إبراهيم عبد العزيز المهنا
TT

السعودية... قصة النهضة أكبر من البترول

استمع إلى المقالة

يخطئ كثيرٌ من السعوديين والعرب والأجانب، حيث يعتقدون أنَّ النموَّ الاقتصادي والتطورَ الحضري في المملكة بدآ مع اكتشاف البترول وتصديره.

هذا الافتراض بعيد عن الصحة، فقد بدأ النمو الاقتصادي قبل البترول بأكثر من 30 عاماً، بعد دخول الملك عبد العزيز الرياض عام 1902، وضمّ أغلب مناطق نجد والأحساء عام 1913، وبعد ذلك بقية المناطق، وأخيراً هزيمة المتمردين عام 1929.

وخلال فترة التوحيد والحروب التي استمرت نحو 27 عاماً، كان الملك يحارب ويبني ويطور ويؤسس لدولة راسخة. وأهم عوامل البناء والتطور عبر التاريخ، وفي كل المجتمعات، هي القضاء على الفراغ السياسي، والاستقرار، والسلام، والعدل، وحُسن الإدارة، والاعتماد على خبراء ومستشارين أكفاء، وهذا ما حرص الملك عبد العزيز على تحقيقه، وقد حققه فعلاً وبشكل صارم وواضح. فمع توفر عاملي الأمن والعدل تزدهر التجارة والزراعة، وحتى الصناعات البسيطة.

وإلى جانب الاستقرار والأمن، كانت للجانب الإداري أهمية خاصة، بما في ذلك إيجاد بنية استشارية من الكفاءات الوطنية والعربية والأجنبية.

وفي الجانب المالي والاقتصادي، أنشأ الملك عبد العزيز مديرية المالية، ثم وكالة المالية العامة، التي تحولت إلى وزارة المالية عام 1932، أي قبل اتفاقية إنتاج البترول، بحيث «تتولى مسؤولية تنظيم وحفظ أموال الدولة وجبايتها، وتأمين طرق وارداتها ومصروفاتها، وتعد المرجع العام لعموم الماليات في كل مناطق المملكة». كان لكل منطقة جهازها المالي الخاص، المسؤول عن جباية الزكاة، والإنفاق في المنطقة نفسها، حسب تعليمات الملك عبد العزيز.

وقبل ذلك، أُنشئت كلٌّ من وزارة الخارجية عام 1930، ووزارة الداخلية عام 1931، ونواة وزارة الدفاع عام 1929. كل هذه الوزارات الهادفة إلى تنظيم أعمال الدولة وإدارتها تمت قبل تدفق البترول وإيراداته المالية.

كما اهتم الملك عبد العزيز بتوفير العناية الصحية، من خلال جلب الأطباء الأجانب المميزين، ولم يحُل دون ذلك أنَّهم كانوا غير مسلمين، وذلك من أجل المساعدة في القضاء على الأمراض المستوطنة، وإيقاف موجات الأمراض الوافدة، مثل الجدري والكوليرا، والتي كانت تفتك بسكان القرى فتكاً كبيراً. كما اهتم بالتعليم الحديث والبعثات الخارجية، وكذلك بالاتصالات الحديثة مثل اللاسلكي، الذي واجه معارضة كبيرة من قبل بعض المتشددين. كما بدأت البعثات العلمية في مجالات مثل الطب والهندسة في عام 1929، إلى مصر، وسوريا، وأوروبا.

أمَّا الاهتمام الاقتصادي الكبير لدى الملك عبد العزيز، قبل البترول، فكان بالمياه والزراعة والتي قادت لاحقاً إلى البترول، فهو يدرك أن مشكلة الجزيرة العربية، خصوصاً نجد، هي المياه، حيث لا توجد أنهار، والأمطار موسمية تزداد عاماً وتنخفض أعواماً أخرى، وكانت هي المشكلة الكبرى للقرى النجدية، والتي تؤدي إلى موجات من الجوع والهجرات. كما أن توفر المياه له أهمية كبرى لمشروع الملك المهم، وهو توطين البادية في هِجر (قرى)، وتحويلهم من الترحال والصراعات إلى الاستقرار والزراعة.

وفي عام 1930، دعا الملك عبد العزيز رجل الأعمال الأميركي، تشارلز كرين، لزيارة المملكة من أجل البحث عن الماء والمعادن، خصوصاً الذهب، حيث يوجد في بعض المواقع بجبال الحجاز منذ آلاف السنين، وبدوره رتب كرين زيارة المهندس الجيولوجي الأميركي كارل توتشيل؛ للبحث عن الماء والمعادن، وقد حقق بعض النجاح في كليهما (منجم مهد الذهب).

وفي هذه الأثناء، كانت المفاوضات جارية لإعطاء امتياز التنقيب عن البترول، خصوصاً مع الشركات البريطانية، التي كانت مترددة لأسباب عدة.

وفي عام 1933، أقرّ الملك عبد العزيز اتفاقية الامتياز مع شركة «سوكال» الأميركية، من أجل التنقيب واستخراج البترول في مساحة محددة شرق المملكة، ومن الجدير بالذكر أن الملك لم يقر تلك الاتفاقية إلا بعد قراءة نصوصها فقرةً فقرةً على مستشاريه ومساعديه، وأخذ موافقتهم.

ومن شروط الاتفاقية دفع مقدم مالي، وإيجار ريع سنوي، مع استخدام العمالة السعودية، كما تم إلحاق شرط آخر فيما بعد، وهو إنشاء مصفاة لتكرير البترول لتزويد السوق المحلية بالجازولين والكيروسين بدلاً من استيرادهما.

وحتى بعد اكتشاف البترول، وقبل بداية إنتاجه وتصديره بثلاث سنوات، استمر التركيز على الزراعة وتطويرها. ففي عام 1935، وباهتمام خاص من الملك، بدأ مشروع السهباء في الخرج، المنطقة الغنية بعيون الماء، وكان نواة لمشاريع زراعية متميزة، لدرجة أن الخرج أصبحت منطقة جذب للعمالة والتجار والمستثمرين من مختلف مناطق المملكة.

واستمرت مختلف مشاريع التنمية في المملكة حتى مع الحرب العالمية الثانية، التي أوقفت إنتاج وتصدير البترول السعودي.

ومن الطريف أن إحدى الطائرات الحربية الإيطالية وهي إحدى دول «المحور»، قامت بضرب المنشآت البترولية في الظهران، اعتقاداً بأنها منشأة بترولية في البحرين التي تزود «الحلفاء» بالمشتقات البترولية، مما أسهم في توقف الإنتاج البترولي السعودي وتصديره، وقد اعتذر زعيم إيطاليا موسوليني للملك عبد العزيز عن هذا الخطأ.

وبعد انتهاء الحرب، بدأ إنتاج المملكة من البترول في الارتفاع، خصوصاً مع تعمير أوروبا التي كانت في حاجة ملحة للبترول، ولذا دعم الملك عبد العزيز إنشاء خط التابلاين، الذي يمتد من القيصومة في المنطقة الشرقية إلى صيدا في لبنان، والذي بدأ العمل فعلياً في عام 1950 (كان من المخطط أن ينتهي في حيفا، بفلسطين، ولكن بسبب إنشاء إسرائيل تحول إلى لبنان).

وبعد الحرب، ارتفع إنتاج المملكة وصادراتها تدريجياً لتنامي الطلب العالمي، والإمكانات البترولية المتوفرة في المملكة. كما ارتفع دخل المملكة سنةً بعد أخرى، إلا أن الأهم من ذلك هو إنفاق زيادة الدخل في المشاريع التنموية المختلفة مثل التعليم، والصحة، والاتصالات، والمواصلات، وتنمية المجتمع بشكل عام.

وقد استمر نمو الاقتصاد والتطور سنةً بعد أخرى، وعقداً تلو الآخر، بوتيرة متناغمة. علماً بأن المملكة، منذ وفاة الملك عبد العزيز إلى الآن، قادها ستة ملوك، دون أن يتغير النهج أو الاستمرارية، بل واصل كلُّ ملكٍ إضافةَ لبناتٍ جديدة وخلاقة، وذلك بخلاف كثير من الدول، حيث يتغير الطريق مع تغير القائد.

كما استمر التطور الوطني والنمو الاقتصادي على الرغم من حدوث هزات عدة في السوق البترولية، لعلَّ من أهمها:

1- خفض أسعار البترول عالمياً، وخفض إنتاج المملكة من قبل الشركات العالمية (الأخوات السبع) في أواخر الخمسينات، وقد بدأت فكرة تقليل اعتماد المملكة على البترول بإنشاء «بترومين» للاستثمار في قطاعات أخرى مثل التعدين، والبتروكيماويات، والخدمات البترولية وغيرها، وأن تكون لدى الرياض شركة بترول مستقلة تملكها الدولة.

2- انهيار الأسعار والإنتاج السعودي في النصف الأول من الثمانينات؛ فالإنتاج انخفض من أكثر من 10 ملايين برميل يومياً إلى أقل من 3 ملايين، والأسعار من 45 دولاراً للبرميل إلى أقل من 10 دولارات.

3- انهيار الأسعار في 1997 - 1999 بعد فشل اجتماع جاكرتا.

4- الانهيار الكبير في الأسعار عام 2008 مع الأزمة الاقتصادية العالمية، من 147 دولاراً في منتصف السنة إلى أقل من 30 دولاراً.

5- انهيار الأسعار بين عامي 2014 - 2016 لأسباب عدة.

6- أزمة «كورونا» في عام 2020، حيث انهار الطلب والأسعار والتعاون بين الدول المنتجة.

جميع هذه الهزات أثرت على الاقتصاد السعودي، ولكن بشكل محدود، ولفترة قصيرة، حيث تم التعافي منها خلال سنة أو سنتين، ولم تؤثر سلباً على مسار الاقتصاد السعودي، وذلك بخلاف بعض الدول الأخرى المنتجة للبترول.

ما الذي يحدث الآن، خصوصاً مع «رؤية 2030»؟ هو تطور واضح في السياسة الاقتصادية، بما فيها الجوانب البترولية، لعل من أهمها تخصيص شركة «أرامكو السعودية»، والعمل على تقليل الاعتماد على البترول في دخل الحكومة والاقتصاد المحلي وميزان المدفوعات. كما تشمل التوسع في استخدام المصادر المتجددة للطاقة، خصوصاً الطاقة الشمسية، وكذلك استغلال الثروات من الغاز الطبيعي. ومن المتوقع بحلول عام 2030 أن يتم التوقف عن حرق البترول ومنتجاته في توليد الكهرباء، واستخدام الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي.

ولعلَّ من أهم ما يميز المملكة في سياستها الاقتصادية والبترولية، الطموحاتُ المستمرة والمتزايدة، وإضافة لبنة بعد أخرى لتوسعة الاقتصاد السعودي.

خلاصة القول إن الاعتقاد بأنَّ البترول هو البداية والمصدر الوحيد للنهضة والقوة زعمٌ ضعيف. فقصة النهضة منذ بدايتها مع الملك عبد العزيز أكبر وأهم من ذلك. إنها الرؤية، والاستقرار، ومعرفة الطريق، والعدل، والتعليم، والعمل الدؤوب لاستمرار التطور، فالبترول والثروات الطبيعية لا تصنع وحدها التقدم لبلد دون وجود إدارة حكيمة.