3 طرق لتحويل التفكير المفرط إلى عادات إيجابية

بدلاً من سؤال: «ماذا لو فشلت؟» يمكنك سؤال نفسك: «ماذا سأفعل حينها؟» لتفادي التفكير المفرط (بيكساباي)
بدلاً من سؤال: «ماذا لو فشلت؟» يمكنك سؤال نفسك: «ماذا سأفعل حينها؟» لتفادي التفكير المفرط (بيكساباي)
TT

3 طرق لتحويل التفكير المفرط إلى عادات إيجابية

بدلاً من سؤال: «ماذا لو فشلت؟» يمكنك سؤال نفسك: «ماذا سأفعل حينها؟» لتفادي التفكير المفرط (بيكساباي)
بدلاً من سؤال: «ماذا لو فشلت؟» يمكنك سؤال نفسك: «ماذا سأفعل حينها؟» لتفادي التفكير المفرط (بيكساباي)

يُعرف التفكير المفرط بأنه نمط ذهني يقوم على تكرار استحضار أحداث الماضي أو الإفراط في توقُّع سيناريوهات المستقبل، في عملية تحليل مستمرة لا تتوقف حتى بعد زوال السبب المباشر للقلق.

ويرى مختصون أن هذا السلوك يرتبط بجهاز عصبي يظل في حالة قلق، بحثاً عن اليقين، ما يدفع العقل إلى إعادة التجربة ذاتها مراراً، وكأن جولة إضافية من التفكير قد تُفضي إلى حل نهائي.

ويشير الخبراء إلى أن هذا النمط غالباً ما تغذِّيه مشاعر داخلية بعدم الاكتمال أو بقاء أمور عالقة دون حسم. وفي مواجهة مشاعر غامضة أو غير مريحة، يلجأ البعض إلى التفكير المفرط بوصفه خياراً أقل تهديداً من التعامل المباشر مع تلك المشاعر، غير أن ما يبدأ كآلية لحماية الذات قد يتحول تدريجياً إلى وسيلة غير فعَّالة للتكيُّف.

وتُظهر دراسات نفسية أن الأفراد الذين نشأوا في بيئات لا تحتمل الخطأ أو يسودها القلق من المجهول، يطوِّرون ميلاً مبكراً للاستعداد الذهني لكل الاحتمالات. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحالة من الحذر إلى يقظة دائمة، وتجعل العقل يبحث عن المخاطر حتى في غيابها، لتغدو الآلية الوقائية التي خدمتهم في الطفولة سبباً لاجترار الأفكار في مرحلة البلوغ.

ويرى مختصون أن إدراك الجذور النفسية للتفكير المفرط، ولا سيما ارتباطها بتجارب الطفولة، قد يُسهم في تخفيف الشعور بالذنب أو لوم الذات. فالعقل -وفق هذا الفهم- لا يعاني خللاً بقدر ما يعمل بأقصى طاقته، ما يفتح المجال أمام توجيهه وتنظيمه بدلاً من مقاومته.

1- حوِّل التفكير المفرط إلى تنظيم

عندما يشعر المرء بأن أفكاره عالقة في حلقة مفرغة، فإن أسرع طريقة للتخلص من هذا الشعور هي إخراجها إلى حيز الواقع. وعلى سبيل المثال، يمكنه تخيُّل انتزاع هذه الأفكار من رأسه، حرفياً، ووضعها في مكان يراها. يكفي تدوينها أو تقسيمها إلى أسئلة بسيطة -مثل: «ما الذي أحاول فهمه حقاً؟» أو: «ما الخطوة الصغيرة التي يمكنني اتخاذها؟»- لتوضيح الأمور.

يُعدُّ هذا التمرين البسيط مثالاً على «فك الارتباط المعرفي»، وهي ظاهرة تحدث عندما يبتعد المرء عن أفكاره مسافة كافية تمكنه من استقبال المعلومات التي تحاول الوصول، بدلاً من اعتبارها أوامر يجب اتباعها، حسبما أفاد تقرير لموقع «سيكولوجي توداي».

وقد وجدت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين كانوا أكثر قدرة على الابتعاد عن أفكارهم (بوصفها أحداثاً ذهنية وليست حقائق مطلقة) كانوا أكثر كفاءة بشكل ملحوظ في استخدام ذاكرتهم وبصيرتهم ووعيهم الذاتي لحل المشكلات.

في الأساس، كان التفكيك المعرفي بمثابة أداة حوَّلت الضوضاء العقلية غير المتماسكة إلى وضوح قابل للتنفيذ.

2- واجه التفكير المفرط بـ«ماذا لو؟»

أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الأسئلة والمواقف الافتراضية تستحوذ على تفكيرنا باستمرار، هو أن الأمور العالقة تغذي شكوكنا الذاتية. وأفضل طريقة لوقف هذه الدوامة هي حسم الأمور نهائياً.

على سبيل المثال: بدلاً من تكرار سؤال: «ماذا لو فشلت؟» مراراً وتكراراً، يمكنك مقاطعة هذا النمط بسؤال نفسك: «ماذا سأفعل حينها؟». وحسب الموقع، فإن هذا التغيير البسيط ظاهرياً قد يكسر حلقة التفكير في أسوأ السيناريوهات. ذلك لأن هذا التغيير لا يسمح لك فقط بتجربة الخوف؛ بل بتجاوزه أيضاً.

بإخراج نفسك من هذه الحلقة، تمنح عقلك حرية البحث عن إجابات، بدلاً من التركيز على التهديدات المتزايدة الخطورة.

باختصار، هذا التحول يحوِّل مسار تفكيرك من القلق إلى الهدوء والتأمل.

وخلصت دراسة أجريت عام 2023 إلى أنه عندما يواجه الناس حالة من عدم اليقين، فإن لحظة «الحسم النهائي» لا ترتبط بالضرورة بالتوصل إلى حل واضح تماماً. ويعزو البحث هذه اللحظة من الحسم المفاجئ إلى خيار معرفي يقوم به الفرد بالتوقف عن التفكير المطول.

لذا، فإن سؤال «ماذا بعد؟» يمنح العقل مخرجاً من حسابات التكلفة والفائدة: هل سيكون التفكير الإضافي مفيداً حقاً، أم أنه سيستنزف أكثر مما سيفيد؟

يدفع الجهد الذهني المصاحب للقرارات المصيرية الفرد إلى وضع حد حاسم لدائرة الاجترار، والمضي قدماً رغم حالة عدم اليقين.

3- توجيه التفكير المفرط نحو الاستشراف

يُعدُّ التفكير المفرط ضاراً عندما يدور حول الخوف نفسه، ولكنه يكون بالقدر نفسه من القوة عندما يتجه نحو المستقبل. وتُظهر البحوث في مجال الإدراك أن العقل مُهيأ لمحاكاة الاحتمالات المستقبلية؛ وهذا ما يُعرف بـ«التفكير الاستباقي» أو الاستشراف.

بمعنى آخر: نلاحظ الإشارات المفاجئة، ونتخيل ما قد يحدث، ونخطط بناءً عليها، ونتخذ خطوة تحضيرية صغيرة، ثم نستخدم هذا التحضير عند حدوث الموقف.

خير مثال على ذلك هو الموقف الشائع جداً: الخروج من المنزل ورؤية غيوم ممطرة، وتخيل المطر الوشيك، والعودة غريزياً إلى الداخل لأخذ مظلة.

عندما تتخيل عقولنا سيناريوهات مختلفة، فإنها في الأساس تلتزم بفطرتها. وبناءً على ذلك، يصبح السؤال: هل هذه المحاكاة تؤدي إلى نتيجة مفيدة؟ إن لم تكن كذلك، فقد حان الوقت لأخذ زمام المبادرة. يكفي إجراء فحص ذاتي بسيط، كأن تسأل نفسك: «هل يساعدني هذا التمرين الذهني على الاستعداد؟ أم أنني أعاقب نفسي؟» للتأكد من أن السيناريو يقود إلى حل مفيد، لا إلى مزيد من الخوف غير المجدي.

ويكمن الفرق بين التفكير المفرط الضار والتفكير المفيد في النية. فإذا كانت أفكارك تهدف إلى السيطرة، فستخلق فوضى، أما إذا كانت تهدف إلى الفهم، فستخلق وضوحاً. الأشخاص الذين يستخدمون تفكيرهم المفرط بشكل بنَّاء قادرون على تمييز الإشارات من الضوضاء، وبالتالي، يستجيبون لعقولهم بتعاطف، لا بعدوانية.


مقالات ذات صلة

دراسة: قضاء وقت طويل أمام الشاشات قد يضر الأطفال أكثر من الفقر

صحتك زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات ارتبطت بانخفاض التحصيل الدراسي العام وصعوبات في تكوين صداقات (رويترز)

دراسة: قضاء وقت طويل أمام الشاشات قد يضر الأطفال أكثر من الفقر

كشفت دراسة جديدة عن أن قضاء الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات قد يلحق أضراراً بهم تفوق تلك الناجمة عن الولادة في ظل ظروف الفقر.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق عادات شائعة قد تبدو «بريئة» في تعامل الأجداد مع أحفادهم لكنها قد تكون مؤذية (بكسلز)

تبدو بريئة وبدافع الحب... 5 عادات شائعة يفعلها الأجداد تضر بالأحفاد

يحتل الأجداد مكانة خاصة في حياة الأطفال، لكن بعض التصرفات التي تبدو عفوية قد تترك أثراً غير مقصود في نفسية الطفل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يتجه طب الرئة التداخلي إلى مرحلة جديدة من التطور مدفوعاً بالتقدم المتسارع في التقنيات الطبية (الشرق الأوسط)

روبوتات وذكاء اصطناعي وعلاجات استئصالية تعيد رسم مستقبل طب الرئة التداخلي

يتجّه طب الرئة التداخلي إلى مرحلة جديدة من التطور، مدفوعاً بالتقدم المتسارع في التقنيات الطبية، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب العلاجات الاستئصالية.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
لماذا قد تستمر صعوبات التأقلم لأشهر؟ (بيكسلز)

حتى التغييرات السعيدة قد تؤلم... خبراء يفسرون لماذا نحزن بعد بداية جديدة

قد يبدو الانتقال إلى منزل جديد أو بدء وظيفة جديدة سبباً طبيعياً للاحتفال، لكن التغييرات الكبيرة قد تحمل معها مشاعر الحزن والقلق والتوتر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الضجيج الأبيض هو على الأرجح «لون» الضجيج الأكثر شهرة إلا أن درجات أخرى منه قد يكون لها تأثير في الدماغ (بيكسلز)

الضجيج الوردي والبني… سرّ الأصوات التي قد تهدّئ دماغك

قد يبدو صوت الرعد البعيد، أو هدير الشلال، أو حتى الضجيج المستمر الصادر عن مروحة، مجرد أصوات خلفية تساعد على الهدوء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.


«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
TT

«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون فنلنديون أن الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في المساء، أو كما يعرفون بـ«عشاق السهر»، هم أكثر عرضة بمقدار 1.7 مرة للتقاعد المبكر والحصول على معاش تقاعدي بسبب العجز، مقارنةً بالأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في الصباح.

وتشير النتائج المنشورة في دورية «أوكيوبشنال آند أنفرومنتال ميديسين» إلى أن هذا الارتباط ظل قائماً حتى بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل المستوى التعليمي ونوع الوظيفة.

النمط الزمني

ويُعرف «النمط الزمني» بأنه الجدول الزمني الطبيعي للجسم فيما يتعلق بالنوم والاستيقاظ. واستناداً إلى توقيت وظائف الجسم ومستويات اليقظة، يمكن تصنيف الأفراد إلى ثلاث مجموعات رئيسية: أصحاب النمط الصباحي، وأصحاب النمط المتوسط، وأصحاب النمط المسائي.

ويُعد «النمط الزمني» سمة بيولوجية فطرية ذات أساس جيني قوي، وهي نتيجة دعمتها الدراسة أيضاً باستخدام بيانات جينية. وقد أظهرت دراسات سابقة أن النمط الزمني يظل ثابتاً للغاية في مرحلة البلوغ.

وأظهرت دراسات سابقة أن أصحاب النمط المسائي يبدون أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات في العمل أكثر من أصحاب النمط الصباحي.

ومع ذلك، لم تكن العلاقة بين كون الشخص «من عشاق السهر» (النمط المسائي) أو «شخصاً صباحياً» (النمط الصباحي) وبين الحصول على معاش العجز قد حُسمت بشكل كامل.

ولتعزيز الأدلة العلمية حول هذه الفرضية، قام الباحثون بتحليل ما إذا كان الأشخاص المصنفون ضمن «النمط المسائي» في منتصف الأربعينات من العمر أكثر عرضة للحصول على معاش العجز خلال الاثنتي عشرة سنة التالية، مقارنةً بالأشخاص المصنفين ضمن «النمط الصباحي».

وتابعت الدراسة مجموعة كبيرة من الأشخاص من مختلف القطاعات الاقتصادية ومجموعة متنوعة من المهن على مدى فترة زمنية طويلة.

عاشقو السهر قد يكونون أكثر عُرضة لتدهور الصحة واضطرابات في ساعاتهم البيولوجية (جامعة أولو)

ووفق بيان صحافي الثلاثاء، حلل باحثو الدراسة بيانات مستمدة من دراسة سكانية مستمرة بدأت عام 1966 وشملت 96 في المائة من جميع المواليد في مقاطعتين بشمال فنلندا. وفي عام 2012، وحين بلغ المشاركون سن السادسة والأربعين، طُرحت عليهم أسئلة لتحديد نمطهم الزمني؛ وشملت هذه الأسئلة: مدى سهولة استيقاظهم صباحاً، ومستوى شعورهم بالتعب خلال النصف ساعة الأولى بعد الاستيقاظ، وتوقيت العمل المفضل لديهم، وما إذا كانوا يعدون أنفسهم أشخاصاً يميلون للصباح أم للمساء.

بعد ذلك، ربط الباحثون هذه المعلومات ببيانات من السجلات الوطنية الفنلندية التي توفر معلومات حول العمل ومعاشات التقاعد، حيث تبين أن الأشخاص ذوو النمط المسائي أكثر عُرضة لخطر الحصول على معاش العجز.

وخلال فترة المتابعة التي استمرت 12 عاماً، حصل 135 رجلاً (5.2 في المائة) و249 امرأة (8.1 في المائة) على معاش العجز لأول مرة. وارتبط تصنيف الفرد ضمن «النمط المسائي» عند سن السادسة والأربعين باحتمالية أعلى بمقدار 1.7 ضعف للحصول على معاش العجز خلال الاثنتي عشرة سنة التالية، مقارنةً بـ«النمط الصباحي»، وذلك لدى كل من الرجال والنساء.

الصحة والنوم

لا يُمنح معاش العجز في فنلندا إلا بعد فترة من التدهور الصحي الشديد وطويل الأمد. ويعتقد الباحثون أن الحالة الصحية الأقل جودة لدى أصحاب النمط المسائي - مقارنة بأصحاب النمط الصباحي - هي العامل الرئيسي وراء ارتفاع معدلات الحصول على معاش العجز في هذه المجموعة.

ويشير الباحثون إلى أن أصحاب النمط المسائي قد يكونون أكثر عُرضة لتدهور الصحة بسبب خيارات حياتية أقل صحية واضطرابات في ساعاتهم البيولوجية الداخلية، مما قد يؤدي إلى مشاكل في النوم. ويرون أن الحالة الصحية لبعض أصحاب النمط المسائي - مع اقترابهم من سن الخمسين والستين - قد تتدهور لدرجة تؤثر سلباً على قدرتهم على العمل، وتجعلهم أكثر عُرضة من أصحاب النمط الصباحي للحاجة إلى معاش العجز.

ويقول الباحثون: «يمثل الأشخاص ذوو النمط المسائي نسبة كبيرة من السكان، وتشكل صحتهم وقدرتهم على مواصلة العمل حتى سن التقاعد تحديات أمام الاقتصادات المستدامة».