السكر البني أم القرفة... أيّهما مُحل أكثر صحة؟

قد تساعد القرفة على تحسين مستويات الغلوكوز الصيامي لدى المصابين بما قبل السكري (بكساباي)
قد تساعد القرفة على تحسين مستويات الغلوكوز الصيامي لدى المصابين بما قبل السكري (بكساباي)
TT

السكر البني أم القرفة... أيّهما مُحل أكثر صحة؟

قد تساعد القرفة على تحسين مستويات الغلوكوز الصيامي لدى المصابين بما قبل السكري (بكساباي)
قد تساعد القرفة على تحسين مستويات الغلوكوز الصيامي لدى المصابين بما قبل السكري (بكساباي)

القرفة والسكر البني من الإضافات الشائعة في الحلويات، لكن تأثيرهما على الصحة يختلف. وتشير بعض الأبحاث إلى أن كلاً من القرفة أو السكر البني قد يقدّم فوائد في حالات صحية معينة، إلا أنه لا توجد استخدامات طبية معتمدة أو مثبتة علمياً لأي منهما حتى الآن.

ما مصدر القرفة والسكر البني؟

يُستخدم السكر البني والقرفة لإضافة النكهة واللون والرائحة والقوام إلى الأطعمة والمشروبات. وكثيراً ما تُضاف إلى المشروبات والحلويات والحساء، إضافةً إلى الكثير من الوصفات الأخرى. وتعود مصادرهما إلى ما يلي:

القرفة المطحونة تُستخرج من لحاء أشجار «Cinnamomum».

السكر البني يُصنع من خلال مزج السكر الأبيض مع الدبس (المولاس). ويُستخرج الدبس من قصب السكر أو من الشمندر السكري.

ويتمّ في الجسم تكسير جميع أنواع السكر، بما في ذلك السكر البني، إلى الغلوكوز الذي يُستخدم مصدراً للطاقة.

السعرات الحرارية

يحتوي كلّ من السكر والقرفة على سعرات حرارية وبعض العناصر الغذائية. ويحوّل الجسم هذه السعرات طاقة، إلا أن تناول كميات تفوق احتياجات الجسم يؤدي إلى زيادة الوزن. الكثير من منتجات القرفة أو السكر البني ليست مكوّنة من القرفة أو السكر البني فقط، بل قد تحتوي أيضاً على مكوّنات أخرى. لذلك تختلف السعرات الحرارية والعناصر الغذائية في خلطات التوابل حسب تركيبها. وإذا كانت السعرات والقيمة الغذائية مهمة بالنسبة لك، فتأكد دائماً من قراءة الملصق الغذائي.

كم يوفر كل منهما من الطاقة؟

يمنح السكر البني طاقة أكثر بكثير من القرفة، وهذا يعني أن الإفراط في تناوله يزيد احتمال اكتساب الوزن مقارنة بالإفراط في القرفة:

تعود السعرات الحرارية في السكر البني إلى الكربوهيدرات التي تتحول غلوكوزاً، والذي يستخدمه الجسم إما للحصول على الطاقة أو يخزّنه على شكل دهون.

أما السعرات الحرارية في القرفة فتتضمن بعض الغلوكوز، لكنها تحتوي أيضاً على كمية من الألياف غير القابلة للهضم، والتي لا توفر القدر نفسه من الطاقة ولا تؤدي إلى زيادة كبيرة في الوزن.

كيف يؤثر السكر البني والقرفة في مرض السكري؟

يعدّ السكري حالة طبية تؤثر في توازن الغلوكوز في الدم، ويتطلّب التعامل معها مراقبة دقيقة لاستهلاك الكربوهيدرات، وتناول الأدوية الموصوفة أو استخدام الأنسولين.

ولا يقدّم استبدال السكر البني بالسكر الأبيض أي فائدة صحية لمرضى السكري.

أما القرفة، فقد درستها أبحاث عدة لدى أشخاص مصابين بالسكري أو ما قبل السكري، وجاءت النتائج غير متسقة:

قد تساعد القرفة على تحسين مستويات الغلوكوز الصيامي لدى المصابين بما قبل السكري، حسب بعض الدراسات.

لكنها لا تؤثر في مستوى الهيموغلوبين الغليكوزي (HbA1c)، وهو الفحص الأهم لتقييم السيطرة على السكري خلال الأشهر الماضية.

كما لا يبدو أن القرفة تؤثر في مستويات الكولسترول.

وتوصلت مراجعة علمية إلى نتائج مشابهة لدى الأشخاص غير المصابين بالسكري أو ما قبل السكري: فقد حسّنت القرفة مستوى الغلوكوز الصيامي، لكنها لم تؤثر في «HbA1c».

وبشكل عام، فإن إدارة النظام الغذائي تبقى حجر الأساس لمرضى السكري، وما زال من غير الواضح ما إذا كانت القرفة تقدّم أي فائدة ملموسة - حتى على المدى القصير.

الآثار الصحية للسكر البني والقرفة

تجرى أبحاث عدة حول الفوائد الصحية المحتملة للسكر البني والقرفة. وقد أظهرت هذه المكوّنات بعض النتائج الواعدة في التجارب المخبرية، لكن هذه النتائج لم تُثبت بعد في أبحاث موسّعة أو تُترجم إلى استخدامات عملية:

- تأثيرات مضادة للبكتيريا: تشير بعض الدراسات إلى أن القرفة قد تمتلك خصائص مضادة للجراثيم.

- مضادة للالتهاب: قد تتمتع القرفة بخصائص مضادة للالتهاب؛ ما قد يساعد في التحكم ببعض اضطرابات المناعة.

- الفلورا المعوية: قد يؤثر السكر البني في بكتيريا الأمعاء (الميكروبيوم)، وهي عنصر مهم في الهضم والمناعة.

- السرطان: هناك ارتباط محتمل بين استهلاك السكر البني وانخفاض معدّل بعض أنواع السرطان، حسب بعض الدراسات الأولية.

- مضادات الأكسدة: قد يمتلك السكر البني نشاطاً مضاداً للأكسدة، وهي مواد تسهم في حماية الجسم من الأمراض المزمنة.

خطر التلوّث بالمعادن: القرفة

ظهرت في الفترة الأخيرة تقارير عن تلوّث بعض منتجات القرفة بالرصاص. ويُعتقد أن هذا التلوّث مرتبط بعمليات الإنتاج، وقد جرى سحب عدد من المنتجات من الأسواق. ومع ذلك، فإن تلوّث القرفة بالرصاص ليس مشكلة متأصلة في هذا النوع من المنتجات، بل يتعلق بحالات محدودة مرتبطة بسلاسل تصنيع معيّنة.



اضطرابات الغدة الدرقية وتأثيراتها على القلب

اضطرابات الغدة الدرقية وتأثيراتها على القلب
TT

اضطرابات الغدة الدرقية وتأثيراتها على القلب

اضطرابات الغدة الدرقية وتأثيراتها على القلب

تقع الغدة الدرقية Thyroid Gland، ذات شكل الفراشة، في مقدمة العنق. وتُفرز هرمونات تؤثر على جميع أعضاء الجسم. وعلى وجه الخصوص، تؤدي هرمونات الغدة الدرقية دوراً أساسياً في وظائف القلب والأوعية الدموية. ونتيجة لذلك، قد يُسبب خلل الغدة الدرقية مشاكل تُشابه أعراض أمراض القلب أو تُفاقم أمراض القلب الموجودة.

وثمة أنواع مختلفة من اضطرابات عمل الغدة الدرقية؛ فهناك حالات يحصل فيها قصور (كسل) الغدة الدرقية عن إفراز هرمون الغدة الدرقية. وبالمقابل هناك حالات يحصل فيها فرط نشاط الغدة الدرقية وارتفاع إنتاج هرمون الغدة الدرقية. ولكل من القصور وفرط النشاط أنواع من الحالات المرضية.

قصور الغدة الدرقية

ووفق الإحصائيات الطبية في الولايات المتحدة، يُقدّر أن 12 في المائة من سكان الولايات المتحدة مصابون بأمراض الغدة الدرقية. ومعظمهم – نحو 90 في المائة - يُعانون من قصور الغدة الدرقية Hypothyroidism (كسل الغدة الدرقية). وعندما تنخفض مستويات هرمون الغدة الدرقية، تتباطأ جميع أجهزة الجسم، ما يُؤدي إلى ظهور مجموعة من الأعراض تشمل التعب، وزيادة الوزن، وعدم تحمل البرد، والإمساك، وجفاف الجلد.

ويؤثر قصور الغدة الدرقية على القلب والجهاز الدوري بعدة طرق. فنقص هرمون الغدة الدرقية يُبطئ معدل ضربات القلب ويُقلل مرونة الشرايين، ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. كما يُبطئ انخفاض مستويات هرمون الغدة الدرقية وظائف الكبد وعمليات الأيض، ما قد يزيد من نسبة الكوليسترول في الدم، وبالتالي يُسهم في تضيّق الشرايين وتصلبها.

ويقول أطباء جامعة هارفارد: «قد يكون ألم العضلات، وهو عرض آخر غير قلبي، ذا صلة أيضاً بكسل الغدة الدرقية. ولكنه بالإضافة إلى ذلك قد يكون أحد الآثار الجانبية لأدوية الستاتين الخافضة للكوليسترول، وهي حالة تُعرف باسم ألم العضلات المرتبط باليستاتين Statin - Related Myalgia. وفي الواقع، تشير الأبحاث إلى أن قصور الغدة الدرقية أكثر شيوعاً لدى الأشخاص الذين لا يتحملون الستاتين. في بعض الأحيان، يُساعد علاج قصور الغدة الدرقية في تخفيف ألم العضلات المرتبط باليستاتين».

ولتلخيص أهم تأثيرات قصور (كسل) نشاط الغدة الدرقية على القلب لدى مرضى شرايين أو صمامات أو عضلة القلب:

- بطء ضربات القلب: انخفاض معدل ضربات القلب في كل دقيقة.

- ضعف انقباض عضلة القلب: تدني قوة ضخ عضلة القلب.

- ارتفاع الكوليسترول: وتحديداً ارتفاع مستوى الكوليسترول الخفيف الضار في الدم، ما يؤدي إلى تصلب الشرايين وتضييقها.

- زيادة تجمع السوائل في داخل غشاء التامور المغلف للقلب.

ولتوضيح آليات حصول تلك التأثيرات السلبية، فإن قصور الغدة الدرقية يُؤثر على القلب بشكل أساسي عن طريق تقليل إنتاج هرمون الغدة الدرقية النشط T3، ما يؤدي بالعموم إلى تباطؤ عملية التمثيل الغذائي، وانخفاض قوة انقباض عضلة القلب Cardiac Contractility، وزيادة مقاومة الأوعية الدموية الجهازية Systemic Vascular Resistance. وفي التفاصيل، هناك آليات خلوية وجزيئية لحصول تلك التأثيرات السلبية، وكذلك هناك آليات وعائية وجهازية لحصولها.

* الآليات الخلوية والجزيئية الرئيسية التي من خلالها تُؤثر حالة قصور الغدة الدرقية على القلب وعمله تشمل:

- اضطراب دورة الكالسيوم Calcium Cycling: يؤدي انخفاض مستويات T3 إلى تقليل التعبير عن إنزيم ATPase للكالسيوم في الشبكة الساركوبلازمية، وهو بروتين أساسي يساعد خلايا عضلة القلب على الاسترخاء، وأيضاً التسبب بزيادة الفوسفولامبان الذي بدوره يُضعف استرخاء عضلة القلب (القوة الانبساطية) ويقلل امتلاء البطين.

- تغير البروتينات الانقباضية: يؤدي نقص هرمون الغدة الدرقية إلى انخفاض توفر سلسلة بروتينات الميوسين الثقيلة في خلايا عضلة القلب، ما يقلل من القوة الميكانيكية وسرعة انقباضات القلب.

- انخفاض استجابة مستقبلات بيتا الأدرينالية Beta - Adrenergic Responsiveness: يُقلل قصور الغدة الدرقية من عدد مستقبلات بيتا الأدرينالية في القلب Beta - Adrenergic Receptors، ما يجعل الأنسجة أقل استجابة للكاتيكولامينات (مثل الأدرينالين) التي تُحفز عادةً معدل ضربات القلب وقوة انقباضه.

* الآليات الوعائية والجهازية التي من خلالها تُؤثر حالة قصور الغدة الدرقية على القلب وعمله تشمل:

- اضطراب وظيفة البطانة الوعائية Endothelial Dysfunction: يُقلل نقص هرمون الغدة الدرقية من إنتاج أكسيد النيتريك البطاني Nitric Oxide، وهو جزيء يُساعد الأوعية الدموية على التوسع والاسترخاء.

- زيادة المقاومة الوعائية Vascular Resistance: يؤدي ضعف استرخاء العضلات الملساء الوعائية، بالإضافة إلى انخفاض توافر أكسيد النيتريك، إلى تصلب الشرايين وزيادة المقاومة الوعائية الجهازية، مما يرفع ضغط الدم الانبساطي.

- اضطراب شحوم الدم (تغيرات الكوليسترول): يؤدي انخفاض هرمون الغدة الدرقية إلى إبطاء وظائف الكبد واستقلاب الدهون، ما يرفع مستوى الكوليسترول الضار LDL والدهون الثلاثية في الدم، الأمر الذي يُعزز تصلب الشرايين.

- انخفاض النتاج القلبي Cardiac Output: ينتج عن انخفاض معدل ضربات القلب (بطء القلب)، وانخفاض كمية الدم التي يضخها القلب في كل نبضة Stroke Volume، وضعف امتلاء عضلة القلب في أثناء الانبساط، ما يُؤدي كله إلى انخفاض عام في النتاج القلبي.

فرط نشاط الغدة الدرقية

وبالنسبة للقلب والأوعية الدموية يُعدّ فرط نشاط الغدة الدرقية Hyperthyroidism، أو زيادة هرمون الغدة الدرقية، مشكلةً بتداعيات معاكسةً. وهي وإن كانت أقل شيوعاً بكثير؛ إذ تُصيب نحو 1 في المائة فقط من السكان، لكنها أيضاً قد تُلحق الضرر بالقلب.

وتشمل الأعراض الشائعة كلاً من: الأرق، وعدم تحمل الحرارة، والتعرق المفرط، وفقدان الوزن، والجوع الشديد، والإسهال، وآلام العضلات. كما تُسبب زيادة هرمون الغدة الدرقية تسارعاً وقوةً في ضربات القلب، وقد تُؤدي إلى اضطرابات في نظم القلب، مثل الرجفان الأذيني، وهو اضطراب في نظم إيقاع القلب في الأذينين. ولذا قد يُعاني بعض الأشخاص من خفقان القلب. وهو شعور بتسارع أو عدم انتظام أو رفرفة في ضربات القلب. كما قد يُعاني المصابون بفرط نشاط الغدة الدرقية من ارتفاع ضغط الدم. وفي حالة انسداد وتصلب شرايين القلب، قد يُؤدي اجتماع كل من زيادة قوة ضربات القلب مع ارتفاع ضغط الدم إلى ألم في الصدر أو ذبحة صدرية.

ولتلخيص أهم تأثيرات فرط نشاط الغدة الدرقية على القلب لدى مرضى شرايين أو صمامات أو عضلة القلب، نذكر منها:

- ارتفاع معدل ضربات القلب: يسبب تسارع ضربات القلب في أثناء الراحة على وجه الخصوص.

- زيادة كمية ضخ الدم: يعزز نتاج القلب وتدفق الدم.

- اضطراب إيقاع النظم القلبي: يحفز اضطرابات خطيرة في النظم القلبي مثل الرجفان الأذيني.

ولتوضيح آليات حصول تلك التأثيرات السلبية، فإن فرط نشاط الغدة الدرقية يُؤثر على القلب عن طريق زيادة كمية الدم التي يضخها القلب في النبضة الواحدة، وارتفاع معدل ضربات القلب، وزيادة قوة انقباض عضلة القلب. وهذه التأثيرات تحصل عبر مسارات خلوية جينومية Genomic Mechanisms وغير جينومية Nongenomic Mechanisms.

* تشمل الآليات الجينومية:

- نسخ الجينات: حيث يدخل هرمون الغدة الدرقية النشط الزائد إلى خلايا عضلة القلب ويرتبط بالمستقبلات النووية، ما يُغير من تعبير جينات مستهدفة محددة.

- زيادة إنتاج البروتينات: يزيد T₃ من إنتاج سلسلة الميوسين الثقيلة ألفا (ما يُحسّن سرعة الانقباض) ومضخة الكالسيوم في الشبكة الساركوبلازمية SERCA2، بينما يُقلل من الفوسفولامبان.

- تعزيز قوة الانقباض: تُحسّن هذه التغييرات من حركة الكالسيوم داخل الخلية، ما يجعل عضلة القلب تنقبض بقوة أكبر وتسترخي بسرعة أكبر.

* تشمل الآليات غير الجينومية:

- نشاط قنوات الأيونات: يعمل T₃ مباشرةً على غشاء الخلية لتغيير قنوات الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم.

* وتشمل آليات غير جينومية:

- التغيرات الكهربائية: يؤدي ذلك إلى تسريع إزالة الاستقطاب الانبساطي في منطقة منظم ضربات القلب (العقدة الجيبية الأذينية)، مما يُقصر جهد الفعل ويرفع معدل ضربات القلب في أثناء الراحة.

- التأثيرات الوعائية والجهازية.

- انخفاض المقاومة Lowered Resistance: يُرخي هرمون الغدة الدرقية العضلات الملساء في الأوعية الدموية، ما يُخفض المقاومة الوعائية الجهازية وضغط الدم الانبساطي.

- حالة فرط الديناميكية Hyperdynamic State: يستشعر الجسم انخفاضاً في الضغط، فيزيد حجم الدم والنتاج القلبي، مما يُجبر القلب على العمل بجهد أكبر. قد يؤدي هذا الجهد الإضافي إلى مضاعفات مثل تسرع القلب، وتضخم البطين الأيسر، أو الرجفان الأذيني.

هرمونات الغدة الدرقية تؤدي دوراً أساسياً في وظائف القلب والأوعية الدموية

اضطرابات الغدة الدرقية... حالات من الكسل وأخرى من زيادة النشاط

وفق ما يذكره أطباء كليفلاند كلينك، ينقسم قصور الغدة الدرقية بشكل رئيسي إلى أربعة أنواع بناءً على الجزء المتأثر من نظام تنظيم الهرمونات في الجسم. والأنواع الرئيسية لقصور الغدة الدرقية هي: - قصور الغدة الدرقية الأولي Primary Hypothyroidism: وهو النوع الأكثر شيوعاً، حيث تتضرر الغدة الدرقية نفسها ولا تستطيع إنتاج كمية كافية من الهرمونات. وتُعد أمراض المناعة الذاتية، مثل داء هاشيموتو، السبب الرئيسي له.

- قصور الغدة الدرقية الثانوي Secondary Hypothyroidism: يحدث هذا النوع النادر عندما تفشل الغدة النخامية الخاملة في إرسال الهرمون المنبه للغدة الدرقية TSH إلى الغدة الدرقية.

- قصور الغدة الدرقية الثالثي Tertiary Hypothyroidism: يحدث هذا النوع النادر جداً عندما لا تنتج منطقة الوطاء في الدماغ كمية كافية من الهرمون المطلق للثيروتروبين TRH، ما يعيق عمل الغدة النخامية بشكل صحيح. (غالباً ما يُجمع النوعان الثانوي والثالثي معاً تحت مسمى قصور الغدة الدرقية المركزي).

- قصور الغدة الدرقية تحت السريري Subclinical Hypothyroidism: وهو شكل خفيف من قصور الغدة الدرقية، حيث تكون مستويات هرمون TSH مرتفعة قليلاً، بينما تبقى مستويات هرمونات الغدة الدرقية الأخرى طبيعية. غالباً ما يزول هذا النوع من قصور الغدة الدرقية تلقائياً. وبالمقابل، ووفق ما يشير إليه المعهد الوطني الأميركي للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى، يحدث فرط نشاط الغدة الدرقية عندما تُنتج الغدة الدرقية كمية من هرمون الغدة الدرقية تفوق حاجة الجسم. والأنواع الشائعة والأسباب تشمل:

- داء غريفز Graves' Disease: اضطراب مناعي ذاتي يهاجم فيه الجهاز المناعي الغدة الدرقية، ما يُجبرها على إنتاج كميات زائدة من الهرمونات؛ وهو السبب الأكثر شيوعاً لفرط نشاط الغدة الدرقية. - تضخم الغدة الدرقية Goiter العقدي السام أو متعدد العقد (داء بلامر Plummer's disease): حالة تتكون فيها كتل أو عُقيدات غير سرطانية على الغدة الدرقية وتبدأ بإنتاج كميات زائدة من الهرمونات بشكل تلقائي.

- الورم الغدي السام Toxic Adenoma: عُقيدة واحدة غير طبيعية مفرطة النشاط (نمو) داخل الغدة الدرقية تُفرز كمية زائدة من الهرمون. - التهاب الغدة الدرقية Thyroiditis: التهاب أو تورم في الغدة الدرقية يُؤدي إلى تسرب الهرمونات المُخزنة إلى مجرى الدم، مما يُسبب فرط نشاط مؤقتاً.

- فرط نشاط الغدة الدرقية تحت الاكلينيكي Subclinical Hyperthyroidism: شكل خفيف يتميز بانخفاض مستوى هرمون تحفيز الغدة الدرقية (TSH) في الدم، مع مستويات طبيعية لهرموني T3و T4. وهناك التصنيفات الوظيفية التي تشمل: - فرط نشاط الغدة الدرقية الأولي Primary Hyperthyroidism: ينشأ هذا الخلل مباشرةً داخل الغدة الدرقية نفسها، حيث تفرز هرمونات زائدة. - فرط نشاط الغدة الدرقية الثانوي Secondary Hyperthyroidism: شكل نادر ينتج عن خلل، مثل ورم حميد، في الغدة النخامية يؤدي إلى فرط إنتاج هرمون TSH.

- فرط نشاط الغدة الدرقية الناتج عن العلاج Iatrogenic Hyperthyroidism: ينتج عن تناول جرعات زائدة من أدوية هرمون الغدة الدرقية الخارجية (مثل ليفوثيروكسين).


«جودة التمريض»... شريك أساسي في ضمان نتيجة العلاج

«جودة التمريض»... شريك أساسي في ضمان نتيجة العلاج
TT

«جودة التمريض»... شريك أساسي في ضمان نتيجة العلاج

«جودة التمريض»... شريك أساسي في ضمان نتيجة العلاج

لنتخيل مريضين متقاربين في العمر والحالة الصحية، خضع كل منهما لعملية جراحية ناجحة. خرج الاثنان من غرفة العمليات بحالة مستقرة وتلقيا العلاج المقرر، لكن الأيام التالية سلكت بهما مسارين مختلفين.

كان المريض الأول قليل الحركة ومعرضاً لإصابات الضغط (الجسدي)، المعروفة شائعاً بقرح الفراش. لم تُكتشف عوامل الخطورة لديه مبكراً، أو لم تُتخذ الإجراءات الوقائية بالفاعلية المطلوبة، فتأخرت بعض إجراءات الوقاية والمراقبة، وظهرت خلال إقامته إصابة لم تكن موجودة عند دخوله المستشفى، استدعت علاجاً إضافياً وأطالت إقامته.

أما المريض الآخر، فقد جرى تقييم عوامل الخطورة لديه مبكراً، مع مراقبة جلده وحركته واتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة، فغادر المستشفى من دون هذه المضاعفة.

هاتان الحالتان افتراضيتان للتوضيح، كما أن حدوث إصابات الضغط لا يعني دائماً وجود تقصير تمريضي؛ فهي تتأثر بحالة المريض ومرضه وحركته وتغذيته وتروية أنسجته وعوامل أخرى. لكن المقارنة تكشف جانباً مهماً في رحلة العلاج؛ فقد تنجح العملية الجراحية، ويكون الدواء صحيحاً، والخطة العلاجية سليمة؛ لكن النتيجة النهائية للمريض تعتمد أيضاً على ما يحدث في الساعات والأيام بين هذه القرارات الطبية. وهنا يؤدي التمريض دوره الأكثر حضوراً عند سرير المريض.

برنامج "ماجنت" للتميز

جودة الرعاية

تعرف «منظمة الصحة العالمية» جودة الرعاية بأنها الدرجة التي تزيد بها الخدمات الصحية المقدمة للأفراد والمجتمعات احتمال الوصول إلى النتائج الصحية المنشودة، بما يتفق مع المعرفة المهنية المبنية على الدليل. وتشمل أبعادها الأساسية أن تكون الرعاية فعالة وآمنة ومتمحورة حول الإنسان، وفي الوقت المناسب، وعادلة ومتكاملة وكفؤة.

وفي قلب هذه المنظومة يأتي التمريض؛ فبحكم قرب الممرض من المريض، فإنه يراقب حالته واستجابته للعلاج، ويساعد في الوقاية من المضاعفات، ويلتقط التغيرات التي قد تنذر بتدهورها. ومن هنا يمكن اختصار أحد أهم أدواره في ثلاث كلمات: المراقبة... الوقاية... الاستجابة.

• عندما تكون الدقائق مهمة. قد يبدأ تدهور المريض بتغير بسيط: اضطراب في مستوى الوعي، أو انخفاض في ضغط الدم، أو ارتفاع في معدل التنفس، أو شكوى جديدة تبدو عابرة. وبحكم وجوده المستمر بالقرب من المريض، قد يكون الممرض من أوائل أعضاء الفريق الصحي الذين يلتقطون هذه الإشارات. وتكتسب هذه المراقبة أهمية خاصة فيما يعرف طبياً بـ«الفشل في الإنقاذ» (Failure to Rescue)، وهو مؤشر يتعلق بوفاة المريض بعد حدوث مضاعفة خطيرة قابلة للعلاج.

وتدعم الدراسات أهمية هذا الدور؛ ففي دراسة نشرت عام 2024 في «International Journal of Nursing Studies» شملت أكثر من 63 ألف حالة دخول إلى المستشفى ونحو 30 ألف واقعة تدهور سريري، ارتبط كل مريض إضافي في عبء العمل لكل ممرض، بارتفاع احتمالية الوفاة داخل المستشفى خلال 30 يوماً بنحو 22 في المائة، كما ارتبط تفويت بعض أعمال مراقبة المرضى بارتفاع الخطر. ولا تعني هذه العلاقة أن عبء العمل وحده يحدد مصير المريض، لكنها تبرز أهمية الوقت المتاح للمراقبة في سلامته.

• هل يكفي أن يكون الممرض جيداً؟ ليس دائماً؛ فقد يكون الممرض مؤهلاً وذا خبرة، لكن عبء العمل المرتفع، أو ضعف التواصل والاستجابة للإنذارات السريرية، أو نقص الموارد والدعم، قد يحدّ من قدرته على تقديم الرعاية بالمستوى المطلوب. ومن هنا يبرز مفهوم «الرعاية التمريضية المفقودة» (Missed Nursing Care)؛ أي جوانب ضرورية من الرعاية تتأخر أو لا تنفذ بسبب ضغوط الوقت أو نقص الموارد وعوامل تنظيمية أخرى.

وتشير مراجعة منهجية نشرت عام 2025، إلى ارتباط الرعاية التمريضية المفقودة بأحداث سلبية، من بينها السقوط والعدوى وإصابات الضغط والأخطاء الدوائية، مع تفاوت الدراسات في تصميماتها وعدم إثباتها جميعاً علاقة سببية مباشرة. وهنا تظهر حقيقة مهمة: جودة التمريض مسؤولية الممرض، لكنها أيضاً مسؤولية النظام الذي يضعه عند سرير المريض.

• بيئة تصنع الجودة. لا تقاس البيئة التمريضية عالية الجودة بعدد الممرضين وحده؛ بل بتوافر العدد والمزيج المناسبين من المهارات والخبرات بما يتلاءم مع احتياجات المرضى. كما تقوم على الممارسة المبنية على الدليل، والتطوير والقيادة الداعمة، والتواصل الفعال وإشراك المريض وقياس النتائج.

ولا يكون الممرض في هذه البيئة مجرد منفذ للخطة العلاجية؛ بل يكون عضواً سريرياً يراقب ويقيّم وينبه ضمن نطاق ممارسته. كما تقتضي ثقافة السلامة اكتشاف المخاطر والإبلاغ عنها والتعلم منها، وتعديل الأنظمة بما يقلل احتمال تكرارها.

مؤشرات الرعاية التمريضية

• للجودة بصمة يمكن قياسها. لكن كيف نعرف أن ذلك ينعكس على المريض؟ هنا تظهر «المؤشرات الحساسة للرعاية التمريضية» (Nursing-sensitive indicators)، وهي مؤشرات تتأثر بجودة الرعاية التمريضية من دون أن يكون التمريض سببها الوحيد؛ مثل إصابات الضغط المكتسبة داخل المستشفى، والسقوط المصحوب بإصابات، وبعض مؤشرات العدوى المرتبطة بالرعاية.

وعندما تجمع المؤسسة هذه البيانات وتقارنها عبر الوحدات والفترات الزمنية والمعايير المرجعية، تبدأ الأنماط في الظهور. وهكذا تنتقل الجودة من انطباع إلى نتيجة قابلة للقياس.

• الجودة كما يقيسها النظام وكما يعيشها المريض. مع أهمية هذه المؤشرات، فإن الأرقام لا تروي وحدها قصة جودة الرعاية كاملة؛ فالمؤسسة قد تنظر إلى الجداول والمؤشرات، بينما يعيش المريض الجودة في تفاصيل يومية: أن يجد من يستمع إليه ويستجيب لألمه، وأن يشعر بالأمان، ويشارك في رعايته وفق احتياجاته وتفضيلاته، ويغادر المستشفى وهو يفهم كيف يعتني بنفسه.

فالجودة في النهاية لها وجهان متكاملان: ما تقوله البيانات، وما يعيشه المريض.

• من المعايير إلى «ماجنت». إذا كانت جودة التمريض بهذا التعقيد، فكيف تستطيع مؤسسة صحية أن تعرف أنها بنت بالفعل بيئة تسمح للممرض بتقديم هذا المستوى من الرعاية؟

هناك نماذج وأطر مختلفة للتقييم، ومن أشهرها عالمياً برنامج «ماجنت» (Magnet Recognition Program®) التابع لمركز الاعتماد الأميركي للتمريض (ANCC)، الذي يقيّم بيئة الممارسة والقيادة والتمكين المهني والابتكار، إلى جانب النتائج الفعلية القابلة للقياس. ويمنح البرنامج مستوى أعلى من التميز (Magnet with Distinction) للمؤسسات التي لا تكتفي بتحقيق متطلبات «Magnet»، وإنما تتجاوز حدود الأداء المطلوبة وفق معايير تستند إلى بيانات فعلية، من بينها الأداء المتميز في تجربة المرضى والمؤشرات الحساسة للتمريض.

وتشير مراجعات علمية إلى ارتباط مستشفيات «Magnet» بنتائج أفضل في عدد من المؤشرات؛ منها الوفيات ورضا المرضى والفشل في الإنقاذ والسقوط، لكن النتائج ليست متسقة في جميع المؤشرات. كما لا يمكن نسبة هذه الفروق إلى الاعتماد وحده؛ إذ قد تتمتع المؤسسات الحاصلة عليه أصلاً بموارد وبيئات عمل مختلفة.

وهنا لا تكمن قيمة الاعتماد في الاسم المعلق على الجدار، وإنما في السؤال الأهم: هل تستطيع المؤسسة إثبات جودة ممارساتها بنتائج مرضاها؟

التمريض يؤدي دوره الأكثر حضوراً عند سرير المريض بهدف تأمين رعاية فعالة وكفوءة وآمنة في الوقت المناسب

تجربة سعودية تحت الاختبار

من هذه الزاوية تكتسب تجربة سعودية حديثة أهميتها؛ فقد أعلن مركز «جونز هوبكنز أرامكو الطبي» (JHAH) في سبتمبر (أيلول) 2026، حصوله على «Magnet Recognition® with Distinction» عبر مرافقه الخمسة في الظهران ورأس تنورة والأحساء وبقيق والعضيلية، من خلال تقييم موحد للمنظومة الصحية. ووفق المركز، أصبح بذلك أول منظومة صحية متعددة المستشفيات خارج الولايات المتحدة تحقق هذا المستوى على امتداد جميع مرافقها.

ولعل الأكثر صلة بموضوع جودة التمريض ليس الاسم الذي حصل عليه المركز، وإنما ما خضع للقياس؛ فقد استند التقييم إلى بيانات الأداء السريري وتجربة المرضى على مدى 8 أرباع سنوية متتالية في وحدات الرعاية الداخلية والعيادات الخارجية. ووفق البيانات المنشورة، حققت جميع وحدات المرضى النزلاء المؤهلة أداءً أفضل من المعايير المرجعية الدولية في إصابات الضغط المكتسبة داخل المستشفى من المرحلة الثانية فما فوق، وإصابات الضغط المرتبطة بالأجهزة الطبية، وارتشاح السوائل من القساطر الوريدية الطرفية. كما حققت جميع وحدات العيادات الخارجية المؤهلة أداءً أفضل من المعايير المرجعية في السقوط المصحوب بإصابات، وحروق المرضى، والأخطاء الجراحية.

وهنا تعيدنا الأرقام إلى المريض الافتراضي الذي بدأنا به؛ فإصابات الضغط هي بالفعل أحد المؤشرات التي يمكن أن تكشف جانباً من جودة الرعاية المقدمة.

• التميز عبر منظومة كاملة. وفي قراءته للإنجاز، يربطه الدكتور هوارد بودولسكي، الرئيس التنفيذي لمركز «جونز هوبكنز أرامكو الطبي»، بالمعايير التي رسختها فرق العمل عبر مختلف أقسام المركز ومرافقه.

ويقول الدكتور بودولسكي: «هذا التقدير ليس إنجازاً استثنائياً فحسب؛ بل شهادة تقدير لجميع ممرضينا والزملاء الذين يدعمونهم يومياً في أداء رسالتهم. إن حصولنا على اعتماد (ماجنت بمرتبة التميز) عبر جميع مرافقنا يجسد المعايير الرفيعة التي رسختها فرقنا في جميع أقسام ومرافق المركز».

وتكتسب فكرة الاتساق أهمية خاصة في منظومة متعددة المواقع؛ فالجودة لا تقاس بوجود وحدة متميزة هنا أو فريق ناجح هناك، وإنما بقدرة النظام على تقديم مستوى متقارب من الرعاية والنتائج أينما تلقى المريض خدمته.

• الممرضون في قلب الإنجاز. ومن مستوى المنظومة إلى الممارسة اليومية، يضع الدكتور هاني عيّاد، رئيس التمريض في مركز «جونز هوبكنز أرامكو الطبي»، الممرضين أنفسهم في قلب هذا الإنجاز.

ويقول الدكتور عياد: «هذا الإنجاز هو أولاً وقبل كل شيء إنجاز لممرضينا، الذين كانت خبرتهم وقيادتهم والتزامهم تجاه المرضى الأساس الذي بُني عليه هذا النجاح. ويكتسب تحقيق هذا المستوى من التميز بصورة متسقة عبر منظومتنا الصحية بأكملها أهمية خاصة. وسنسعى للمحافظة على هذه المعايير من خلال مواصلة تطوير الكفاءات التمريضية والارتقاء بمستوى الرعاية المقدمة للمرضى والمجتمعات التي نخدمها».

وهنا تبرز مسألة لا تقل أهمية عن الوصول إلى معيار التميز: المحافظة عليه؛ فجودة التمريض لا تثبت في يوم التقييم وحده، وإنما في استمرار الممارسات والنتائج عندما يعود العمل إلى إيقاعه اليومي.

* استشاري طب المجتمع


«اضطرابات النمو العصبي» وأثرها على الأداء الأكاديمي

«اضطرابات النمو العصبي» وأثرها على الأداء الأكاديمي
TT

«اضطرابات النمو العصبي» وأثرها على الأداء الأكاديمي

«اضطرابات النمو العصبي» وأثرها على الأداء الأكاديمي

كشفت ورقة بحثية حديثة أعدها باحثون من جامعة كوين ماري وجامعة رويال هولواي في لندن، ونُشرت في مجلة الطب النفسي «Molecular Psychiatry» في مطلع شهر يوليو (تموز) من العام الحالي، عن ضرورة تغيير الطريقة التي يتم التعامل بها مع آثار اضطرابات النمو العصبي على الأداء الأكاديمي للطلاب، والتعامل معها على أنها مجموعة واسعة من السمات العصبية بدلاً من النظر إليها على أنها حالات منفردة.

تقييم وإعادة نظر

تشير الدراسة إلى ضرورة إعادة النظر في المشاكل العصبية المختلفة المرتبطة بالنمو والعملية الدراسية، مثل التوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة وعسر القراءة (الديسليكسيا) على أنها حالات فردية، والتعامل مع كل مشكلة بشكل منفصل، ولكن يجب أن يتم التعامل مع كل مشكلة على أنها جزء من مجموعة كبيرة من السمات العصبية المشتركة، أو ما يُعرف بـ(اضطراب طيف النمو العصبي neurodevelopmental spectrum)، للوصول لأفضل الطرق للتعامل مع هؤلاء الأطفال.

في الدراسة التي تُعد الأولى من نوعها التي تحاول فهم الكيفية التي ترتبط بها سمات حالات النمو العصبي المختلفة مع النتائج الأكاديمية للأطفال المصابين بهذه الاضطرابات، قام الباحثون باستخدام بيانات لأكثر من 10 آلاف طفل في المملكة المتحدة تم أخذها من دراسة التوأم للنمو المبكر، وتمت متابعتهم من سن السابعة وحتى السادسة عشرة.

من المعروف أن الصعوبات الدراسية تُعد من أهم المشاكل التي تواجه الأسر التي يوجد بها طفل مصاب بحالة من اضطرابات النمو العصبي. وخلافاً للتصور العام هذه الاضطرابات شائعة بين الطلاب، وعلى وجه التقريب هناك نسبة تبلغ نحو 15 في المائة من الأفراد حول العالم تعاني من حالة واحدة أو أكثر من حالات النمو العصبي.

وأوضح الباحثون أن التركيز على حالات النمو العصبي بشكل فردي يؤدي إلى إغفال الحالات الأخرى المتزامنة معها والاحتياجات المرتبطة بها؛ لأن معظم الأشخاص الذين يعانون من حالات النمو العصبي لديهم في الأغلب أكثر من حالة واحدة، أو تظهر لديهم سمات لحالات عصبية أخرى، ما يجعلهم في احتياج لمعالجة كل هذه المشاكل معاً.

وعلى سبيل المثال، فإن الطفل الذي يعاني من نقص الانتباه وفرط النشاط ويخضع للعلاج السلوكي والدوائي، في الأغلب يعاني من مشكلة نمو أخرى مثل عسر القراءة، ولكن مع الأسف لا يتم علاج هذه المشكلة؛ لأن تقييم حالة الطفل يتم بشكل منفرد ولا يتم التعامل مع نقص الانتباه وفرط النشاط كما لو كان جزء من (طيف النمو العصبي)، ولكن كمرض منفصل، وبالتالي يتراجع الأداء الدراسي للطفل على الرغم من التزام الأسرة بالعلاج.

قام الباحثون بجمع المعلومات المتعلقة بالنمو والتطور العصبي والعوامل الوراثية والبيئية، لفهم طبيعة هذا الطيف الجديد (طيف النمو العصبي)، كما درسوا كيفية ارتباط هذا الطيف بمجموعة أكبر من التحديات العاطفية والسلوكية، وقالوا إن فهم التحديات العصبية لهؤلاء الأطفال يُمكّن الأسرة من التنبؤ بالنتائج المستقبلية لهم في الحياة الواقعية، ويوضح مدى احتياجهم لطرق تعليمية خاصة حتى يستطيعوا مواصلة التحصيل الدراسي مثل أقرانهم الأصحاء.«طيف عصبي» مشترك

لم تكن صعوبات الانتباه، واختلافات التواصل الاجتماعي (طيف التوحد) ومشاكل التعلم حالات منفصلة، بل كانت تندرج جميعها ضمن طيف عصبي مشترك واحد، له طبيعة وراثية قوية وتستمر مع التقدم في العمر، حيث أظهرت تحليلات التوائم أن نسبة التوريث لهذا الطيف تتراوح بين 60 في المائة و82 في المائة طوال مراحل النمو.

وأوضحت النتائج أن التعامل مع سمات النمو العصبي كطيف مجمع، أظهر ارتباطاً قوياً بالأداء الأكاديمي والتحديات المرتبطة به، وأسهم بشكل كبير في فهم الاختلاف في النتائج الأكاديمية بين الأطفال، التي تعاني من طيف النمو العصبي والأطفال العادية، وكان الأطفال الذين حصلوا على درجات كبيرة في سمات طيف النمو العصبي (ما يعني أنهم يعانون من أكثر من اضطراب في النمو العصبي)، هم أصحاب الدرجات الأقل على المستوى الأكاديمي.

أكد الباحثون أن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً مستمراً في الجهود التي تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم حالات اضطرابات النمو العصبية، باعتبارها شكلاً من أشكال ما يمكن تسميته (الاختلاف العصبي) عن الأطفال الطبيعيين لرفع الوصم عن هؤلاء الأطفال، لذلك لا بد من التعامل مع هذه الحالات وتشخيصها وعلاجها من خلال تقييم مشترك من المتخصصين (مثل الطبيب النفسي للأطفال، واختصاصي التخاطب واللغة).

ويجب أن يكون لنتائج هذه الدراسة آثار بالغة الأهمية في تحسين خدمات الأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، وتخصيص رعاية نفسية خاصة لهم؛ لمساعدتهم على التغلب على المشكلات الدراسية والاجتماعية، عن طريق استخدام مناهج معينة قائمة على تفهم الاحتياجات المختلفة، تتجاوز التصنيفات التشخيصية التقليدية في المدارس والعيادات.

ونصحت الدراسة بضرورة إجراء تعديلات جوهرية في طرق الدراسة الخاصة، تناسب احتياجات كل طفل لتحقيق أفضل نتائج تعليمية لهؤلاء الأطفال. وعلى سبيل المثال، فإن بعض الأطفال الذين يعانون من التوحد ومصابين بفرط الحركة ونقص الانتباه يحتاجون إلى تقديم المعلومات الدراسية بالصوت والصورة والأداء الحركي حتى يمكنهم التركيز.

وفي المقابل، فإن الأطفال الذين يعانون من التوحد وعسر القراءة، يجب أن يتم توفير بيئة هادئة لهم من خلال تقليل الضوضاء وتجنب الإضاءة القوية، وتشجيعهم على التعبير عن أنفسهم عن طريق الرسم وليس فقط بالكتابة التقليدية، مع الالتزام بتعاليم المناهج التعليمية الأساسية بطبيعة الحال، ولكن مع مراعاة الظروف المختلفة لهؤلاء الأطفال.

* استشاري طب الأطفال