سيباستيان مالابي
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

سلامة الذكاء الاصطناعي بين أميركا والصين

استمع إلى المقالة

عام 2022، حاولت إدارة بايدن كبح جماح الصين بمجال تطوير الذكاء الاصطناعي، عبر الحيلولة دون حصولها على أشباه الموصلات المتطورة. وجاء الرئيس ترمب وخفّف من حدة هذه السياسة بعض الشيء، لكن دون خطة واضحة لسياسة أخرى بديلة.

وقد أثبتت ضوابط تصدير الرقائق الإلكترونية فشلها؛ فقطاع التكنولوجيا الصيني متطور للغاية، بدرجة يصعب معها منعه من بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قوية. وفي خضم سعيها وراء هدف يبدو مستحيلاً، تُفوّت واشنطن فرصةً لتحقيق هدف يبدو رائعاً، وبعد زيارة صحافية حديثة إلى الصين، أراه أكثر واقعية: ينبغي لواشنطن التفاوض مع بكين حول إقرار اتفاقية عالمية بخصوص سلامة الذكاء الاصطناعي، تفرض قيوداً شاملة على هذه التكنولوجيا، التي يمكن أن تُحقق فوائد جمة، لكن إذا وقعت في الأيدي الخطأ فستُلحق أضراراً جسيمة.

في واقع الأمر، كانت الفرضية الأساسية لقيود التصدير أن الولايات المتحدة ستتمكن من منع الصين من الحصول على رقائق الذكاء الاصطناعي القوية. يُذكر أن مجموعات الرقائق المتميزة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل مراكز البيانات، ضخمة بحجم ألواح التزلج، ولا يمكن تهريبها في حقيبة سفر عادية، ويصعب تشغيلها دون دعم مباشر من فرق الهندسة لدى شركات تصنيع الرقائق. ومع ذلك، احتال المطورون الصينيون على الضوابط، بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم على رقائق موجودة في دول أخرى. وكل ما يحتاج إليه مطور النماذج الصيني استئجار سعة في مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في إحدى دول جنوب شرقي آسيا المجاورة للصين. وإخفاء المنشأ الصيني للنموذج أمر في غاية السهولة.

وبفضل عوامل منها هذه الثغرة، أطلقت بكين سلسلة من نماذج الذكاء الاصطناعي الممتازة. ولن تتغير قدرة الصين على التحايل على الضوابط الأميركية، حتى لو حذا مجلس الشيوخ حذو مجلس النواب في تمرير مشروع قانون يقيد وصول بكين إلى مراكز البيانات الخارجية. الواضح أن الصين تتعلم كيفية الاستغناء عن الرقائق المتطورة بتجميع رقائق أقل قوة. كما يستفيد مطورو النماذج الصينيون استفادة كاملة من عملية تُعرف بالتقطير؛ ففي كل مرة ينتج فيها مختبر أميركي نموذجاً متطوراً، يسارع المنافسون الصينيون إلى تحليل قدراته عكسياً، وبناء نسخة مقلدة منه.

من جهتهم، اعتاد علماء الذكاء الاصطناعي الأميركيون القول بأن قدرة المنافسين على اللحاق بالركب بسرعة لن تُحدث فرقاً. وكانت الحجة السائدة آنذاك أن ثمة انفجاراً يبدو وشيكاً على صعيد الذكاء الاصطناعي. وقريباً، ستصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على كتابة ترقيات في شيفرتها البرمجية: سيُنشئ الذكاء الاصطناعي ذكاءً اصطناعياً أفضل، وسيؤدي التحسين الذاتي المتكرر إلى رفع الأداء إلى مستويات قياسية. وبعد ثلاث سنوات ونصف السنة من فرض إدارة بايدن ضوابط على الشرائح الإلكترونية، أصبح الذكاء الاصطناعي يُولّد شيفرة برمجية لتحديث نفسه.

إلا أن قوة النماذج الرائدة المتسارعة لن تُحدد الفائز في سباق الذكاء الاصطناعي، وإنما نشر الذكاء الاصطناعي ما سيُحدث الفرق حقاً. ومن أجل إحداث تحول في الاقتصادات والجيوش، يجب دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الأعمال وأنظمة الأسلحة. ويجب تحويل القوة الخام للنماذج المتطورة إلى تطبيقات عملية.

خلاصة القول إن الصين والولايات المتحدة متقاربتان في سباق الذكاء الاصطناعي. قد تتأخر النماذج الصينية الرائدة بضعة أشهر عن نظيراتها الأميركية، ويصعب تحديد موقعها النسبي في التطبيقات العسكرية، نظراً لفرض السرية على كثير من المعلومات. ومع ذلك، يبدو أن الصين متقدمة في التطبيقات الصناعية. اللافت أن شركات خاضعة للعقوبات الأميركية، مثل «هواوي» و«هيكفيجن»، تُطلق أنظمة ذكاء اصطناعي تُجري فحوصات الصيانة على القطارات فائقة السرعة، وتُدير عمليات التعدين، وتفحص عينات المياه لتقييم التلوث. وداخل مقر «هواوي»، بالقرب من شنتشن، ركبتُ حديثاً سيارة ذاتية القيادة. قام جهاز في مقعد الراكب بتدليك ظهري، وكان التوجيه شديد الدقة.

من جهتهم، يُصرّ أنصار التحكم في الرقائق الإلكترونية على أن حتى إبطاء تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، ولو بشكل طفيف، يستحق السعي. إذا كانت الصين خصماً قوياً، فلك أن تتخيل مدى قوتها لو رُفعت القيود المفروضة على الرقائق. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن هذه القيود لا تُحقق الهدف المرجو المتمثل في وجود صين ذات ذكاء اصطناعي محدود. لذا يجدر التفكير في تكلفة هذه القيود. وقد أقنعتني رحلتي إلى الصين بأن التكلفة باهظة للغاية.

ومع ذلك، فإن أكثر من اثنتي عشرة محادثة مع قادة الذكاء الاصطناعي في بكين وشنغهاي وشنتشن وهانغتشو، أوضحت لي أن النخبة الصينية تُولي اهتماماً حقيقياً لمسألة أمن الذكاء الاصطناعي.

في الوقت الراهن، يطغى دافع بكين الحثيث نحو تطوير ذكاء اصطناعي متطور على أي حذر. ويبدو أن هذا رد فعل منطقي على إدارة أميركية مصممة بدورها على إعطاء الأولوية للسرعة على حساب السلامة. ومع ذلك، فإنه لو توجه زعيم أميركي إلى الصين، وعرض عليها إلغاء ضوابط تصنيع الرقائق الإلكترونية مقابل التعاون في مجال منع انتشار الذكاء الاصطناعي، لكانت هناك فرصة ما على الأقل لنجاح هذا المقترح.

وهذا يفترض إمكانية إقامة حوار أميركي - صيني من الأساس. وعلى الغرب ألا يستسلم للتشاؤم؛ ففي بعض الأحيان خلال «الحرب الباردة»، سعت واشنطن إلى تحقيق مصالحها عبر التحول من المواجهة إلى الانفتاح الدولي.