بابا الفاتيكان يوجّه من تركيا رسائل للوحدة والسلام... وينتقد سياسة الهجرة الأميركية

حذر من نذر حرب عالمية... وأجرى لقاءات في إسطنبول قبل احتفالية تاريخية

البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)
البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يوجّه من تركيا رسائل للوحدة والسلام... وينتقد سياسة الهجرة الأميركية

البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)
البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)

شهد اليوم الثاني من زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر لتركيا نشاطاً مكثفاً عبر برنامج مزدحم؛ إذ أمضى اليوم متنقلاً بين مدينتَي إسطنبول وبورصة في شمال غربي تركيا.

وكان النشاط الرئيسي للبابا، الجمعة، هو المشاركة في مراسم صلاة مسكونية مع بطريرك الروم الأرثوذكس، برثلماوس، قرب أطلال كاتدرائية القديس نيوفيتوس القديمة المطلة على بحيرة بلدة أزنيك في بورصة، بمناسبة الذكرى 1700 لمجمع نيقية الأول الذي أقر صيغة «قانون الإيمان» الذي لا يزال معظم مسيحيي العالم البالغ عددهم نحو 2.6 مليار يتبعونها حتى اليوم.

وقبل توجهه إلى بورصة على متن طائرة مروحية، التقى البابا في إسطنبول قادة مسيحيين من تركيا ودول عديدة في الشرق الأوسط، مثل مصر وسوريا وإسرائيل.

وحدة الطوائف وقضية الهجرة

وحثّ البابا في كلمة خلال اللقاء على الوحدة بين الطوائف المنقسمة منذ قرون، وذلك خلال أولى رحلاته إلى الخارج منذ توليه قيادة الكنيسة الكاثوليكية في مايو (أيار) الماضي.

لقاء البابا ليو مع الحاخام الأكبر في تركيا رابي ديفيد سيفي (إ.ب.أ)

والتقى البابا ليو بالحاخام الأكبر لتركيا، ديفيد سيفي، في مقر البعثة الرسولية في إسطنبول، ثم عقد لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في كنيسة «القديس سبريت» الكاثوليكية (كاتدرائية الروح القدس).

وخلال اللقاء الذي جمع ممثلي الطائفة الكاثوليكية في تركيا، التي لا يتجاوز عددها 33 ألفاً، دعا البابا ليو إلى عدم السعي وراء نفوذ سياسي، والتركيز على مساعدة المهاجرين في تركيا، التي تستضيف ما يقرب من 4 ملايين أجنبي، منهم نحو 2.4 مليون سوري، إلى جانب مهاجرين من أفغانستان وإيران والعراق.

ومنذ تنصيبه، وضع البابا رعاية المهاجرين على رأس أولوياته، وانتقد بشكل متكرر سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناهضة للهجرة.

البابا ليو متحدثاً إلى راهبات في «دار رعاية الراهبات أخوات الفقراء الصغيرات» (أ.ف.ب)

وانتقل البابا بعد ذلك إلى «دار رعاية الراهبات أخوات الفقراء الصغيرات» في إسطنبول، قبل أن يتوجه إلى أزنيك في بورصة.

احتجاج حزب تركي

وتعد احتفالية أزنيك هي السبب الرئيسي لزيارة البابا ليو التي تستغرق أربعة أيام لتركيا ذات الأغلبية المسلمة، بحضور أكثر من 4 آلاف شخص وسط تدابير أمنية مشددة فرضتها السلطات التركية.

عناصر من قوات الشرطة وخفر السواحل تؤمّن بحيرة أزنيك في بورصة حيث أقيم الاحتفال بالذكرى 1700 لمجمع نيقية (رويترز)

وقبل انطلاق الفعاليات، نظّم حزب «الرفاه من جديد» التركي المعارض، الذي يرأسه فاتح أربكان نجل رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان الذي يشار إليه على أنه مهندس الحركة الإسلامية في تركيا، مسيرة للاحتجاج على زيارة البابا وإقامة قداس في نيقية. وانتقد رئيس فرع الحزب في ولاية بورصة، محمد كايغوسوز، زيارة البابا، عادّاً أنها «خطوة سياسية وليست دينية».

وحذّر كايغوسوز، في بيان ألقاه خلال المسيرة، الحكومة التركية من أن لقاء البابا مع بطريرك الروم الأرثوذكس، برثلماوس (الزعيم الروحي لنحو 260 مليوناً من المسيحيين الأرثوذكس حول العالم)، هو «محاولة لاستهداف سيادة تركيا»، قائلاً إن الزيارة ليست «حجاً أو فعالية سياحية»، بل إن الفاتيكان خطط لها كمناورة سياسية.

نقاش بين أعضاء من حزب «الرفاه من جديد» وعناصر من الشرطة بملابس مدنية حاولوا منع مسيرة احتجاج ضد حضور البابا ليو احتفال مجمع نيقية في بورصة (أ.ب)

وعدّ أن لقاء البابا مع الرئيس رجب طيب إردوغان والرموز المستخدمة في شعار الزيارة تحمل رسالة دبلوماسية، وأن السيادة الوطنية التركية مستهدفة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على سيادة تركيا، كما حددتها معاهدة لوزان ودستور البلاد.

وقال البابا ليو، الثلاثاء قبل زيارته لتركيا: «لقد التقيت أنا والبطريرك برثلماوس مرات عدة، وأعتقد أنها ستكون فرصة استثنائية لتعزيز الوحدة بين جميع المسيحيين». ويعود الانقسام بين الكاثوليك والأرثوذكس إلى ما يُعرَف بـ«الانشقاق الكبير» عام 1054 للميلاد، ويعترف الكاثوليك بالسلطة العالمية للبابا كرأس للكنيسة، في حين ينتظم الأرثوذكس في كنائس مستقلة.

تحذير من حرب عالمية

حذّر البابا ليو، مساء الخميس، من أن الصراعات الراهنة في العالم تمهد، على مراحل، لحرب عالمية ثالثة، داعياً إلى عدم الاستسلام لهذا الأمر أبداً.

البابا ليو متحدثاً بالقصر الرئاسي في أنقرة مساء 27 نوفمبر عقب لقاء موسع مع الرئيس رجب طيب إردوغان وأعضاء من حكومته (الرئاسة التركية)

وقال البابا، عقب الاجتماع الموسع الذي عقده مع الرئيس إردوغان في أنقرة قبل توجهه إلى إسطنبول، إن تاريخ البشرية يتضمن قروناً من النزاعات، وإن «العالم حولنا تُزعزع استقراره طموحات واختيارات تدوس على العدالة والسلام». وحثّ تركيا على أن تكون عامل استقرار وتقارب بين الشعوب في خدمة سلام عادل ودائم.

وانتقد البابا ليو، على غرار سلفه الراحل البابا فرنسيس، معاملة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «المهينة للغاية» للمهاجرين. وأشار إلى أن التطورات التكنولوجية يمكنها أن تزيد من الظلم بدلاً من الإسهام في هزيمته، وأن هذا بمثابة تحدٍّ يجب أن يعيد تشكيل السياسات المحلية والعلاقات الدولية.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أيضاً «يعيد إنتاج اختيارات البشرية نفسها، ويُسرّع عمليات ليست من صنع الإنسان، بل من صنع الآلات»، داعياً إلى تغيير وجهة التطور. كما أكد أهمية الحفاظ على دور الأسرة وتعزيز دور المرأة وتمكينها من الحصول على حقوقها.

إردوغان متحدثاً في القصر الرئاسي بأنقرة عقب لقاء مع البابا ليو مساء 27 نوفمبر (الرئاسة التركية)

بدوره، أكد الرئيس إردوغان أن تركيا، التي تبلغ نسبة المسلمين فيها 99 في المائة من السكان، تشجع على احترام كل الأديان، بما فيها الطوائف المسيحية، قائلاً: «لا نسمح لأحد منا بأن يكون ضحية للتمييز»، وإنه «لا يرى الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية سبباً للانقسام، بل مصدر ثراء».

وأشاد إردوغان بموقف البابا من القضية الفلسطينية، داعياً إلى العدالة للشعب الفلسطيني، وتطبيق «حل الدولتين» بأسرع وقت ممكن.


مقالات ذات صلة

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية» الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدة ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية نائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم والوزيرة السابقة في الحكومة التركية فاطمة بتول صايان كايا أُودعت السجن انتظاراً لمحاكمتها بالتورط في فضيحة تلاعب بأموال صناديق استثمار أضرت مئات الآلاف من المستثمرين (من حسابها في «إكس»)

تركيا: حبس وزيرة سابقة بحكومة إردوغان لتورطها في «فضيحة صناديق الاستثمار»

أُوقفت نائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم والوزيرة السابقة فاطمة بتول صايان كايا لتورطها في «فضيحة صناديق الاستثمار» في واقعة غير مسبوقة في تاريخ الحزب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج وقع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في 7 أغسطس الماضي (الرئاسة التركية)

برلمان تركيا يقر «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك

وافق البرلمان التركي على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، الموقعة مع السعودية وباكستان، مؤكداً أهميتها لإيجاد حلول ذاتية لمشاكل المنطقة وتحقيق استقرارها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية محمد صلاح (رويترز)

صلاح في رسالة للاعبي طرابزون: لم نكن في أفضل مستوياتنا… تكاتفوا

طالب النجم الدولي المصري محمد صلاح، قائد فريق طرابزون سبور التركي، زملاءه بالتكاتف بعد توقف سلسلة انتصاراتهم التي استمرت سبع مباريات متتالية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة عامة من البرلمان التركي (رويترز - أرشيفية)

البرلمان التركي يصادق على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»

صادق البرلمان التركي على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقّعة مع السعودية وباكستان، على ما أفاد الإعلام الرسمي التركي، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم وميناء جاسك جنوب إيران

منظر جوي لجزيرة قشم الإيرانية التي يفصلها عن البر الرئيسي مضيق كلارنس (أرشيفية - رويترز)
منظر جوي لجزيرة قشم الإيرانية التي يفصلها عن البر الرئيسي مضيق كلارنس (أرشيفية - رويترز)
TT

سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم وميناء جاسك جنوب إيران

منظر جوي لجزيرة قشم الإيرانية التي يفصلها عن البر الرئيسي مضيق كلارنس (أرشيفية - رويترز)
منظر جوي لجزيرة قشم الإيرانية التي يفصلها عن البر الرئيسي مضيق كلارنس (أرشيفية - رويترز)

أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات، اليوم السبت، في جزيرة قشم الإيرانية بمضيق هرمز وفي ميناء جاسك جنوب إيران، مشيرة إلى أن الأسباب لم تتضح بعد.

ولم يصدر أي إعلان رسمي من إيران بشأن مصدر الانفجارات.

وقال مراسل للتلفزيون الرسمي الإيراني إن الانفجارات قد تكون مرتبطة بأنشطة الجيش الإيراني في مضيق هرمز، فيما ذكرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصدر، أن «الانفجارات التي سمعت في جزيرة قشم لا علاقة لها بضربات صاروخية».

وكانت وكالة «تسنيم» قد ذكرت، في وقت سابق اليوم السبت، أن صاروخين أصابا جزيرة قشم، لكن لم ترد معلومات رسمية بعد بشأن الأضرار المحتملة.

وتأتي هذه الانفجارات بعد أيام من شنّ الولايات المتحدة غارات على الجزيرة.

وصرح مسؤول أميركي بأن تلك الغارات كانت محدودة، وليست استئنافاً لعمليات قتالية واسعة النطاق.

وتترقب دول المنطقة احتمال أن يستأنف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهجمات على إيران بعد انتهاء انتخابات الكونغرس بالولايات المتحدة.

وقالت إيران مراراً إنها سترد على أي هجمات جديدة بضرب أهداف أميركية وإسرائيلية في الدول المجاورة.


واشنطن بين استئناف التفاوض وتشديد الضغوط على إيران

ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

واشنطن بين استئناف التفاوض وتشديد الضغوط على إيران

ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تتأرجح المواجهة بين واشنطن وطهران بين مساعٍ دبلوماسية لاستئناف المفاوضات واحتواء التصعيد، وضغوط أميركية متواصلة لتقييد قدرات إيران وإمداداتها العسكرية، وسط مؤشرات متباينة بشأن فرص التوصل إلى تسوية أو العودة إلى المواجهة العسكرية.

وفي هذا السياق، شارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في محادثات غير مباشرة مع إيران، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مصدرين مطلعين على هذه الاتصالات.

وبحسب «أكسيوس»، يعكس انخراط فانس المكثف في هذه المحادثات توليه مسؤولية إخراج الولايات المتحدة من الحرب، التي حمّلها مسؤولية الخسارة الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات هذا الأسبوع. كما يرفع هذا الانخراط مستوى الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة إلى أعلى المستويات داخل الإدارة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون ومصادر إقليمية للموقع إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد، في الوقت الراهن، لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة للمضي قدماً، ويريد معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق.

اتصالات شبه يومية

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يصافح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقائهما في مقر إقامته بموسكو يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي إطار هذه الجهود، كشفت مصادر مطلعة مباشرة على المحادثات لـ«أكسيوس» أن فانس يجري اتصالات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووسطاء آخرين، لمناقشة المفاوضات مع إيران. كما يشارك في هذه الجهود أيضاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره.

وأضافت المصادر أن فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين ناقشوا إمكانية عقد اجتماع فني على مستوى الخبراء بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد حتى الآن.

ويأتي هذا التحرك في سياق دور سبق أن اضطلع به فانس في الملف الإيراني؛ إذ كان من أكثر الأصوات تشككاً في الحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب قبل اندلاعها في نهاية فبراير (شباط)، ودعا بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى حل دبلوماسي.

وفي هذا الإطار، قاد فانس الفريق الأميركي المفاوض في قمة أبريل (نيسان) بشأن إيران، التي عُقدت في إسلام آباد، كما شارك شخصياً في المحادثات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران). ثم ترأس الوفد الأميركي في جولة من المحادثات المباشرة مع إيران في سويسرا، انتهت بتعهد إيراني بدعوة مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة منشآتها النووية. غير أن هذا المسار لم يصمد طويلاً؛ إذ استأنف «الحرس الثوري» الإيراني هجماته على السفن بعد ذلك بوقت قصير، ما أدى إلى انهيار مذكرة التفاهم.

تقدم بطيء في الوساطة

ومن أهم التحركات الدبلوماسية هي الرسالة التي بعث بها فانس، قبل أسبوعين، إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، والتي اقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة. وبحسب الموقع، قال مسؤولون إيرانيون إن رسالة فانس أسهمت في إيجاد زخم إيجابي باتجاه استئناف المفاوضات.

وعلى الرغم من هذا الزخم، لا تزال جهود الوساطة تواجه تحديات؛ إذ أشارت مصادر مشاركة فيها، وفق «أكسيوس»، إلى أن المحادثات أحرزت تقدماً، لكن بوتيرة بطيئة جداً.

وفي مؤشر على استمرار المساعي الدبلوماسية، قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني «عملنا خلال الأسبوعين الماضيين مع زملاء في الإدارة الأميركية لديهم نية حقيقية لإيجاد سبيل لاحتواء الوضع، وخفض التصعيد. وبفضلهم، وبفضل الأصوات الحكيمة في طهران، تمكّنا من منع خروج الوضع عن السيطرة».

وأضاف أن المحادثات مع إدارة ترمب استمرت بعد الانتخابات النصفية، وإن لم تكن بالوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام التي سبقتها، «لأن لديهم قضايا أخرى».

وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء القطري، يوم السبت، أن وسطاء دولة قطر يعملون في هذه الأثناء للحيلولة دون موجة جديدة من التصعيد في المنطقة، محذراً من أن المنطقة لا تحتمل مزيداً من التصعيد. جاء ذلك في كلمة ألقاها أمام اتحاد أكسفورد في بريطانيا.

«البوابة الحديدية»

قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» براد كوبر خلال إفادة أمام مجلس الشيوخ في مايو 2026 (أ.ف.ب)

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، تواصل واشنطن تحركاتها الرامية إلى تشديد الضغوط على طهران؛ فبعد أشهر من فرض الحصار البحري المستمر على إيران، قرر الجيش الأميركي تشكيل قوة مهام لتعزيز جهود واشنطن الرامية إلى تقييد نقل طهران أنظمة الأسلحة المتطورة ومواد أخرى خاضعة للعقوبات عبر حدودها البرية وبحر قزوين.

وفي هذا الإطار، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشكيل قوة مهام أُطلق عليها اسم «آيرن جيت (البوابة الحديدية)»، على أن تتخذ من تامبا بولاية فلوريدا مقراً لها، وأن تنسق عملها مع وكالات حكومية أخرى. وإلى جانب نقل الأسلحة، ستركز قوة المهام أيضاً على المواد ذات الاستخدام المزدوج ومصادر الدخل غير المشروعة.

وقال الجنرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، في بيان: «تعزيز تعاون القيادة المركزية مع الشركاء عبر الوكالات الأميركية سيحدُّ بشكل أكبر من قدرة إيران على تمويل الإرهاب، وإعادة بناء مصانع الأسلحة، وإعادة بناء قدراتها العسكرية».

وفي تقديرها لنتائج هذه الضغوط، قالت القيادة المركزية الأميركية إن الحصار البحري الذي فرضته منع إيران من تصدير ما تزيد قيمته على 25 مليار دولار من النفط الخام.

الجيش الإيراني: أصبحنا أقوى

وفي المقابل، تؤكد طهران أنها لم تخرج من المواجهة ضعيفة؛ إذ أكد الجيش الإيراني أنه أصبح «أقوى» وأكثر استعداداً مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية يوم السبت.

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، قوله إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، مضيفاً أنها «اكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس».


هل يغلق الكونغرس باب الحرب أمام ترمب؟

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

هل يغلق الكونغرس باب الحرب أمام ترمب؟

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

تتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب مع إيران، مع اقتراب انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، وتصاعد تحركات داخل الحزب لوقف تمويل العمليات العسكرية. وبينما تتواصل الوساطة القطرية لاحتواء التوتر وبناء الثقة بين واشنطن وطهران، تثير ضربات أميركية جديدة تساؤلات بشأن قدرة ترمب على استئناف حملة عسكرية واسعة، في ظل تقلص هامش المناورة السياسية أمامه.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه ترمب لا يقتصر على الحسابات العسكرية والدبلوماسية، بل يمتد إلى الداخل الأميركي، حيث أدت الخسارة المدوية للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي إلى تغيير المعادلة السياسية المحيطة بالحرب.

فبعد أن فقد ترمب شبكة الأمان التي وفرتها له الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، بدأت تحركات الديمقراطيين تتخذ طابعاً أكثر جدية لإنهاء العمليات العسكرية، التي لا تحظى بتأييد قطاع واسع من الأميركيين.

الفرص تتضاءل

وذكرت شبكة «إن بي سي»، نقلاً عن مصادر لم تسمّها، أن مسؤولين في الإدارة الأميركية ووزارة الدفاع (البنتاغون) أبلغوا ترمب بأن فرص شن حملة عسكرية جديدة على إيران تتضاءل، وأن عليه اتخاذ قرار خلال الأسابيع الثمانية المقبلة، قبل بدء الكونغرس الجديد، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ممارسة مهامه، إذا كان يرغب في استئناف العمليات العسكرية.

وتضع هذه المهلة الإدارة الأميركية أمام حسابات سياسية وعسكرية معقدة؛ إذ لا يزال الجمهوريون يسيطرون على مجلسي الكونغرس حتى أداء الأعضاء الجدد اليمين الدستورية في يناير (كانون الثاني)، لكن انتقال الأغلبية بعد ذلك قد يحد من قدرة الرئيس على تأمين الدعم السياسي والمالي لأي تصعيد جديد.

الديمقراطيون يلوحون بسلاح التمويل

وفي هذا السياق، بدأ مشرعون ديمقراطيون، خصوصاً من التيار التقدمي، التحرك لقطع التمويل عن الحرب، بل والضغط من أجل ربط تمويل الحكومة الاتحادية بقيود تمنع استخدام الأموال في مواصلة العمليات العسكرية.

وسلطت صحيفة «واشنطن صن» الضوء على الدور الذي يقوده السيناتور كريس فان هولن والنائب رو خانا في هذا الاتجاه، مشبهة تحركاتهما بالجهود التي بذلها الكونغرس لإنهاء حرب فيتنام عام 1973.

ولا تقتصر الاستراتيجية المطروحة على حذف التمويل المخصص للحرب من التشريعات الحالية، بل تتجاوز ذلك إلى إدراج شروط تمنع استخدام الأموال المخصصة في تنفيذ العمليات العسكرية. وبحسب موقع «تروث أوت» الإخباري، فإن هذا المسار قد يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بقرارات تتعلق بصلاحيات الحرب، التي قد تتجاهلها إدارة ترمب.

ويرى محللون أن سلطة الميزانية تمثل واحدة من أقوى الأدوات المتاحة أمام المشرعين للضغط على الرئيس وإنهاء الحرب، خصوصاً أن الديمقراطيين سيتمتعون بأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب مع بدء الدورة الجديدة للكونغرس.

وقال فان هولن: «لا أعتزم التصويت لصالح أي شيء يوفر أي تمويل لتأجيج الحرب في إيران... إذا أراد الرئيس أن يقول للشعب إنه مستعد لإغلاق حكومة الولايات المتحدة من أجل شن حرب غير قانونية ولا معنى لها في إيران، فسيكون ذلك خياره»، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ولقي هذا التوجه دعماً من عدد من المشرعين الديمقراطيين، بينهم النائب آدم سميث، العضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، والنائبة روزا ديلاورو، العضو في لجنة المخصصات بالمجلس، إضافة إلى عضو مجلس الشيوخ الجديد عبد الرحمن السيد.

اقتراب موعد انتهاء التمويل

الحزب الديمقراطي المعارض لترمب سيطر على مجلسي الكونغرس في الانتخابات الأخيرة (أ.ب)

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع اقتراب موعد انتهاء تمويل الحكومة الاتحادية في 11 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وهو ما يتيح للديمقراطيين استخدام المفاوضات بشأن الموازنة للضغط على الإدارة الأميركية.

وفي الوقت نفسه، يتعين على الكونغرس الحالي النظر في مشروع قانون ميزانية وزارة الدفاع للعام المقبل، الذي تضمنت صيغ سابقة منه تخصيص نحو 70 مليار دولار للحرب ضد إيران.

وبذلك، قد يجد ترمب نفسه أمام معادلة سياسية صعبة، تتمثل في الاختيار بين تقديم تنازلات بشأن استمرار الحرب أو مواجهة احتمال تعثر تمويل الحكومة الاتحادية، إذا أصر الديمقراطيون على ربط الموافقة على الميزانية بوقف تمويل العمليات العسكرية.

وتشكل هذه المبادرة اختباراً مبكراً لقيادة الحزب الديمقراطي، ممثلة في النائب حكيم جيفريز والسيناتور تشاك شومر، اللذين يسعيان إلى الحفاظ على موقعيهما القياديين مع انطلاق الدورة الجديدة للكونغرس.

شومر وجيفريز أمام اختبار مواقفهما السابقة

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يحتفل بنتائج حزبه في انتخابات التجديد النصفي خلال مؤتمر صحافي بواشنطن فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

وغداة الانتخابات النصفية، تعهد شومر بالعمل على إنهاء الحرب، مستنداً إلى الصلاحيات الدستورية للكونغرس في التحكم بالإنفاق، وقال: «كان الآباء المؤسسون يمتلكون سلطة الميزانية كأحد السبل لردع أي رئيس يشن حرباً دون موافقة الشعب الأميركي». لكن موقف شومر وجيفريز يواجه اختباراً سياسياً، بالنظر إلى تأييدهما السابق لإسرائيل ومواقفهما من الحرب على إيران.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، انتقد شومر توقيع ترمب اتفاقاً مع إيران لإنهاء الحرب، ووصفه بأنه «فن الاستسلام». كما رفض جيفريز، بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية، استبعاد التصويت لصالح أي طلب محتمل من إدارة ترمب إلى الكونغرس لتخصيص تمويل إضافي للعمليات القتالية.

ومن ثم، فإن انتقال الديمقراطيين من تأييد بعض جوانب السياسة الأميركية تجاه إيران إلى المطالبة بوقف تمويل الحرب يضع قيادتي الحزب أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتهما على توحيد المواقف داخل الحزب، وتحويل نتائج الانتخابات إلى ضغط فعلي على البيت الأبيض.

أسابيع حاسمة أمام ترمب

وهكذا، تبدو نتائج الانتخابات النصفية وكأنها أعادت خلط أوراق ترمب بشأن إيران، بعدما أقر بأن الحرب كانت أحد أسباب خسارة الجمهوريين، ليجد نفسه أمام خيارات أكثر محدودية، وسط تقارير عن تباين المواقف داخل إدارته بشأن كيفية التعامل مع الملف.

وفي الوقت الذي يترقب فيه المراقبون القرار الذي سيتخذه خلال الأسابيع المقبلة، تبرز مخاوف من أن تدفعه القيود السياسية الجديدة إلى تسريع خياراته العسكرية قبل انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، بدلاً من التراجع عن التصعيد.

وتزداد هذه المخاوف في ظل التداعيات الاقتصادية المحتملة لأي عودة إلى المواجهة، خصوصاً على أسواق الطاقة التي شهدت بعض التراجع مدفوعة بآمال عدم تجدد الحرب. ومن شأن استئناف العمليات العسكرية أن يعيد الضغوط على أسعار النفط والطاقة، ويزيد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

وبين مساعي الوساطة الإقليمية، والضغوط الديمقراطية لوقف التمويل، واستمرار الخيارات العسكرية على الطاولة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مسار السياسة الأميركية تجاه إيران، في وقت لم تعد فيه قدرة ترمب على المناورة السياسية كما كانت قبل الانتخابات.