توسعة تدريجية للقتال في جنوب لبنان تُعقّد المساعي الدبلوماسية

تصعيد إسرائيلي بالتفجير والخرائط تُقابله ردود محدودة ينفذها «حزب الله»

أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
TT

توسعة تدريجية للقتال في جنوب لبنان تُعقّد المساعي الدبلوماسية

أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

تصطدم الجهود الدبلوماسية لحل أزمة جنوب لبنان مع تصعيد ميداني تدريجي، وتوسعة مساحة القتال من تفجيرات وانتهاكات إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية في الأيام الأربعة الأولى من الهدنة، ثم الانتقال تدريجياً إلى خارج المنطقة، مع بدء «حزب الله» استهدافات محدودة للقوات الإسرائيلية في العمق اللبناني، أو على الحدود مع إسرائيل.

وبينما تتكثف العمليات العسكرية الإسرائيلية من تفجير ونسف وحرق للمنازل، تتوسّع في المقابل خرائط التحذير ومنع العودة، بما يتجاوز البُعد العسكري إلى محاولة فرض واقع ديموغرافي وأمني جديد.

تصعيد واسع وخرائط منع العودة

ونفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، سلسلة عمليات طالت بلدات عدّة، بينها بيت ليف وحانين وميس الجبل والخيام؛ حيث دوّت انفجارات عنيفة وجرى نسف منازل وإحراق أخرى، بالتوازي مع قصف مدفعي استهدف وادي الحجير ووادي السلوقي والقنطرة. ولم تعد هذه العمليات تقتصر على الضربات عن بُعد، بل تعكس انتقالاً إلى تدمير البيئة العمرانية بشكل منهجي.

رجل يحمل متاعه الشخصي من داخل مبنى دمّرته غارة إسرائيلية في بلدة كفر صير جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي المقابل، سُجّل إطلاق صاروخ من «حزب الله» باتجاه مستعمرة المطلة، اعترضته القبة الحديدية، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي اعتراض «هدف جوي» أُطلق من لبنان. غير أنّ التطور الأكثر دلالة تَمثّل في توسيع التحذيرات الإسرائيلية، عبر تجديد دعوة سكان عشرات القرى إلى عدم العودة أو التحرك جنوب خطوط محددة، فيما يُشبه فرض «حزام أمني بالنار» يتجاوز طبيعته العسكرية ليأخذ بُعداً سياسياً وديموغرافياً، يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا البشرية للمنطقة الحدودية.

ترقب ونزوح مستمر

بالتوازي مع هذا التصعيد، تكشف مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أنّ جزءاً كبيراً من الأهالي لم يعودوا إلى قراهم في قضاء النبطية، كما امتنع كثيرون عن العودة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، رغم إعلان الهدنة، في ظلّ انعدام الثقة باستمرارها.

وتُشير المصادر إلى أنّ «كل ما يحدث من تبادل ضربات في جنوب لبنان يدلّ على هشاشة الهدنة، وأنّ الهدوء النسبي شمال نهر الليطاني وفي العمق اللبناني قد ينهار في أي لحظة»، مضيفة أنّ «المؤشرات الميدانية تعكس مرحلة انتظار مشوبة بالحذر، لا استقراراً فعلياً».

وترى المصادر المحلية أنّ المؤشر الإداري يعكس عمق الأزمة، إذ «جرى نقل سجلات دائرة نفوس ميس الجبل من مركزها المؤقت في النبطية إلى وزارة الداخلية، في خطوة تتجاوز بعدها التقني لتكرّس واقعاً ميدانياً يمنع عودة مؤسسات الدولة، ويوازي عملياً حالة نزوح إداري مرافقة للنزوح السكاني».

جرافات ترفع أنقاض مبانٍ دمّرتها غارات إسرائيلية في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ولا تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ تُضيف شهادات نقلتها صحيفة «هآرتس» عن جنود إسرائيليين، تحدثوا عن تحوّل نهب ممتلكات المدنيين إلى «ظاهرة روتينية»، بُعداً آخر يعكس تفكيك البيئة الاجتماعية والاقتصادية للقرى الحدودية، بما يُعزّز فرضية «التفريغ الصامت»، وجعل العودة شبه مستحيلة عملياً.

الدبلوماسية تحت الضغط

هذه التطورات الأمنية انعكست على المواقف السياسية؛ إذ قال عضو كتلة «حزب الله» النيابية، حسن فضل الله، إن «الحزب يريد الالتزام بوقف إطلاق النار، لكن على إسرائيل الالتزام به أيضاً».

فيما أعلن النائب حسين الحاج حسن أن «الحزب لم يعد ملتزماً بوقف إطلاق النار، وسيَردّ وفق تقديره للموقف». ويبرز تأثير الميدان في المسار الدبلوماسي الذي يعوّل عليه لبنان لتثبيت وقف إطلاق النار. ورأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الرد الذي ينفّذه (حزب الله)، ويصفه بأنه ضمن توازن الردع، لا يرقى فعلياً إلى هذا المستوى، في ظل الاختلال الواضح في ميزان القوى»، معتبراً أنه «يُربك المسار الدبلوماسي اللبناني في توقيت دقيق».

وأوضح أن «الأجدى كان أن يواصل لبنان تحرّكه الدبلوماسي في مواجهة الخروقات الإسرائيلية من دون الانخراط في ردود عسكرية، أيّاً تكن طبيعتها»، مشيراً إلى أن «العمليات الصاروخية، حتى لو أصابت أهدافاً موضعية، تسحب عملياً ورقة الضغط من يد الدبلوماسية اللبنانية».

نازح يُشعل ناراً قرب خيمته خلال هدنة 10 أيام يشهدها لبنان وينتظر تمديدها (رويترز)

ازدواجية دولية... وخرق محسوب

وتتقاطع قراءة ملاعب مع واقع دولي يميّز بين الخروقات، إذ أشار إلى أنّ «أي تحرّك عسكري من جانب (حزب الله) سيُستخدم دولياً، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة، باعتباره خرقاً للهدنة، في حين يتم التغاضي عن مئات الخروقات الإسرائيلية».

ويعني ذلك، وفق ملاعب، أنّ «لبنان يخسر جزءاً من موقعه التفاوضي، خصوصاً في ظل الرهان على المسار الدبلوماسي الجاري في واشنطن»، ما يحوّل المواجهة إلى «حرب سرديات» تُقاس فيها الوقائع بميزان القوى لا بالمعايير القانونية.

أولوية تثبيت الهدنة

في مقاربته للحل، شدّد ملاعب على أنّ «الجهد اللبناني يجب أن ينصبّ على تثبيت وقف فعلي لإطلاق النار، بما يتيح للجيش اللبناني بسط سلطته ومنع أي أعمال تعوق انتشاره»، معتبراً أنّ هذا المسار «يتقاطع مع الرؤية الأميركية، لكنه يبقى رهناً بمدى التزام إسرائيل، وهو أمر غير مضمون»، محذراً من أنّ «أي تفاهم محتمل قد يتضمّن بنوداً تمنح إسرائيل هامشاً للتحرك تحت ذرائع أمنية، ما يعني عملياً استمرار الاستهدافات»، مؤكداً أنّ «ذلك سيقود حكماً إلى تصعيد متجدّد، إذ لن يبقى (حزب الله) خارج دائرة الرد».


مقالات ذات صلة

لبنان يشدّد على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

المشرق العربي وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي خلال استقباله ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولاينا ليندهولم بيلينغ (صفحة رجي على إكس)

لبنان يشدّد على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

شدّد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي على ضرورة إنهاء ملف عودة النازحين السوريين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عون مستقبلاً وزيرة الخارجية والدفاع الآيرلندية هيلين ماكنتي (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني: إسرائيل تضع العراقيل أمام تطبيق الاتفاق... والاتصالات مع واشنطن بلا نتيجة

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أن الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل تطبيق اتفاق واشنطن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

«حزب الله» يستعيد بناء قدراته الدفاعية لا الهجومية

قال مصدر أمني لبناني بارز إن هناك مبالغة بالحديث عن أن «حزب الله» بدأ يستعيد قدراته العسكرية للتعويض ما أمكن عن الخسائر التي مُني بها.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)

لماذا تواكب إسرائيل انتخاباتها بتصعيد في جنوب لبنان؟

واكب التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان انطلاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، الثلاثاء، وسط ترقب لبناني لنتائجها وانعكاساتها على مسار المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)

تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

يثير تعهد «حزب الله» بعدم توجهه للانخراط عسكرياً إذا شنّت أميركا أو إسرائيل حرباً جديدة على إيران، تساؤلات حول خلفيات هذا الموقف ومدى قدرته على الصمود.

كارولين عاكوم (بيروت)

الزيدي يعفي عشرات المستشارين لـ«ترشيق الحكومة»

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
TT

الزيدي يعفي عشرات المستشارين لـ«ترشيق الحكومة»

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

أفيد في بغداد، الثلاثاء، بأن رئيس الوزراء علي الزيدي أعفى عشرات المسؤولين العاملين بصفة مستشار في مكتبه، في وقت رأت مصادر سياسية أن الخطوة تهدف إلى «ترشيق العمل الحكومي، وقطع صلات مع شبكات سياسية».

وجاءت التسريح الجماعي للمستشارين ويبلغ عددهم 69، بعد يوم من إعفاء الزيدي مدير مكتبه الخاص إحسان العوادي ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري.

وقال الزيدي، الأسبوع الماضي، إن تعيين 3 نواب له سيقابله التخلص من 72 مستشاراً، حسب ما نقلته الوكالة الرسمية.

وقالت وكالة «واع»، إنها تلقت نسخة ضوئية من وثيقة صادرة عن مكتب الزيدي، تضمنت أوامر بإعفاء 69 مستشاراً في رئاسة الوزراء وإنهاء عقودهم، حيث تمتد خدمة بعضهم في المنصب إلى نحو عقدين.

وأوردت الوثيقة أن القرار جاء «استناداً لتوجيهات رئيس الوزراء لمقتضيات المصلحة العامة، مع تحديد مهلة لتسوية براءة ذمتهم المالية».

وكانت حكومات سابقة قد تعاقدت مع مئات المستشارين للعمل في مكتب رئاسة الوزراء، رغم أن قانون تنظيم عمل المستشارين رقم 3 لسنة 2022، ينص على عدم تجاوز عددهم 6 فقط.

وأظهرت وثائق مرفقة بقرار الإعفاء المنسوب لمكتب الزيدي إحصاءات تشير إلى أن المستشارين يكلفون الموارنة العامة نحو 98 مليون دينار (نحو 65 ألف دولار) شهرياً.

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

وقالت مصادر مقربة من الحكومة، لـ«الشرق الأوسط» إن قرار التسريح يرتبط بمحاولة تخفيف الأعباء المالية عن ميزانية الدولة، عبر الحد من النفقات الجارية المتمثلة بالرواتب ومخصصات الحماية الأمنية والنقل والإقامة.

وكان استحداث مناصب وزارية جديدة وتعيين 3 نواب لرئيس الوزراء قد أثار موجة انتقادات شعبية ضد الزيدي خلال الأسبوعين الماضيين، الأمر الذي تربطه المصادر بسعي الزيدي، من خلال تسريح المستشارين، إلى معالجة تلك الاعتراضات.

وكان الزيدي قد صرح بأن نوابه سيعملون دون رواتب أو تخصيصات مالية، ضمن إجراءات تقشفية وخفض للإنفاق الحكومي، حسب التلفزيون الحكومي.

تصفية شبكات

وقال مصدر من التحالف الحاكم «الإطار التنسيقي»، لـ«الشرق الأوسط» إن الزيدي يحاول تصفية إرث الحكومات السابقة التي كانت تعين المستشارين تبعاً لمصالح حزبية وشخصية، مشيراً إلى أن بعضهم كان شبكات سياسية ومالية يمثلون عين الأحزاب داخل الحكومة وكواليسها.

من جهته، يرى الكاتب الصحافي فلاح المشعل، أن وجود مجموعة من المستشارين يمتلكون خبراء ومؤهلات فعلية في مجالات حيوية، أمر مهم لرئيس الحكومة ليكون قادراً على معالجة ملفات عديدة، لكن ما حدث في العراق هو أن «موقع مستشار رئيس الوزراء وظيفة فضائية لا أهمية ولا قيمة لها».

وقال المشعل، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن التعيينات المتراكمة لمستشارين «أثقلت الموازنة بعدما خلقت أبواب هدر، وفاقمت التضخم والترهل في الجهاز الوظيفي الرئاسي، وما ينطبق على رئيس الحكومة، ينطبق أيضاً على رئيسي النواب والجمهورية، رغم أن وظيفة الأخير لا تتعدى السياقات البروتوكولية».


مصادر: الأردن نسّق مع دمشق بشأن قصف الجنوب السوري

مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)
مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)
TT

مصادر: الأردن نسّق مع دمشق بشأن قصف الجنوب السوري

مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)
مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)

أكدت مصادر أردنية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» أن الأردن «نسّق مع الجانب السوري لقصف مناطق محددة بإحداثيات مؤكدة لضرب عناصر من تنظيم «داعش»، كانوا على اتصال بالخلية الإرهابية التي نفذت عملية كنيسة حمود»، الجمعة الماضي.

وشهد موقع للعزاء في موقع كنيسة حمود التابعة لمحافظة الكرك الجنوبية، حادثة إطلاق نار بعد ترجل ثلاثة إرهابيين، من مركبة فاتحين فوهات بنادقهم على المعزين الواقفين أمام الكنيسة، مما تسبب بسقوط 9 شهداء وأكثر من 40 جريحاً وفق آخر الإحصاءات.

وشددت مصادر محلية مطلعة على أن الأردن الرسمي «يتفهّم الموقف السوري»، لترفض المصادر نفسها التعليق على أسباب «التحفظ الرسمي السوري»، الذي اعتبره سياسيون أنه متطلب سوري في إعادة ترتيب المواجهة مع «خلايا إرهابية تكفيرية أصبحت تعيش في أوساط سكانية محلية في قرى بمحافظة درعا قريباً من الحدود الأردنية».

علماً بأن الأردن قام بقصف الجنوب السوري بعد تسلم العهد الجديد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وقام بثلاث طلعات جوية معلنة وطلعات أخرى غير معلنة.

شعار الضربة الجوية على درعا التي قالت القوات المسلحة الأردنية إنها استهدفت خليه لـ«داعش»

قُطَب مخفية في تصريحات رسمية

وقال وزير الإعلام الأردني محمد المومني إن عملية ليلة الاثنين التي حملت اسم (الردع الأردني - حمود) نُفذت «استناداً إلى معلومات ميدانية؛ لتحييد تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية ضد الأردن»، مشيراً إلى أن النتائج الأولية لهذه العمليات تشير، حتى اللحظة، إلى خسائر كبيرة في صفوف «داعش»، تُقدّر بأكثر من 20 عنصراً، وتدمير مستودع أسلحة ضخم للتنظيم.

تصريحات المومني لم تُعلق على البيان الرسمي السوري الذي «استنكر القصف الأردني في الداخل السوري». لكن «شيئاً من التفاهم، في الكواليس» قطع الطريق على بعض المتأذين من عودة التنسيق الأردني - السوري والتعاون في المجالات المختلفة، وعلى رأس جهود التعاون المشترك مع العهد السوري الجديد، كانت جهود مكافحة الإرهاب.

في السياق، فإن للأردن موقفاً حاسماً في الدفاع عن وحدة الأراضي السورية، في مواجهة مسلسل الاجتياحات الإسرائيلية الهادفة لاحتلال المزيد من الأراضي السورية وفرض أمر واقع جديد، على أن الأردن يحترم سيادة دول الجوار، لكن عمّان لا تقف «مكتوفة الأيدي» في مواجهة مخاطر الإرهاب من تنظيم «داعش» على الحدود الشمالية والشرقية، مع محاولات ضرب الأمن الأردني من طرف ميليشيات عراقية محسوبة ومسلحة من طهران. ومؤخراً، برزت تحديات جديدة على الحدود الغربية مع دولة الاحتلال، بعد إحباط سلسلة محاولات لتهريب المخدرات والسلاح.

مشيعون في جنازة 4 من أفراد العائلة نفسها بينهم ثلاثة أطفال قتلوا في غارة أردنية في بلدة المسمية بمحافظة درعا جنوب سوريا فجر الثلاثاء (رويترز)

أما أهم ما جاء على لسان الناطق باسم الحكومة فقوله: «إن عمليات القصف التي قامت بها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، ليلة الاثنين، استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)»، مؤكداً «نفاد صبر بلاده على تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».

ومصطلح «نفاد الصبر» عسكرياً له دلالات تؤشر بعودة محتملة للحرب ضد تنظيم «داعش»، الذي أعاد تموضع بعض خلاياه في مناطق من الجنوب السوري، ولم يعد مستبعداً عودة اتصالات التنظيم في الخارج بخلايا نائمة في الداخل الأردني، بحسب مراقبين.

وجاء تعبير المومني عن «أسف بلاده لوقوع ضحايا من المدنيين»، ليؤكد أن الأردن «امتنع عن استهداف مواقع تشير المعلومات إلى وجود مدنيين فيها»، موضحاً أن الأردن «يتخذ على الدوام الاحتياطات كافة التي من شأنها عدم الإضرار بالمدنيين، فهو يولي حياة المدنيين الأبرياء خارج حدوده الأهمية ذاتها التي يوليها لحياة الأردنيين».

وقد لاحظ المتابعون أن بيان الحكومة الرسمي الذي تلاه الناطق باسمها، تجاوز الموقف الرسمي السوري الذي «نفى التنسيق مع الأردن»، بشأن قصف الجنوب السوري بطائرات سلاح الجو، وهو ما يعزز مساحات التفاهم، خصوصاً بعد البيان السوري الأخير الذي استخدم لغة دبلوماسية في «استنكارها ورفضها للقصف الأردني على الجنوب السوري».

على أن مطّلعين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن تزامن عمليات قصف سلاح الجو الأردني لأوكار إرهابية، رافقته طلعات جوية لقوات التحالف الدولي التي قامت هي الأخرى بقصف مواقع (على طريق دمشق حمص) لوجود خلايا إرهابية فيها، كما أن ظروفاً أمنية محلية خلقت حالة من الفوضى بين سكان المناطق المستهدفة في درعا، وهو ما ابتعد الأردن عن التعليق عليه.

العاهل خلال زيارته مستشفى الأمير علي العسكري في الكرك للاطمئنان على المصابين في الهجوم الذي استهدف كنيسة في المحافظة الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

الثقة بالملك والجيش

يثق الأردنيون بنسب مرتفعة بكفاءة القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) والأجهزة الأمنية، وعلى رأس تلك المؤسسات العاهل الأردني بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتتجاوز نسب الثقة في استطلاعات الرأي التي يجريها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية عادة نسبة الـ(90%؜) بالقدرات العسكرية الأردنية، وجهود الجيش الأردني في صد المخاطر وحماية المملكة. ولذلك يُعد البيان العسكري لدى الأردنيين كاشفاً عن تفاصيل العمليات العسكرية بشفافية واختصار.

ومن المفارقات المهمة في الحالة الأردنية، أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عند زيارته لبيوت عزاء شهداء الإرهاب عادة، يكون حاملاً معه خياراته الانتقامية من الجماعات الإرهابية. ويذكر الأردنيون لحظة جلوس الملك عبد الله الثاني في بيت عزاء الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، الذي أعدمه «داعش» حرقاً بعد أسره عام 2015، وكيف أن طائرات سلاح الجو حلقت فوق بيت العزاء معلناً الملك أن سلاح الجو عاد لتوه من تنفيذ عملية انتقامية ضد عناصر إرهابية كان لها الدور في عملية أسر واستشهاد الطيار الكساسبة وقتها.

وفعلاً بعد ساعات من زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لبيت عزاء شهداء كنيسة حمود، الاثنين، أعلنت القوات المسلحة أن سلاح الجو الملكي قام «بتدمير عدد من المواقع الإرهابية، وأسفرت العملية عن قتل وجرح العديد من عناصر هذه التنظيمات الإرهابية وتدمير عدد من آلياتها».

وليلة الثلاثاء، أعلن سلاح الجو الملكي في بيان عسكري تنفيذه عملية نوعية استهدفت أوكار التنظيمات الإرهابية في الجنوب الشرقي السوري، أطلق عليها (الردع الأردني - حمود)، مشدداً البيان على أن العملية نُفذت بـ«التنسيق» مع الحكومة السورية. وهنا اختصر الأردنيون مساحات الجدل واثقين بالرواية الأمنية.

وقال البيان إن العملية تأتي «انتقاماً لشهدائنا الذين قضوا في جنازة كنيسة حمود في الكرك الجمعة الماضي؛ إذ يرتبط الإرهابيون الذين نفذوا هذا الفعل الإجرامي بهذه التنظيمات الإرهابية». وقامت مقاتلات من سلاح الجو الملكي بتدمير عدد من المواقع الإرهابية، وأسفرت العملية عن قتل وجرح العديد من عناصر هذه التنظيمات الإرهابية وتدمير عدد من آلياتها.

هل ارتبكت الرواية الحكومية؟

ظهر مدير الأمن العام الأردني، الاثنين، رافضاً ربط الإرهابين الثلاثة بصلات تنظيمية خارجية، مؤكداً أن العملية لم يكن مخططاً لها مسبقاً.

وقيل ليلة الاثنين، على لسان مصادر صحافية، إن كلام مدير الأمن العام كان تمويهاً لمنع الإرهابيين بالخارج من أخذ احتياطاتهم للرد الأردني وتوقيته. وقبل الإعلان عن قصف الجنوب السوري بساعتين، ظهر وزير الداخلية مازن الفراية على شاشة تلفزيون محلي، مقدماً عرضاً اجتماعياً لواقع أسر منفذي العملية الإرهابية في كنيسة حمود.

وكشف عن معلومات تتعلق بمسلكيات الإرهابيين الثلاثة التي في حوزة الجهات الأمنية، كانت كفيلة باتخاذ إجراءات وقائية قبل وقوع حادثة الكنسية غير المسبوقة في البلاد. وهو ما تسبب محلياً بتوجيه انتقادات للإدارة الحكومية في ترتيب خطواتها وتعظيم أهداف استخدام الأدوات الإعلامية في تحصين الرواية الرسمية من النقد أو التصيّد.

لكن نشطاء منصات التواصل الاجتماعي اتخذوا من التناقض وسيلة لنقد الإدارة الحكومية للأزمة؛ فوزيرا الداخلية والإعلام ومدير الأمن العام، ظهروا لمدة نصف ساعة في مؤتمر صحافي، مقدمين الرواية الرسمية للحدث، في وقت لم تكن فيه تداعيات الردع الأردني قد انتهت لصالح الرسالة العسكرية التي بعث بها سلاح الجو الأردني ليلة الاثنين.

ولا ينقص جمهور التواصل الاجتماعي انقسام أردني أكثر من الانقسام الدائر حالياً، فما زالت بعض الحسابات تُحذر من تعزية المسيحيين، وترفض أن يقال عنهم شهداء. تاركين خلفهم ساحة من اختلاف وجهات النظر وصولاً للشتائم والتكفير. لتدخل حسابات خارجية على خطوط الفتنة المحلية، وهو ما يحتاج لجهود فنية متقدمة في مواجهة الحرب الإلكترونية.


لبنان يشدّد على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي خلال استقباله ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولاينا ليندهولم بيلينغ (صفحة رجي على إكس)
وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي خلال استقباله ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولاينا ليندهولم بيلينغ (صفحة رجي على إكس)
TT

لبنان يشدّد على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي خلال استقباله ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولاينا ليندهولم بيلينغ (صفحة رجي على إكس)
وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي خلال استقباله ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولاينا ليندهولم بيلينغ (صفحة رجي على إكس)

شدّد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي، خلال استقباله، اليوم الثلاثاء، ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، كارولاينا ليندهولم بيلينغ، على ضرورة إنهاء ملف عودة النازحين السوريين.

وقال الوزير رجي، في بيان على حسابه بمنصة «إكس»: «التقيت ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، كارولاينا ليندهولم بيلينغ، وبحثنا ملف النازحين السوريين وسبل عودتهم إلى بلادهم».

وأضاف: «شددت من جهتي على ضرورة إنهاء ملف عودة النازحين السوريين، ونقلت إليها مطلب وزارة الطاقة بأن تسدد مخيمات الإيواء المستحقات المترتبة عليها، أسوةً بالإجراء الذي اعتمدته مؤسسة كهرباء لبنان بحق المؤسسات العامة المتخلّفة عن الدفع».

من جانبها، أعربت بيلينغ «عن دعمها لهذا الطلب، مؤكدةً أن القانون يجب أن يُطبَّق على كل مقيم في لبنان، كما يُطبَّق على المواطن اللبناني».

وأكدت بيلينغ «أن الظروف في سوريا العام المقبل ستصبح أكثر ملاءمة لعودة أعداد أكبر من النازحين، وشددت في المقابل على أن المفوضية ستواصل العمل على تأمين المساعدات للبنانيين المتضررين في الجنوب».

يُذكر أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان كان قد تخطى المليوني لاجئ. ووضعت الحكومة اللبنانية الحالية خطة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

ونظمت المديرية العامة للأمن العام اللبناني اثنتين وعشرين مرحلة من تلك الخطة، بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة والصليب الأحمر اللبناني ومنظمات إنسانية. ويطالب لبنان بعودة هؤلاء إلى بلادهم عودة آمنة وكريمة.