مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

الحرب على روايات الحرب

استمع إلى المقالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعلن أن إيران «على وشك الاستسلام». وفي حديثٍ آخر، قال لإذاعة «فوكس نيوز» عن موعد خروج الشعب لإسقاط النظام الإيراني: «أعتقد فعلاً أنها عقبة كبيرة يصعب تجاوزها بالنسبة إلى من لا يملكون أسلحة. أعتقد أنها عقبة كبيرة جداً (...) سيحصل ذلك، لكن ربما ليس فوراً». كما توعّد ترمب بـ«تدمير كامل» لنظام الحكم في إيران.

في المقابل، نجدُ المرشد الإيراني الجديد، والجريح، الخامنئي الثاني، مُجتبى، يتوعد في أول رسالة له بعد تعيينه خلفاً لوالده، بـ«مواصلة الحرب» «والانتقام والثأر» للقتلى في البلاد، وتدفيع «العدو الثمن». أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فنجده يتهمُ الولايات المتحدة بأنها لا تملك استراتيجية واضحة حتى الآن، لطريقة الخروج من الحرب مع إيران.

هناك أصواتٌ أخرى تقول بأن الحرب موجعة للنظام الإيراني، وأن جليّة المشهد الحقيقي لخسائر النظام العسكرية والاستراتيجية، لم تتضح بعدُ، فدخان الحرب ونارها على أشدّها، لكن الفالت من الصور وبعض التقارير يكشفُ عن هولٍ عظيم وخطبٍ جسيم. ولعلّ خروج المرشد النجل، الخامنئي الثاني، بكلمته المكتوبة، وكأنه موجود في مكان قصيّ، ينبئك عن الحال بالنسبة لنخبة الحكم الحالية في إيران.

إذا استمعتَ إلى الإدارة الأميركية والإسرائيلية، فإنك تتوقع سقوط النظام الإيراني في أي لحظة، وإعلان الاستسلام. وإذا استمعتَ إلى إعلام طهران وتوابع طهران في المنطقة، وبعض اليسار في العالم، فإنك ترى هزيمة وشيكة لأميركا وإسرائيل سويّة!

لكن من أولى المعارف عن الحروب ومن تجاربها المكرورة عبر الدهور، أن «الحقيقة أولى ضحايا الحرب»، هكذا قال لنا المُعلّم الذي اسمه التاريخ، من قبلُ والآن وسيقول لاحقاً وأبداً.

بيْدَ أن الفرق بين رواية إيران وأمثال إيران في العالم، ورواية أميركا وأمثال أميركا في العالم - غير فارق القوة النوعية الاستثنائية لصالح أميركا ومعها إسرائيل - هو أن هذه الدول لديها مجتمعات سياسية متنوعة ونوافذ يمكن الولوج منها لروايات أخرى، بل إن لديهم قوانين مُلزمة بكشف وثائق الدولة - ليس كلها طبعاً - لكن الكثير منها للاطلاع العام حسب قوانين منظّمة لهذا، كما أن لديها صحافة حرّة وباحثين أحراراً، وقوى سياسية لديها قدرات للتفنيد والنقد... فهل هذه الوسائل موجودة أو مشروعة في إيران؟!

نعم: الحقيقة أولى ضحايا الحروب، لكن ليس كل الحقيقة بل بعضها، وهذا البعض الذي نراه ونسمعه اليوم يقول إن إيران التي نشأت بعد إطاحة الشاه في كرْبٍ عظيم، وأميركا الترمبية في لحظة حرجة إما للصعود التاريخي أو للنكسة المؤلمة، حسب منظر اليوم الأخير للحرب، وحسب شكل وإخراج المخرج النهائي... وسنرى.