اضطرابات القلب لدى الرياضيين... اهتمام طبي لمنع الوفيات

التمارين المكثفة تزيد احتمال الإصابة بمشكلات في إيقاع النبضات

اضطرابات القلب لدى الرياضيين... اهتمام طبي لمنع الوفيات
TT

اضطرابات القلب لدى الرياضيين... اهتمام طبي لمنع الوفيات

اضطرابات القلب لدى الرياضيين... اهتمام طبي لمنع الوفيات

قد يكون الرياضيون الذكور الذين تزيد أعمارهم على 50 عاماً أكثر عرضةً لمشكلات قلبية خطيرة في إيقاع نظم نبض القلب Heart Rhythm، إذ أشارت دراسة جديدة أجرتها جامعة «ليدز»، أن الرياضيين الذكور المخضرمين، الذين أمضوا سنوات في التدريب بكثافة عالية، قد يكونون أكثر عرضةً لمشكلات قلبية خطيرة في أثناء ممارسة الرياضة لاحقاً. وتحديداً، قد يكونون أكثر عرضةً لاضطرابات نظم القلب الصادرة من البطين (Ventricular Arrhythmia)، خلال التدريب إذا كانوا يعانون بالفعل من تندب في عضلة القلب (Heart Scarring).

ونُشرت دراسة جامعة «ليدز» في عدد 12 يناير (كانون الثاني) 2026 في «المجلة الأوروبية لطب الوقاية من الأمراض القلبية»، (European Journal of Preventive Cardiology)، بتمويل من مؤسسة القلب البريطانية (British Heart Foundation).

تليّف عضلة القلب

من المعلوم أن تسعة من كل عشرة وفيات قلبية مفاجئة في أثناء ممارسة الرياضة تحدث لدى الرياضيين الذكور الأكبر سناً. وكان هدف الباحثين هو تحديد ما إذا كان أداء مزيد من التمارين الرياضية قد يُسبب أحد أهم أنواع اضطرابات نظم نبض القلب خطورة، وهي حالة «تسرع القلب البطيني»، (Ventricular Tachycardia)، لدى هذه الفئة من الرياضيين. ووجد باحثو جامعة «ليدز» أن الرياضيين الذين عانوا من هذه الاضطرابات لم يكونوا يمارسون الرياضة بشكل أكبر أو بكثافة أعلى، ولكن ثلاثة أرباعهم كان لديهم تندب في أنسجة عضلة القلب نفسه. وأكد فريق الباحثين أن هذا يُظهر أن ممارسة الرياضة «في حد ذاتها» ليست خطيرة، لكن النتائج تشير إلى أن «وجود نسيج ندبي في القلب» يزيد من خطر احتمال الإصابة بمشكلات قلبية خطيرة في إيقاع نظم نبض القلب خلال النشاط البدني.وما يجدر ذكره، وهو ذو أهمية عالية، أن الباحثين أنفسهم لم يكونوا على دراية بوجود ندوب قلبية لدى هؤلاء الرياضيين إلا من خلال مشاركتهم في الدراسة. وهو ما يُبرز أهمية إجراء فحوصات دورية لصحة القلب للرياضيين الذكور المخضرمين في رياضات التحمل، وذلك لضمان عدم تعرضهم لمخاطر المضاعفات خلال التدريب.

وقد تنتج الندوب عن النوبات القلبية، أو الأمراض، أو الإجهاد الناتج عن ممارسة تمارين رياضية عالية الكثافة على مدى سنوات عديدة. ويُعرف تندب القلب طبياً بـ«التليف العضلي القلبي»، نتيجة تكوّن نسيج كولاجيني متصلب يحل محل أنسجة عضلة القلب المتضررة بعد الإصابة بالنوبة القلبية، أو نتيجة ارتفاع ضغط الدم المزمن وغير المتحكم في ارتفاعه، أو العدوى الميكروبية، أو التدريب المكثف طويل الأمد لدى بعض الرياضيين. وهو ما يُضعف قدرة القلب على ضخ الدم بكفاءة، وقد يؤدي إلى قصور القلب أو اضطراب إيقاع نظم نبض القلب. ورغم أن عملية «التليف العضلي القلبي» تُعد استجابة الجسم الطبيعية للشفاء خلال التعافي من حصول الالتهاب في عضلة القلب، فإن «التندب المفرط» يُخلّ بالوظيفة الطبيعية للقلب، مُسبباً أعراضاً مثل التعب، وضيق التنفس، والتورم في القدمين. ويمكن الكشف عنه من خلال التصوير الطبي، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي للقلب.

وقال الباحثون: «أظهرت دراستنا أن ممارسة الرياضة ارتبطت فقط بخطر الإصابة باضطرابات نظم القلب لدى الأشخاص المعرضين لخطر كبير بسبب تندب عضلة القلب. ولم يكن الرياضيون الذين أُصيبوا باضطرابات نظم القلب يمارسون الرياضة بشكل أكثر أو بجهد أكبر من الرياضيين الذين لم يعانوا من هذه الاضطرابات. ويشير هذا إلى أن ممارسة الرياضة بحد ذاتها ليست السبب، ولكنها قد تكون عاملاً محفزاً لاضطرابات نظم القلب الخطيرة لدى هؤلاء الرياضيين الذين يعانون بالفعل من مشكلة قلبية كامنة. إن الرياضة آمنة ولها فوائد جمة، ولكن ينبغي على الرياضيين في هذه المجموعة إجراء فحوصات طبية دورية للتأكد من سلامتهم».

دراسة متابعة

وتُعدّ هذه الدراسة الحديثة متابعةً لدراسة «فينتو»، (VENTOUX Study)، التي أجراها نفس فريق البحث في جامعة «ليدز»، ونُشرت في وقت سابق العام الماضي.

كانت جمعية القلب الأميركية قد عرضت نتائج هذه الدراسة السابقة في 17 يوليو (تموز) الماضي على موقعها الإخباري. وقالت: «وفقاً لدراسة جديدة نُشرت اليوم في مجلة (سيركوليشن: تصوير القلب والأوعية الدموية)، Circulation: Cardiovascular Imaging Journal، فقد وُجد أن التليف العضلي القلبي -وهو عبارة عن نسيج ندبي في عضلة القلب- مرتبط بزيادة خطر عدم انتظام ضربات القلب لدى رياضيي التحمل الذكور». وأضافت قائلةً: «سُميت هذه الدراسة على اسم جبل مونت فينتو، أحد أصعب المرتفعات في سباق طواف فرنسا للدراجات الشهير عالمياً. وشملت الدراسة نحو 100 من الرياضيين الذكور الذين تزيد أعمارهم على 50 عاماً».

وأظهرت تلك الدراسة أن الرياضيين الذكور الأكبر سناً في رياضات التحمّل، والذين أمضوا عقوداً في التدريب والمنافسة، كانوا أكثر عرضةً من غير الرياضيين للإصابة بتندّب في القلب. وارتبط هذا التندّب ارتباطاً وثيقاً باضطرابات نظم القلب التي رصدتها أجهزة «المسجّل المتواصل المزروع لنبضات القلب»، Implantable Loop Recorders، التي تمت زراعتها لدى المشاركين، وهي أجهزة صغيرة تُزرع تحت الجلد. (راجع زاوية «استشارات طبية» في عدد 18 ديسمبر/كانون الأول 2025 من ملحق «صحتك» في «الشرق الأوسط» حول «المسجّل المتواصل المزروع لنبضات القلب»). وهدفت التجربة الجديدة إلى التحقق مما إذا كانت التمارين الرياضية تؤثر على اضطرابات نظم القلب، ومتى يحدث هذا التأثير.

«المناطق الرمادية» في قلب الرياضي

يمكن أن تؤدي التمارين الرياضية الشاقة المنتظمة إلى تكيّفات كهربائية وهيكلية ووظيفية في القلب، حتى يتمكن اللاعب من تعزز أدائه في التمارين وفي المنافسات الرياضية. والأداء في المنافسات الرياضية لا يقتصر على المجهود البدني العالي، الذي يمثل القلب فيه المحور، بل كذلك الانفعال النفسي والهرموني المرتفع.

ووفق دراسة تم نشرها في عدد 3 يوليو (تموز)2025 من مجلة أبحاث الدورة الدموية Circulation Research التابعة لجمعية القلب الأميركية، أفاد باحثون من مركز أبحاث القلب والأوعية الدموية في بوسطن، بالقول:" لقد تطور فهم قلب الرياضي Athlete's Heart ، الذي تم توثيقه لأول مرة بواسطة هينشين ودارلينغ في عام 1899 من خلال ملاحظات تضخم القلب لدى رياضيي التحمل". وعليه فإن مفهوم "قلب الرياضي" يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد اعتبر كل من هينشن ودارلينغ أن تضخم القلب Cardiac Enlargement وبطء النبض Bradycardia لدى رياضيي التحمل Endurance Athletes هو بالأصل تكيّف فسيولوجي طبيعي لتحسين الأداء. ويشمل ذلك زيادة حجم القلب وانخفاض معدل ضربات القلب أثناء الراحة (بطء القلب). وتاريخيًا، كان يُخلط أحيانًا بينه وبين حالة مرضية في القلب. ولكن الفهم الطبي الحديث يؤكد أنه عملية إعادة تشكيل صحية. وضرورة التمييز بينه وبين الأمراض القلبية الكامنة، يبقى أمرًا بالغ الأهمية في طب القلب الرياضي Sports Cardiology.

أوضحت التطورات في التصوير بالرنين المغناطيسي وفي علم وظائف القلب والأوعية الدموية، أن هذه الظاهرة - التي تُعرف الآن باسم إعادة تشكيل القلب الناتج عن التمرين EICR - تعكس تغيرات هيكلية ووظيفية وكهربائية تكيّفية تُمكن القلب من تلبية المتطلبات الرياضية المستمرة للأداء الرياضي بمستوي عالي يفوق المطلوب طبيعيا لأداء الأعمال الحياتية المعتادة للإنسان عموماً.

وهذا التكيف الفسيولوجي Physiological Adaptation من القلب لمتطلبات الجسم في أداء الرياضات لدى المحترفين، هو بالفعل استجابة صحية تدعم قدرة ممارسة التدريب المكثف، مما يزيد من حجم وقوة ضخ الدم مع كل نبضة، وكفاءتها.

وللتفريق بينها وبين الحالات المرضية لبطء النبض وتضخم القلب، تساعد تقنيات التصوير بالرنين المغنطيسي والفحوصات المتقدمة لتخطيط كهربائية القلب، في التمييز بين هذا التكيف الطبيعي والحالات المرضية مثل اعتلال عضلة القلب الضخامي.

ويُظهر الرياضيون الذكور غالبًا تغيرات مركزية أكثر من الإناث. وتُظهر بعض المجموعات العرقية (مثل الرياضيين الأفريقيين) أنماطًا مميزة من تلك التغيرات القلبية، مما تتطلب تقييمًا طبياً دقيقًا.

ولا تزال الأبحاث الاكلينيكية مستمرة حول آثارها طويلة المدى، وتحديد الحالات النادرة التي قد يُسبب فيها التمرين مشاكل لدى الأفراد ذوي الاستعداد الوراثي للإصابة باضطرابات نبض القلب الخطيرة.

خطوات أساسية لتعامل الرياضيين مع صحة قلوبهم

يشير مصطلح "قلب الرياضي" إلى التغيرات القلبية الطبيعية والمفيدة الناتجة عن التدريب المكثف (كبر حجم الحجرات القلبية، وانخفاض معدل ضربات القلب)، ولكن يجب التمييز بينها وبين الحالات المرضية الخطيرة الكامنة، مثل اعتلال عضلة القلب الضخامي HCM، الذي قد يُسبب السكتة القلبية المفاجئة SCA.

والأساس أن مفتاح صحة القلب لدى الرياضيين يكمن في تحقيق التوازن بين التدريب المكثف، والراحة، والتغذية السليمة (تناول الأطعمة الكاملة، والحد من المنبهات)، والترطيب الكافي. وكذلك التعرف على أعراض مهمة، مثل ألم الصدر أو الإغماء، والتي تتطلب تقييمًا طبيًا فوريًا من قبل طبيب قلب للتمييز بين التكيف الطبيعي والحالة المرضية.

وتشمل التكيفات الفسيولوجية لـ "قلب الرياضي" كل من:

-قلب أكبر وأقوى: تزداد سماكة عضلة القلب (مثل العضلات الأخرى) وتتوسع حجراتها لضخ المزيد من الدم بكفاءة أكبر.

-انخفاض معدل ضربات القلب (بطء القلب): يضخ القلب كمية أكبر من الدم في كل نبضة، لذا يقل عدد نبضاته أثناء الراحة.

وتشمل المخاطر والحالات المحتملة كل من:

-السكتة القلبية المفاجئة: حالة نادرة ولكنها خطيرة، وغالبًا ما تنتج عن مشاكل وراثية مثل اعتلال عضلة القلب الضخامي أو اضطرابات كهربائية في القلب الصادرة من البطين (الأعلى خطورة).

-اعتلال عضلة القلب الضخامي: حالة وراثية تسبب تضخمًا غير طبيعي في عضلة القلب، وهو سبب رئيسي للسكتة القلبية المفاجئة لدى الرياضيين الشباب.

-اضطراب النظم القلبي: عدم انتظام ضربات القلب، والذي قد ينجم عن تناول المنبهات (الكافيين، مشروبات الطاقة، الكحول) أو التدريب المكثف.

-ارتفاع ضغط الدم: يمكن أن يؤثر ارتفاع ضغط الدم أيضًا على قلوب الرياضيين بشكل أكبر مقارنة مع مرضى ارتفاع ضغط الدم الغير رياضيين بدرجة الاحتراف.

وتشمل نصائح الممارسات الأساسية لصحة القلب لدى الرياضيين كل من:

-توازن التدريب: نوّع شدة التدريب؛ استهدف 80% من التدريب متوسط ​​الشدة (بسرعة تسمح لك بالتحدث) و20% من التدريب عالي الشدة (التدريب المتقطع عالي الكثافة)، مع فترات راحة كافية.

-الراحة والاستشفاء: ضروريان لتكيف العضلات وتقليل الإجهاد على القلب.

-التغذية: التركيز على الأطعمة الكاملة، والبروتينات الخالية من الدهون، والفواكه، والخضراوات. مع تقليل تناول الأطعمة المصنعة، والسكريات، والمنبهات.

-الترطيب: ضروري للأداء الرياضي والوقاية من إجهاد القلب.

·-الفحص: يمكن لطبيب القلب استخدام تخطيط كهربية القلب ECG أو تخطيط صدى القلب (الإيكو) أو التصوير بالرنين المغناطيسي MRI لتحديد ما إذا كان تضخم القلب ناتجًا عن تكيف رياضي أو حالة مرضية.

ويجدر بالرياضي مراجعة الطبيب بشكل فوري في حال شعوره بما يلي:

-ألم في الصدر أثناء التمرين.

-إغماء أو شبه إغماء أثناء النشاط البدني الرياضي.

-إرهاق أو خفقان غير مبرر.

-تاريخ عائلي للموت القلبي المفاجئ.


مقالات ذات صلة

هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟

صحتك هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟

هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟

لمساعدة الأشخاص على التعامل مع الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي

جويس هيندلي (كمبردج (ولاية ماساشوستس الاميركية))
صحتك بعد عمر الـ65... هل من الضروري إنقاص وزن الجسم أو محيط الخصر؟

بعد عمر الـ65... هل من الضروري إنقاص وزن الجسم أو محيط الخصر؟

ربما قد يستغرب البعض أن زيادة الوزن «قليلاً» في عموم الجسم لدى كبار السن قد تكون شيئاً إيجابياً لهم في حماية صحتهم، وإطالة أعمارهم.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك العوامل النفسية تحدّد مدى استعداد الأم لرعاية المواليد الجدد

العوامل النفسية تحدّد مدى استعداد الأم لرعاية المواليد الجدد

أظهرت دراسة حديثة لباحثين، أن العوامل النفسية وخاصة مستويات القلق والقدرة على التعامل مع المشاعر الصعبة تلعب دوراً مهماً جداً في استعداد الأم للعناية بمولودها.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك «تقنيات السكري»... الأحدث ليس دائماً الأنسب

«تقنيات السكري»... الأحدث ليس دائماً الأنسب

أتاحت التطورات المتسارعة في تقنيات السكري للمريض خيارات لم تكن متاحة من قبل، من المراقبة المستمرة للغلوكوز، إلى التطبيقات، والمنصات الرقمية

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)

هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟

هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟
TT

هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟

هل الوجبات المصممة خصيصاً للحالة الطبية مناسبة لك؟

سواء كنتَ تتعايش مع مرض مزمن، أو تتعافى بعد الخروج حديثاً من المستشفى، أو من أحد مراكز إعادة التأهيل، فإن تناول الأطعمة المناسبة قد يكون بنفس أهمية تناول الدواء المناسب. ومع ذلك، قد يكون ذلك صعباً إذا كنتَ تواجه مشقة في التسوق، أو إعداد الطعام بمفردك، أو إذا كنتَ تجد صعوبة في تحمل تكلفة شراء الطعام الصحي بصورة منتظمة.

وهنا يأتي دور الوجبات الغذائية المصممة طبياً، أي الوجبات مكتملة الإعداد التي يخطط لها اختصاصيو التغذية، وتُسلَّم مباشرة إلى الأشخاص الذين تعتبر التغذية السليمة أمراً ضرورياً لحماية صحتهم. وهي تُقدَّم (في أميركا) مجاناً للمستحقين.

في هذا الصدد، قالت تينا ريلي، اختصاصية تغذية مسجلة، ومديرة شؤون التغذية لدى «مركز هِبرو لإعادة التأهيل»، التابع لجامعة هارفارد في بوسطن: «أشجع الناس على الاستفادة من هذه الوجبات، خصوصاً أولئك العاجزين عن مغادرة المنزل لشراء احتياجاتهم، أو الذين يفتقرون إلى الطاقة، أو القدرة الجسدية اللازمة لإعداد الطعام بأنفسهم».

برامج الغذاء المصمم طبياً

تُعد الوجبات الغذائية المصممة طبياً جزءاً أساسياً من حركة متنامية تتبنى مفهوم «الغذاء دواء-Food is Medicine»، وهي مبادرة في مجال الرعاية الصحية تدمج الغذاء المعزز بالمغذيات في الرعاية الطبية، بهدف مساعدة الأشخاص على التعامل مع الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي. وتظهر الأبحاث أن هذه البرامج يمكن أن تحسن النتائج الصحية بدرجة كبيرة، فضلاً عن إمكانية مساهمتها في خفض تكاليف الرعاية الطبية.

وبوجه عام، تختلف هذه البرامج في مستوى كثافتها بما يتناسب مع درجات الاحتياج الطبي المختلفة. وفيما يلي بعض الخيارات التي يمكن النظر فيها:

*وجبات غذائية مصممة طبياً: توفر أكبر قدر من الدعم الغذائي. وغالباً ما توفر البرامج ثلاث وجبات يومياً لفترة محددة، عادة ما تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، مع إمكانية تمديدها. ويخطط اختصاصيو التغذية الوجبات بما يتوافق مع الاحتياجات الطبية الخاصة بكل مستفيد، كما يمكنهم تعديلها لتناسب التفضيلات الثقافية، أو الدينية.

على سبيل المثال، تتيح مؤسسة «خدمات المجتمع» في بوسطن الاختيار من بين 16 نظاماً غذائياً طبياً، يمكن أن تلائم احتياجات النباتيين، أو من يتناولون الأسماك دون اللحوم، أو الأشخاص الذين يتجنبون اللحوم الحمراء، أو المكسرات.

وتعتبر الوجبات المصممة طبياً مفيدة بصورة خاصة للأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية صارمة، مثل مرضى قصور القلب. وعن ذلك قالت ريلي إن «توصيل وجبات صحية للقلب يمكن أن يشكل طوق نجاة»، مضيفة أن «تجاوز الحدود المسموح بها من الصوديوم قد يؤدي إلى عودتك إلى المستشفى سريعاً».

*مكونات غذائية مصممة طبياً: تمثل خياراً مفيداً للأشخاص القادرين على إعداد وجباتهم بأنفسهم، لكنهم يحتاجون إلى قدر من الدعم. وبدلاً من توصيل وجبات جاهزة، يحصل المشاركون على صناديق تحتوي على مكونات غذائية صحية. ويختار اختصاصيو التغذية -أو غيرهم من المتخصصين الطبيين- هذه المكونات بعناية، وغالباً ما تكون مرفقة بإرشادات غذائية، ونصائح بشأن إعداد الطعام.

وتشير بعض الأبحاث إلى أن هذا النوع من البرامج يمكن أن يساعد الأشخاص على اتباع نظام غذائي أعلى جودة بوجه عام، وعلى إدارة حالتهم الصحية بصورة أفضل.

*وصفات شراء الخضراوات والفاكهة: توفر هذه البرامج أموالاً، أو قسائم شراء، «معتمدة» من قبل مقدمي الرعاية الصحية، لشراء الفواكه والخضراوات من المتاجر المحلية، أو أسواق المزارعين. وغالباً ما تُقدم هذه البرامج للأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بأمراض مرتبطة بالنظام الغذائي، مثل مقدمات السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، وليسوا المصابين بأمراض بالفعل.

مكاسب مضاعفة

لا تقتصر فوائد الوجبات المصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات الطبية على تحسين الصحة فحسب، وفقاً لمؤيديها، بل يمكنها كذلك أن تحقق وفورات كبيرة في تكاليف الرعاية الصحية. وأظهر تحليل أُجري عام 2025 أنه إذا وفرت جميع الولايات الأميركية الوجبات المصممة طبياً للأشخاص المستحقين لها، والبالغ عددهم نحو 10.4 مليون أميركي، فإنها:

* توفر نحو 23.7 مليار دولار من صافي تكاليف الرعاية الصحية *

* تُجنب 2.6 مليون حالة دخول إلى المستشفيات *

وقد يؤدي ذلك إلى توفير نحو 23.7 مليار دولار من صافي تكاليف الرعاية الصحية خلال العام الأول، فضلاً عن تجنب نحو 2.6 مليون حالة دخول إلى المستشفيات سنوياً، جراء مضاعفات أمراض مزمنة، مثل القلب، والسكري، والسرطان.

مصاعب مالية

إلا أن التغييرات التي أُدخلت على «قانون الرعاية الصحية الميسرة»، عام 2025، أدت إلى تحميل الولايات جزءاً أكبر من تكاليف برنامج «ميديكيد»، ما يعرقل عمل المؤسسات المحلية التي توفر هذا النوع من الدعم الغذائي. وتسعى حكومات الولايات والمنظمات المحلية إلى سد هذه الفجوات من خلال مصادر تمويل أخرى، من بينها الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

على سبيل المثال، حصلت منظمة «ميلز أون ويلز» (وجبات على عجلات) الأميركية غير الربحية، حديثاً، على منحة بقيمة 250000 دولار لزيادة إتاحة الوجبات المصممة طبياً لكبار السن، الذين يعانون من حالات صحية مزمنة.

من جهتها، تحث ريلي بشدة الأشخاص المستحقين على المسارعة إلى طلب الحصول على هذه الخدمات. وشرحت أنه: «أحياناً يعتقد المرضى أنهم غير مؤهلين للحصول عليها، أو يساورهم القلق من أن يكونوا عبئاً على الآخرين. ومع ذلك عندما نسألهم عما يهمهم أكثر، فإن إجاباتهم جميعاً طوال الوقت تقريباً تكون أنهم يريدون التقدم في العمر داخل منازلهم، والبقاء بعيداً عن المستشفيات. ويمكن أن يساعد وجود طعام صحي في المنزل على إنجاز ذلك بالتأكيد».

خدمات الدعم الغذائي

تختلف شروط الاستحقاق، وإمكانية الحصول على خدمات الدعم الغذائي الطبي من ولاية إلى أخرى. وفيما يلي بعض النصائح التي يمكن أن تساعدك على البدء:

تحدث إلى طبيبك أو فريق الرعاية الصحية: تتطلب بعض برامج الوجبات المصممة طبياً إحالة من أحد مقدمي الرعاية الصحية لبدء إجراءات الحصول عليها. وإذا كنت تعاني من حالة صحية مؤهلة، فقد يتمكن طبيبك -أو منسق الرعاية الخاص بك- من إرسال إحالة مباشرة إلى إحدى الجهات المحلية.

تحقق من خطة التأمين الصحي الخاصة بك: توفر بعض خطط التأمين الخاصة مزايا تتعلق بتوصيل الوجبات الصحية.

ابحث عن البرامج المحلية: للعثور على الخدمات المتاحة في منطقتك.

استفد من الوصفات والنصائح الغذائية المتاحة عبر الإنترنت: غالباً ما تشكل المؤسسات التي تقدم الوجبات، أو البقالة المصممة طبياً، مصادر مفيدة للحصول على نصائح بشأن إعداد الطعام الصحي، وطهيه. وتقدم مؤسسة «مشروع أنجل فود»، في لوس أنجليس، وصفات صحية، بينما يعرض «بنك الطعام في شيكاغو الكبرى» مقاطع فيديو، ووصفات للطهي تتضمن معلومات غذائية.

• رسالة هارفارد الصحية خدمات «تريبيون ميديا»


بعد عمر الـ65... هل من الضروري إنقاص وزن الجسم أو محيط الخصر؟

بعد عمر الـ65... هل من الضروري إنقاص وزن الجسم أو محيط الخصر؟
TT

بعد عمر الـ65... هل من الضروري إنقاص وزن الجسم أو محيط الخصر؟

بعد عمر الـ65... هل من الضروري إنقاص وزن الجسم أو محيط الخصر؟

ربما قد يستغرب البعض أن زيادة الوزن «قليلاً» في عموم الجسم لدى كبار السن قد تكون شيئاً إيجابياً لهم في حماية صحتهم، وإطالة أعمارهم.

ويُطلق الباحثون الطبيون على هذه الظاهرة اسم «مفارقة السمنة»، لأن الوزن الزائد عادةً ما يكون ضاراً للشباب، ولكنه قد يكون مفيداً لكبار السن. أما لماذا يُفيد الوزن الزائد «قليلاً» كبار السن، فإن لذلك عدة مبررات تطرحها الأوساط الطبية. وأهمها أن الإشكالية الصحية ليست في زيادة عدد كيلوغرامات الجسم، بل في كيفية توزيع الشحوم في أجزاء الجسم المختلفة، وتحديداً زيادة محيط الخصر، ووجود سمنة البطن.

الوزن الزائد لدى المسنين

وضمن عدد 19 أغسطس (آب) الماضي من مجلة «الجمعية الأميركية لطب الشيخوخة»، نشر باحثون من جامعة رود آيلاند بالولايات المتحدة الأميركية دراستهم الإكلينيكية بعنوان: «مؤشر كتلة الجسم المتغير مع الزمن، ومحيط الخصر، ومعدل الوفيات لأي سبب لدى البالغين الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر». وفحصت هذه الدراسة العلاقة بين فئة مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر WC بشكل مستقل، ومجتمع، من جهة، وبين خطر الوفاة لأي سبب لدى البالغين الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر ≥ 65 عاماً من جهة أخرى.

واستخدمت الدراسة بيانات طولية لمدة 14 عاماً (2011-2024) من نحو 7 آلاف مشارك في الدراسة الوطنية لاتجاهات الصحة، والشيخوخة. وذكرت في نتائجها أنه مقارنةً بالوزن الطبيعي، فإن الرجال الذين يعانون من زيادة الوزن، والرجال المصابين بالسمنة (مؤشر كتلة الجسم من 30 إلى أقل من 40 كلغم/م²) لديهم خطر وفاةٍ أقل بنسبة 46 في المائة، و51 في المائة على التوالي، مقارنةً بأصحاب الوزن الطبيعي. ومع ذلك، ارتبط كبر محيط الخصر بزيادةٍ في معدل الوفيات بنسبة 24 في المائة لدى الرجال، مع ملاحظة أنماطٍ مماثلةٍ لدى النساء. بينما ارتبط نقص الوزن (بغض النظر عن مقدار محيط الخصر)، وكذلك الوزن الطبيعي مع زيادة محيط خصر (سمنة البطن)، بارتفاع خطر الوفاة لدى كلا الجنسين.

مؤشرات القياس

• مؤشر كتلة الجسم. وتستخدم الأوساط الطبية مؤشر كتلة الجسم كمقياس يعتمد على وزن الشخص بالنسبة لطوله. وذلك لتصنيف الأشخاص إلى ذوي:

-وزن منخفض Underweight، عندما يكون أقل من20 كلغم/م².

-وزن طبيعي Normal Weight، بين 20 إلى 25 كلغم/م².

-زيادة الوزن Overweight، فيما بين 25 إلى 30 كلغم/م².

-سمنة Obesity، أكثر من 30 كلغم/م².

ومعادلة حساب مؤشر كتلة الجسم هي: ناتج قسمة الوزن بالكيلوغرامات على مربع الطول بالمتر.

• محيط الخصر. وهو المسافة حول منتصف الجسم. والخصر هو جزء البطن الواقع بين القفص الصدري والوركين، ويمثل أضيق جزء في جذع الجسم. ويساعد هذا القياس في تحديد مدى تعرض الشخص لمشكلات صحية مهمة، مثل أمراض القلب والسكري نتيجة تراكم الشحوم في البطن. والهدف الصحي هو الحفاظ على مقدار محيط الخصر بما هو أقل من نصف الطول.

وقياس محيط الخصر يتم بتحديد كل من: أعلى عظمة الورك وأسفل الأضلاع على الجانب. ثم يُوضع شريط القياس في منتصف المسافة بين هاتين النقطتين، عادةً عند سرة البطن. وللرجال: مقاس أقل من 94سم يعني خطراً منخفضاً. مقاس أكثر من 102سم يعني خطراً أعلى. وللنساء: مقاس أقل من 80سم يعني خطراً منخفضاً. مقاس أكثر من 88سم يعني خطراً أعلى.

وتُبرز هذه النتائج للدراسة الأميركية الجديدة تلك العلاقة السلبية بين السمنة المركزية ومحدودية الاعتماد فقط على مؤشر كتلة الجسم في تحديد مستوى خطر الوفاة لدى كبار السن.

وقال الباحثون في ملخص نتائجهم: «تُقدّم نتائجنا أدلة تتوافق مع التوصيات الحديثة التي تدعو إلى دمج مقاييس السمنة المركزية (مثل محيط الخصر) إلى جانب مؤشر كتلة الجسم عند تقييم المخاطر الصحية لدى كبار السن».

وأوضح الباحثون في مقدمة عرضهم للدراسة أن وباء السمنة يُعدّ مصدر قلق بالغ للصحة العامة، إذ تُعتبر زيادة الشحوم في الجسم عامل خطر مؤكد لأمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض السكري من النوع الثاني، وغيرها من الأمراض المزمنة المرتبطة بالوفيات. وعادة ما يُستخدم مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر على نطاق واسع كمقياسين «أنثروبومتريين» لتقدير إجمالي الشحوم في الجسم، وشحوم منطقة البطن، على التوالي. ورغم بساطة مؤشر كتلة الجسم وانتشار استخدامه إكلينيكياً، فإنّه لا يُميّز بين كتلة الشحوم وكتلة العضلات، كما أنه لا يُراعي توزيع الشحوم في مناطق الجسم المختلفة. ولكن في المقابل، يعكس قياس محيط الخصر مدى توافر شحوم البطن، والتي ثبت ارتباطها الوثيق بمخاطر أمراض القلب والأيض أكثر من ارتباط مؤشر كتلة الجسم وحده.

«مفارقة السمنة»

وقال الباحثون: «خضعت العلاقة بين مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر والوفيات لأي سبب لدراسات إكلينيكية مستفيضة. وقد أفادت العديد من الدراسات والتحليلات العلمية بأن كلاً من زيادة الوزن والسمنة من الدرجة الأولى ترتبطان بانخفاض خطر الوفاة لدى كبار السن. ولا تزال هذه العلاقة العكسية، التي يُشار إليها غالباً باسم «مفارقة السمنة Obesity Paradox»، موضع نقاش حول أسبابها الكامنة، وتفسيرها. وتشمل التفسيرات المقترحة التغيرات المرتبطة بالعمر في تكوين الجسم، بما في ذلك ضمور العضلات، وإعادة توزيع الأنسجة الدهنية نحو الأحشاء، في البطن، بما يُضعف العلاقة بين مؤشر كتلة الجسم والأمراض المرتبطة بالسمنة».

وعلى النقيض من مؤشر كتلة الجسم، ارتبط محيط الخصر باستمرار بزيادة خطر الوفاة بغض النظر عن مؤشر كتلة الجسم. وأن ارتفاع مقدار محيط الخصر يرتبط بزيادة خطر الوفاة. وأن السمنة المركزية مرتبطة بزيادة معدل الوفيات لأي سبب، بما في ذلك الوفيات القلبية الوعائية، عبر مختلف فئات مؤشر كتلة الجسم. وتشير هذه النتائج إلى أن مؤشر كتلة الجسم وحده، دون قياس محيط الخصر، قد لا يكون كافياً لتحديد خطر الوفاة، لا سيما لدى كبار السن.

وقال الباحثون: «وقد أكدت التوجيهات الحديثة للخبراء الطبيين على ضرورة عدم استخدام مؤشر كتلة الجسم بمعزل عن غيره عند تقييم المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة. وتوصي لجنة (لانسيت) المعنية بالسمنة الإكلينيكية بإطار عمل متعدد المقاييس يدمج مؤشر كتلة الجسم إلى جانب مقاييس السمنة المركزية، أو مؤشرات أخرى على زيادة الأنسجة الشحمية. ويتوافق هذا الموقف مع بيان التوافق الدولي الذي يقترح اعتبار محيط الخصر علامة حيوية في الممارسة الإكلينيكية نظراً لارتباطه المستقل بالمرض، والوفاة. وتؤكد هذه التوصيات مجتمعة على أهمية تقييم كل من السمنة العامة والسمنة المركزية عند تقييم المخاطر الصحية».

وتشير بعض الدراسات الإكلينيكية إلى أن الوزن الزائد، وليس زيادة محيط الخصر، قد يُفيد بعض الأشخاص الذين يعانون من حالات صحية، مثل السرطان. كما تُوفر الشحوم الزائدة مخزوناً احتياطياً للطاقة. وفي حال الإصابة بمرض خطير، كالالتهاب الرئوي، أو السرطان، يُمكن للجسم استخدام هذه الطاقة لمكافحة المرض، والشفاء. وتُظهر الدراسات أن كبار السن الذين يعانون من زيادة الوزن يتعافون من العمليات الجراحية الكبرى، ويقضون فترات أقل في المستشفى مقارنةً بكبار السن النحيفين. وأيضاً يُساهم حمل وزن زائد قليلاً في بناء عظام أقوى. وفي حال السقوط، تعمل الشحوم الزائدة كوسادة لحماية كبير السن من كسر الورك، أو غيره. وللتوضيح، الشحوم المنتشرة في الوركين والفخذين والذراعين تُعدّ وقائية.

وبالمقابل، غالباً ما يرتبط فقدان الوزن المُتعمد لدى كبار السن بفقدان كتلة العضلات أيضاً. والحفاظ على وزن ثابت يساعد على الحفاظ على قوة العضلات وكتلتها لدى كبار السن.

كبار السن «الأسمن» يتعافون أسرع من العمليات الجراحية كما تعمل الشحوم الزائدة في حال السقوط كوسادة للحماية

كبار السن وتقدير الطبيب

مدى ضرورة إنقاص الوزن تلاحظ الدكتورة كولين كريستماس، اختصاصية طب الشيخوخة في قسم طب الشيخوخة وعلم الشيخوخة بجامعة جونز هوبكنز، أن بعض مرضاها من كبار السن يلتمسون نصيحتها بشأن إنقاص الوزن، لأنهم يشعرون بأن الوزن الزائد يؤثر سلباً على مظهرهم. وتقول إنها تسعى جاهدةً لتوفير منظورٍ شاملٍ حول تأثير الوزن الصحي على الصحة العامة، وتشجعهم على التخلي عن الأهداف غير الواقعية التي تروج لها وسائل الإعلام. وتضيف: «إن الوصمة المرتبطة بالوزن أمرٌ فظيع»، وأن تعريفها بمؤشر كتلة الجسم لا يُسهم في حل المشكلة.

وتوضح الدكتورة كولين كريستماس النقاط التالية:

-غالباً ما يكون مؤشر كتلة الجسم أقل دقةً لدى البالغين فوق سن 65 عاماً، لأنه لا يعكس التغيرات المرتبطة بالعمر في كتلة العضلات، والدهون.

-قد يؤدي «ضمور العضلات المرتبط بالعمر» Sarcopenia إلى التضليل بشأن مؤشر كتلة الجسم «الطبيعي»، وزيادة المخاطر الصحية.

-يُعد الحفاظ على كتلة العضلات من خلال تمارين القوة والتغذية السليمة واستراتيجيات الوقاية من السقوط أكثر أهمية من التركيز على الوزن وحده.

-يجب أن تكون النصيحة بفقدان الوزن بعد سن 65 عاماً ذات طابع فردي لكل شخص على حدة وفق حالته الصحية، وليس لعموم كبار السن. مع التركيز على الوظائف الحيوية، والحالة الصحية، والنوم، وتغييرات نمط الحياة الآمنة، بدلاً من التركيز على المظهر، أو في أي فئات مؤشر كتلة الجسم يقع الشخص.

وضمن مقالة علمية للأطباء من كلية الطب بجامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة، طرح الباحثون السؤال التالي: هل يُعدّ فقدان الوزن آمناً بعد سن 65؟ وأجابوا: «قد يكون كذلك إذا تعاونتَ مع طبيبك».

وأوضحت الدكتورة كريستماس ذلك بأنها تحرص على معرفة سبب رغبة مريضها في إنقاص وزنه، وتناقش معه الأهداف الواقعية، والمخاطر المحتملة قبل وصف أيّ حمية غذائية، أو تغييرات. وقالت: «علينا التركيز على مساعدة الناس على تحسين صحتهم، وزيادة قدرتهم على الحركة». وأضافت قائلة: «فعلى سبيل المثال، بينما أُراقب وزن المريض، وتوجهاته، فإنّ حالته الوظيفية هي الأهم. أسأله عمّا إذا كان يعتقد أنّ وزنه يُؤثّر سلباً على صحته بأيّ شكل من الأشكال، أو ما إذا كان يشعر بتحسّن في ركبتيه عندما كان وزنه أقل. وإذا اقترحتُ خطة لإنقاص الوزن، فذلك لمعالجة مشكلة صحية مُشخّصة قد تكون السمنة أحد عواملها، مثل انقطاع النفس النومي، أو التهاب مفاصل الركبة، أو داء السكري، أو ارتفاع ضغط الدم».

وتقول الدكتورة كريستماس: «إذا كان المريض مُعرّضاً لخطر فقدان الوزن بسبب إحدى هذه الحالات، فإنها تُطبّق خطة إنقاص الوزن بما يُناسب كل فرد على حدة». وتضيف: «إن إعطاء دواء لإنقاص الوزن لشخص فقد كتلة عضلية بسبب التقدم في السن قد يكون خطيراً للغاية. فالحمية الغذائية واستخدام أدوية إنقاص الوزن يؤديان إلى فقدان كل من كتلة العضلات، والعظام. ومن دون ممارسة الرياضة لن تفيد هذه الأدوية الشخص على المدى الطويل، بل من المرجح أن يستعيد الوزن المفقود».

وتضيف الدكتورة كريستماس: «إذا كان المريض مصاباً بداء السكري، أو أمراض القلب، أو أي مرض آخر مرتبط بالوزن، فقد أستثني هذه الحالة، وأصف له أدوية إنقاص الوزن، ولكن دائماً بالتزامن مع تغيير سلوكيات نمط الحياة».


العوامل النفسية تحدّد مدى استعداد الأم لرعاية المواليد الجدد

العوامل النفسية تحدّد مدى استعداد الأم لرعاية المواليد الجدد
TT

العوامل النفسية تحدّد مدى استعداد الأم لرعاية المواليد الجدد

العوامل النفسية تحدّد مدى استعداد الأم لرعاية المواليد الجدد

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة فروتسواف Wroclaw Medical University في بولندا، ونُشرت للمرة الأولى في مجلة الطب السريري the Journal of Clinical Medicine في النصف الأول من شهر يونيو (حزيران) من العام الحالي، أن العوامل النفسية وخاصة مستويات القلق والقدرة على التعامل مع المشاعر الصعبة تلعب دوراً مهماً جداً في استعداد الأم للعناية بمولودها.

استعداد الأم لرعاية الرضيع

من المعروف أن الأيام الأولى بعد الولادة تُعدّ فترة مهمة جداً يحدث فيها تغييرات عدّة، لا على المستوى الجسدي فقط، ولكن أيضاً على المستويين النفسي والعاطفي. والحقيقة، أن استعداد الأم للعناية بطفلها حديث الولادة يختلف اختلافاً كبيراً بين سيدة وأخرى، تبعاً لقدرتها على تحمل الألم العضوي بعد الولادة وتنظيم مشاعرها المتضاربة بين الفرح والخوف والألم والشعور بالمسؤولية، وفي بعض الأحيان الحزن والاكتئاب.

شملت الدراسة 200 امرأة مكثن في مستشفى فروتسواف الجامعي لمدة تتراوح بين 48 و72 ساعة في جناح الولادة الذي يعمل بنظام الإقامة المشتركة للأم والطفل في الغرفة نفسها. وجُمعت البيانات بين ديسمبر (كانون الأول) 2020 وأبريل (نيسان) 2021 خلال جائحة «كوفيد - 19». ونظراً للقيود المفروضة بسبب الجائحة؛ فُرض حظر كامل على الزيارات طوال فترة الدراسة.

قيَّم الباحثون استعداد الأم لرعاية رضيعها في اليوم الثاني بعد الولادة، (تبعاً للتقييم الذاتي للأمهات) من خلال ثلاثة مقاييس، الأول الاستعداد للرعاية أثناء ساعات النهار، والثاني الاستعداد للرعاية أثناء ساعات الليل، بالإضافة إلى الاستعداد للرضاعة الطبيعية.

تم إعطاء درجة لكل إجابة بحيث سجلت الدرجة 0 على أنها (انعدام الاستعداد) والدرجات من 1 إلى 3 على أنها (استعداد منخفض) ومن 4 إلى 6 على أنها (استعداد متوسط)، ومن 7 إلى 9 على أنها (استعداد عالٍ) و10 على أنها (استعداد كامل).

وبعد ذلك، حلَّل الباحثون بيانات عن الحالة النفسية للأمهات والإحساس بالقلق والاكتئاب، وهل يتمتعن بالدعم الاجتماعي والنفسي من عدمه، وأيضاً تمت معرفة مستوى الإحساس بالألم العضوي لكل أم، وبيانات تفصيلية عن عملية الولادة شملت الطريقة التي تمت بها عملية الولادة ومدتها ومدى صعوبتها، وكذلك تم جمع بيانات عن مستويات الهيموغلوبين والعلامات الحيوية المختلفة.

وأظهرت النتائج أن الاستعداد لرعاية المولود الجديد ليس مجرد نتيجة للصحة البدنية الجيدة أو الخبرة السابقة في الأمومة، بل هو انعكاس لحالة الأم النفسية والعاطفية التي تمكّنها من رعاية طفلها بمفردها من دون عبء نفسي يمكن أن يؤثر بالسلب عليها.

المرونة النفسية للأم

أوضحت الدراسة أن النساء اللاتي عانين مستويات أعلى من القلق في اليوم الثاني بعد الولادة، قيَّمن أنفسهن بأنهن أقل استعداداً بشكل ملحوظ لرعاية مولودهن الجديد بشكل مستقل وللرضاعة الطبيعية. كما كانت المرونة النفسية (تم تعريفها على أنها القدرة على التصرف بفاعلية رغم الانزعاج الجسدي أو العاطفي) عاملاً مهماً للقدرة على العناية بالرضيع.

في المقابل، كان لألم ما بعد الولادة والانخفاض الطبيعي في مستويات الهيموغلوبين تأثير أقل بكثير على قدرة الأمهات على رعاية أطفالهن؛ ما يوضح أهمية العامل النفسي في فترة ما بعد الولادة.

وأكدت الدراسة أن الاستعداد للرضاعة الطبيعية لا يعني بالضرورة وجود الاستعداد النفسي لرعاية المولود الجديد، ويشير الباحثون إلى أن بعض النساء قد يكنّ متحمسات للغاية للرضاعة الطبيعية، في حين لا يزلن يشعرن بعدم الاستعداد لرعاية المولود الجديد على مدار الساعة؛ ولذلك يمكن الانتظار حتى تكون الأم مستعدة نفسياً لذلك.

أوضح الباحثون أن نتائج هذه الدراسة، يجب أن تلفت النظر إلى أهمية الرعاية النفسية للأم بعد الولادة ويجب أن يحدث تقييم سريع لتحديد النساء اللاتي يحتجن إلى دعم نفسي إضافي، خاصة خلال الأيام الأولى بعد الولادة عندما يكون التعب والإجهاد النفسي في ذروتهما ولعب عامل التوقيت دوراً مهماً في قدرة الأمهات على العناية بأطفالهن، حيث كانت المشاركات أكثر ميلاً للاستعداد للرعاية في ساعات النهار مقارنة بالاستعداد للرعاية في ساعات الليل؛ ما يشير إلى أن الليل قد يُمثل الفترة الأكثر إرهاقاً نفسياً والأكثر احتياجاً للدعم النفسي.

على الرغم من الفوائد الكثيرة لتوصيات منظمة الصحة العالمية بأفضلية بقاء الأم والرضيع في الغرفة نفسها، وضرورة وجود تواصل مستمر بين الأم والرضيع على مدار 24 ساعة منذ لحظة الولادة، لتعزيز الرضاعة الطبيعية ودعم الرابطة النفسية بين الأم والرضيع، لكن الأدلة التجريبية تشير إلى أن بعض النساء لا يمتلكن القدرة النفسية ولا البدنية لتحمل هذه المسؤولية، خاصة في حالات الإرهاق الشديد؛ ولذلك لا بد من عمل تقييم سريع لاستعداد الأمهات النفسي.

وأظهرت النتائج أن ألم ما بعد الولادة يُعدّ أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على استعداد الأم لرعاية طفلها بعد الولادة، وتتأثر شدته بعوامل نفسية واجتماعية، بما في ذلك نقص الدعم النفسي من الزوج. والمشكلة الحقيقية أن شدة الألم المتزايدة يمكن أن تؤدي إلى إصابة الأم باكتئاب ما بعد الولادة؛ ما يزيد من تدهور حالة الأم النفسية.ونصحت الدراسة بضرورة تفهّم أن كل امرأة تمر بتجربة فترة ما بعد الولادة بشكل مختلف، وبالتالي يختلف استعداد الأم لرعاية مولودها من أم لأخرى، بل يمكن أن يتغير من يوم لآخر. لذلك؛ يجب أن تظل رعاية ما بعد الولادة مرنة ومتجاوبة مع الاحتياجات الفردية لكل أم.

* استشاري طب الأطفال