحات التجريبية: أين يقف العلم اليوم؟

وعلى جبهة المواجهة العلمية، لم يقف المجتمع الطبي مكتوف الأيدي أمام «تمرد» سلالة الأنديز؛ إذ يشهد الحقل البحثي سباقاً محموماً لتطوير ترسانة وقائية تتجاوز الأساليب التقليدية. وتتصدر لقاحات الحامض النووي (DNA) المشهد الوبائي الحالي، حيث تعكف مختبرات دولية، أبرزها معهد الجيش الأمريكي للأمراض المعدية، على تطوير منصات جينية تستهدف البروتينات الغلافية للفيروس لتحفيز استجابة مناعية مبكرة.

الباحث روبرت نوفشيسي يجهز عينات من مواد خاملة ضمن أبحاث فيروس «هانتا» بمركز الصحة العالمية التابع لجامعة نيومكسيكو الاثنين 4 مايو 2026 (.ب)

وبالتوازي، تبرز تقنيات «النواقل الفيروسية» التي أثبتت كفاءتها إبان جائحة «كورونا» بوصفها خياراً استراتيجياً لتوفير حماية سريعة للفئات الأكثر عُرضة للخطر. ورغم أن هذه اللقاحات لا تزال في أطوارها التجريبية، فإن التفشي الأخير في المحيط الأطلسي قد يدفع منظمة الصحة العالمية إلى تسريع وتيرة الاعتماد السريري، لضمان عدم بقاء الطواقم الطبية والمسافرين في مواجهة مكشوفة مع فيروس لا يزال الطب يفتقر لعلاجه النوعي، مكتفياً حتى اللحظة ببروتوكولات الرعاية التدعيمية في وحدات العناية المركزة.

سبل الوقاية: ماذا يجب أن نتجنب؟

وفي ظل غياب اللقاح النوعي حتى الساعة، تظل «ثقافة الوقاية» هي الخط الدفاعي الأول والكفيل بكسر سلاسل العدوى، حيث تشدد الهيئات الصحية الدولية على ضرورة اتباع بروتوكولات صارمة تتجاوز الحذر التقليدي، لا سيما في المناطق التي تشهد نشاطاً للقوارض أو رصداً لحالات بشرية. وتبدأ هذه الإجراءات من «معركة الأسطح»، إذ يُحذر الخبراء من التعامل المباشر مع الغبار الملوث في الأماكن المغلقة مثل الخزانات والمخيمات؛ فمن الضروري تهوية هذه المواقع لمدة لا تقل عن ثلاثين دقيقة قبل الدخول إليها، مع الالتزام الصارم بارتداء كمامات عالية الجودة من طراز (N95)، واستخدام المطهرات السائلة لترطيب الأسطح قبل مسحها لضمان عدم تطاير الجزيئات الفيروسية في الهواء واستنشاقها. ولا تتوقف الوقاية عند حدود النظافة، بل تمتد لتشمل «الإحكام اللوجستي» للمنازل والمخازن عبر سد الثغرات أمام دخول القوارض والتخلص الآمن من بقايا الطعام التي تشكل بيئة جاذبة لها. أما على صعيد التماس البشري، وفي ظل الخصوصية الوبائية لـ«متحور الأنديز»، فإن قواعد المسافة الجسدية تكتسب أهمية مضاعفة؛ إذ يتعين تجنب الاتصال الوثيق مع أي شخص تظهر عليه أعراض تنفسية حادة أو حمى غير مبررة، لضمان محاصرة الفيروس في أضيق نطاق ممكن ومنع تحوله إلى انفجار وبائي يصعب كبحه.

يبقى فيروس «الأنديز» جرس إنذار يختبر مدى نضج المنظومة الصحية العالمية في مرحلة ما بعد «كوفيد - 19». ومع تصاعد المخاوف من «تمرد» سلالة «هانتا» وقدرتها على الانتقال بين البشر، يجد العالم نفسه أمام اختبار حقيقي لموازنة الكفة بين حماية الأرواح وضمان استمرار حركة الحياة. إن العبرة من أزمة المحيط الأطلسي تكمن في أن الاستجابة السريعة والشفافية الدولية هما الضمانة الوحيدة لمحاصرة الوباء في مهده، وتجنب العودة إلى مربع الإغلاق الشامل الذي لا يزال العالم يخشى تبعاته.


مقالات ذات صلة

مسلحون يقتلون 11 شخصاً خلال حفل منزلي بجنوب أفريقيا

أفريقيا يعمل خبراء الأدلة الجنائية التابعون للشرطة في موقع شهد مقتل وإصابة أشخاص عدة في بلدة كواماخوثا بالقرب من ديربان بجنوب أفريقيا (رويترز)

مسلحون يقتلون 11 شخصاً خلال حفل منزلي بجنوب أفريقيا

أطلق ثلاثة رجال مسلحين النار على المشاركين في حفل منزلي في بلدة تقع إلى الجنوب من مدينة ديربان بجنوب أفريقيا ليل؛ ما أسفر عن مقتل 11 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

سلطات تيغراي في إثيوبيا: نتصدى لغزو تشنه القوات الفيدرالية

سيطر المتمرّدون في تيغراي بشمال إثيوبيا على مطار عاصمة الإقليم، وفق ما أفادت مصادر أمنية ومحلية، الأربعاء، في وقت تتصاعد التوترات مع الحكومة الفيدرالية.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها.

محمد الريس (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يناقش تحضيرات منتدى «العلمين - أفريقيا» مع رئيس «البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد» (الخارجية المصرية)

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

تستعد مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال غربي مصر)، لاستضافة النسخة الأولى من منتدى «العلمين - أفريقيا»، لدعم تطوير الشراكات الاقتصادية مع دول القارة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة جماعية للقادة المشاركين في «قمة بريكس» (الرئاسة المصرية)

السيسي وآبي أحمد لم يجتمعا في «بريكس»... والأزمة مستمرة

اختتمت «قمة بريكس» في نيودلهي، الأحد، دون أن تشهد لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد

محمد محمود (القاهرة )

مقتل بحار هندي في هجوم على سفينة تجارية في هرمز

سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
TT

مقتل بحار هندي في هجوم على سفينة تجارية في هرمز

سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)

أفادت السلطات العمانية والهندية بمقتل بحار هندي في الهجوم الذي استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز اليوم الأربعاء، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت البحرية العمانية في بيان أنها «أجلت 27 من أفراد طاقم السفينة كيب داو التي ترفع علم أنتيغوا... إثر تعرض السفينة لاستهداف على بُعد 2.5 ميل بحري من محافظة مسندم، أسفر عن اندلاع حريق في غرفة المحركات ووفاة أحد أفراد طاقمها».

وأوضحت وزارة الخارجية في نيودلهي أن الضحية بحار يحمل الجنسية الهندية.

وأكدت السفارة الهندية لدى سلطنة عمان اليوم ‌أن ‌مواطناً هندياً ‌قتل ⁠في هجوم استهدف السفينة «إم في ⁠كيب داو» في أثناء توجهها ⁠إلى ‌الهند، بحسب وكالة «رويترز».

وأضافت السفارة ‌أنها تنسق ‌بشكل ‌وثيق مع السلطات العمانية ‌بشأن سلامة جميع أفراد الطاقم ⁠على متن ⁠السفينة، ومنهم 19 مواطناً هندياً.


عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الثلاثاء، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأبلغه شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وفق ما أفادت وسائل إعلام إيرانية.

ونقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية عن عراقجي قوله لويتكوف إن مطالب طهران تشمل «الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي، والسداد العاجل لجميع الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على كل جبهات المقاومة»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبعوث ترمب ستيف ويتكوف (الثاني يميناً) خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 سبتمبر 2026 في مقر المنظمة في نيويورك (أ.ب)

وفي السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين اجتمعوا يوم الثلاثاء، بعد فترة وجيزة من تهديده في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه قد «يبيد» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً لإنهاء الحرب المستمرة منذ ما يقرب من سبعة أشهر.

وقال ترمب للصحافيين إن الاجتماع تم، وانتهى «قبل حوالي ساعة»، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل حول المحادثات، وفق ما نقلته شبكة «سي بي إس» الأميركية.

وأوضح ترمب: «لقد كان اجتماعاً جيداً للغاية... لديهم موعد آخر مقرر في المستقبل القريب جداً».

وذكر أن الاجتماع استمر حوالي ثلاث ساعات، وشارك فيه صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وأكد ويتكوف أن الاجتماع سار على ما يرام، قائلاً: «أشعر أنني بحالة جيدة جداً الآن»، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل.

Your Premium trial has ended


ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوة عن الحرب مع إيران، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة لتجريدها من قدراتها على صنع سلاح نووي، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة تنهي برنامجها النووي و«تنمرها» في الشرق الأوسط، أو التعرض لـ«الدمار الشامل»، مشيداً بما عدَّه «تقدماً» نحو السلام مع بناء «نظام عالمي يتماشى» أكثر فأكثر مع مصالح «أميركا أولاً».

وفي الخطاب السادس من نوعه كرئيس على المنصة الرخامية الخضراء للجمعية العامة، في دورتها السنوية الحادية والثمانين، تحدث الرئيس ترمب عن الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، معلناً عودتها القوية، وواصفاً إياها بأنها مهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً. كما سلّط ترمب الضوء على التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود، قائلاً إنها أسهمت في جذب استثمارات غير مسبوقة إلى بلاده. وأكد أن الحدود الأميركية - المكسيكية أصبحت الأكثر أماناً في التاريخ الأميركي.

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، قدم ترمب إدارته على أنها إدارة فاعلة لا تكتفي بالتفاوض، وقال: «بينما اكتفى الآخرون بالكلام، بادرت أنا بالعمل» لمواجهة التهديدات واستخدام القوة لحل النزاعات الدولية طويلة الأمد.

وإذ وصف إيران بأنها «الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم»، اتهم النظام الإيراني بعقود من العنف في كل أنحاء الشرق الأوسط، مضيفاً أنه «على مدى 51 عاماً، حكم النظام الإيراني المتعصب بالدماء والقتل الجماعي، ناشراً الموت والدمار والفوضى في كل أنحاء الشرق الأوسط وخارجه». وكرر: «لن أسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ووفقاً لترمب، سعت إدارته أولاً إلى التفاوض مع إيران، عارضة «تعاوناً اقتصادياً كاملاً» مقابل إنهاء برنامجها النووي ودعمها للإرهاب. ولكن إيران رفضت هذا المقترح. وإذ أشار إلى الضربات العسكرية الأميركية على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، ذكر بأن تصرفات إيران هدّدت أيضاً الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز وحوله.

لكن ترمب وضع إيران أمام ما وصفه بخيار مصيري. وتساءل: «هل سيتم التوصل إلى اتفاق مع إيران يسمح لها بإعادة البناء وإنشاء دولة أعظم كثيراً مما كانت عليه من قبل، ربما واحدة من أعظم دول الشرق الأوسط أو حتى العالم؟». وأضاف: «أم أنني سأمحو إيران، وبسرعة؟». ورغم هذا التهديد، عبر ترمب عن اعتقاده «أننا سنتوصل إلى اتفاق فور انتهاء الانتخابات، لأنه من غير المنطقي ألا يفعلوا ذلك».

الذخائر الأميركية

سعى ترمب إلى تبديد المخاوف بشأن المخزونات العسكرية الأميركية. وقال: «يرغب الجبناء والخونة في ادعاء أن الولايات المتحدة تعاني نقصاً في الذخائر، لكن هذا غير صحيح. لدينا من الذخائر ما يفوق حاجتنا بكثير». وكشف أنه يجري بناء 18 مصنعاً جديداً للذخائر، ودعا كل الدول إلى «الانضمام إلينا في فرض العزل الاقتصادي الكامل على إيران»، مطالباً طهران بوقف هجماتها على السفن التجارية، والتخلي عن طموحاتها النووية، وإنهاء دعمها للإرهاب.

وتحدث ترمب عن غزة أيضاً، مقدماً جهود إدارته هناك كمثال آخر على نهجه في التعامل مع النزاعات الدولية. وقال: «قبل عام، عندما خاطبت القادة العظام في هذه القاعة، كانت الحرب في غزة لا تزال مستعرة بوحشية. وكان الرهائن لا يزالون محاصرين في أنفاق (حماس)، ولم تكن هناك نهاية تلوح في الأفق». وأضاف: «لقد أنهينا الحرب في غزة، وأنقذنا آلاف الأرواح. كما أعدنا جميع الرهائن المتبقين، الأحياء منهم والأموات، جميعهم بلا استثناء». وأشاد أيضاً بموافقة مجلس الأمن على ما «خطة السلام لغزة»، وقال إن نحو 30 دولة انضمت إلى «مجلس السلام».

«سقوط» كوبا

وفي إطار حديثه عن سياسة بلاده الخارجية، قال الرئيس الأميركي إن كوبا الخاضعة لحصار أميركي «ستسقط»، مؤكداً رغبة إدارته في رؤية «تغيير جذري» في الجزيرة ذات الحكم الشيوعي. وقال ترمب إن «النظام الشيوعي يتعرّض لضغوط قوية، هي الأقوى التي عرفها على الإطلاق (...) سيسقط». وأضاف أن «الحرية ستصل إلى كوبا»، مشيراً إلى أن واشنطن تجري مفاوضات مع هافانا.

ورد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بغضب على تصريحات الرئيس الأميركي، ووصف كلامه بأنه «أكاذيب». وكتب رودريغيز، الذي غادر وفد بلاده القاعة خلال خطاب الرئيس الأميركي، إن «حكومة الولايات المتحدة غير قادرة على القبول بأن كوبا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة ولها الحق في ذلك»، مضيفاً: «أي من الأكاذيب التي أطلقها الرئيس الأميركي أمام الأمم المتحدة لن يخفي هذه الحقيقة».

غادر الوفد الكوبي قاعة الجمعية العامة خلال خطاب الرئيس الأميركي يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وكانت رسالة ترمب الأوسع نطاقاً إلى الأمم المتحدة واضحة لا لبس فيها: أكد أن القوة الأميركية تقود عهداً جديداً من الدبلوماسية والأمن. وكرر ترمب انتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة، مشيراً إلى جهود إدارته لمنعها من «التعدي» على السيادة الأميركية أو الترويج لما يعده «أجندة يسارية».

إضافة إلى ذلك، عبر ترمب عن استيائه الشديد من استمرار الحرب الروسية - الأوكرانية، في نزاع توقع خلال حملته الانتخابية عام 2024 تسويته في اليوم الأول من ولايته الثانية. ولم يخف أن صبره ينفد من استهداف القوات الأوكرانية لمصافي الديزل الروسية، في قضية زادت من تقلبات أسواق النفط بسبب اعتداءات «الحرس الإيراني» ضد السفن التجارية وناقلات النفط في مضيق هرمز، وكذلك تهديدات جماعة الحوثي عند مضيق باب المندب، بالإضافة إلى استهداف روسيا لشبكة الطاقة الأوكرانية.

في سياق متّصل، رفض الرئيس الأميركي بشدة الدعوات المطالبة بإشراف دولي على الذكاء الاصطناعي، ووصفها بأنها «مشروع عالمي» للسيطرة على التكنولوجيا الجديدة. وأعلن في كلمته أن الحكومة الأميركية ستستخدم من الآن فصاعداً مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» في البيانات الصادرة عنها، على أمل أن يحذو العالم حذوها.

مغادرة الجنائية الدولية

دعا الرئيس الأميركي كل الدول إلى الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنّها «خارجة عن السيطرة». وقال ترمب في كلمته إنّ «الولايات المتحدة تعارض المؤسسة الخارجة عن السيطرة المعروفة باسم المحكمة الجنائية الدولية»، داعياً «كل الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب من هذه المؤسسة المارقة على الفور». وتشنّ الولايات المتحدة حملة شرسة ضد المحكمة الجنائية الدولية، وفرضت في الآونة الأخيرة سلسلة من العقوبات على مسؤولين فيها، من بينهم رئيستها والمدعي العام الحالي، على خلفية إصدار الهيئة القضائية في لاهاي مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الحرب في قطاع غزة. وتوعد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتفكيك المحكمة، ورأى أنها تشكّل «تهديداً» للسيادة الأميركية. وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، وبدأت عملها في 2002، وهي هيئة قضائية جنائية دولية دائمة مُكلَّفة بمحاكمة الأشخاص المتهمين بأخطر الجرائم، مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، وجرائم الحرب.

«شلل مجلس الأمن»

وأتى خطاب ترمب للأمم المتحدة في وقت بات فيه نهجه في السياسة الخارجية، ولا سيما قراره شن حرب على إيران، يعوق آمال حزبه الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد 40 يوماً فحسب.

وبالإضافة إلى خطاب الرئيس ترمب، انشغل زعماء العالم في البحث عن طرق لإيجاد مخرج مما سماه دبلوماسيون «لحظة عصيبة يمر بها العالم»، بما في ذلك بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدت إلى اهتزاز الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى ازدياد القلق في شأن تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التساؤلات في شأن مستقبل الأمم المتحدة نفسها في ظل تقليص الرئيس ترمب للدعم المالي الأميركي لها.

غوتيريش يلقي كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وسبق ترمب إلى المنصة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى أن العالم «رهينة» شِلل مجلس الأمن، الأداة الأقوى على الإطلاق في منظومة الأمم المتحدة. وقال: «نحن جميعاً رهائن لتقاعس مجلس الأمن عن أداء دوره».

وفي خطاب هو الأخير له كأمين عام أمام الجمعية العامة، قال أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته بعد 100 يوم فقط، لمئات من قادة العالم المجتمعين تحت قبة المنظمة الدولية إن أزمات العقد الماضي ما هي إلا «فصول من قصة واحدة، قصة القوة». وأضاف: «تتسع الصدوع في عالمنا، وتتحول الشقوق إلى أودية سحيقة»، مشيراً إلى الحروب التي «تستمر بوحشية شنيعة».

ولفت غوتيريش إلى أن القوة تنتقل في 3 اتجاهات: بين الدول، من الحكومات إلى «حفنة من الشركات الخاصة والأفراد»، ومن البشر إلى الآلات «مع خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة». ورأى أن الاستقرار الحقيقي يتطلب من القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست بتلك العظمة».

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، قال غوتيريش إن غزة شهدت «مستوى من القتل والدمار لم أشهد مثله من قبل»، محذراً من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية «ينذر بخطر التطهير العرقي». ووصف غزو روسيا لأوكرانيا بأنه «انتهاك صارخ لميثاق» المنظمة الدولية. وقال إن السودان «يمزَّق إرباً بينما يغض العالم الطرف».

وإذ كرر تحذيراته في ما يتعلق بتغير المناخ، نبه من «القدرة من دون رقابة» على الذكاء الاصطناعي الخارق، مشدداً على أن «الروبوتات القاتلة يجب ألا يكون لها مكان في مستقبلنا».

ورأى رئيس الدورة الحالية للجمعية العامة خليل الرحمن أن الاختبار الأساسي للأمم المتحدة اليوم ليس البقاء، بل الأداء. وقال: «خارج هذه الجدران، لا يسأل الناس عما إذا كانت الأمم المتحدة لا تزال موجودة، بل عما إذا كانت تعمل». ودعا إلى إصلاحات على 3 محاور: الشفافية في شأن الإخفاقات، وتغيير هيكلي أعمق يتجاوز مبادرة الأمم المتحدة لعام 1980، وزيادة مشاركة قطاع الأعمال والمجتمع المدني.

مبادرة السلام العربية

وألقى الملك عبد الله الثاني بن الحسين خطاباً دعا فيه إلى الانتباه للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة والعام. وقال إن «انتباهنا أصبح مورداً نادراً، وأصبح اختيار ما نمنحه انتباهنا أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وخصّص جزءاً كبيراً من خطابه لغزة والضفة الغربية، محذراً من أن «أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً»، موضحاً أنه «في أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار، استشهد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني». وإذ أشاد بجهود الرئيس ترمب لتحقيق السلام، اتهم الحكومة الإسرائيلية بمواصلة «تجاهل الاتفاق».

جانب من كلمة ملك الأردن أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

ووصف ما يجري في الضفة الغربية بأنه «تحول جذري»، مُنبّهاً إلى أن «هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية ليس تنفيذا للقانون، بل هو ترحيل قسري»، يرقى إلى «جريمة حرب».

كما رفض العاهل الأردني «أوهام» حلّ الصراع، مؤكداً أن ما يحصل في غزة والضفة الغربية «وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية»، وأن مبادرة السلام العربية لعام 2002 ظلّت قائمة «لأكثر من 20 عاماً»، وأن «العقبة لم تكن يوماً غياب شريك من أجل تحقيق السلام، بل عدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله».

كما حذر الملك عبد الله الثاني من امتداد الأطماع الإسرائيلية إلى سوريا، مؤكداً أن «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».

وشدّد على أن «القوة العسكرية لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام».