ما هي أبرز التحولات الحديثة في علاج أمراض القلب؟

10 حقائق علمية تعيد تشكيل فهم الداء وإدارته والوقاية منه

ما هي أبرز التحولات الحديثة في علاج أمراض القلب؟
TT

ما هي أبرز التحولات الحديثة في علاج أمراض القلب؟

ما هي أبرز التحولات الحديثة في علاج أمراض القلب؟

يشهد مجال أمراض القلب تحولات علمية متسارعة لم تعد تُقاس بزمنٍ محدد؛ بل بمدى تأثيرها العميق على الوقاية والتشخيص والعلاج. فقد أسهم التراكم البحثي الحديث في إعادة صياغة مفاهيم التعامل مع عوامل الخطر القلبية، وتوسيع دور أدوية السمنة والسكري في الرعاية القلبية، إلى جانب تحديثات جوهرية في الإرشادات العلاجية الدولية.

في هذا الموضوع نستعرض أهم التطوّرات الحديثة التي أسهمت في تغيير طريقة الوقاية والعلاج من أمراض القلب المختلفة، مع التركيز على انعكاساتها السريرية المباشرة على صحة المرضى.

أبرز التحولات العلمية الحديثة

مع تسارع وتيرة الأبحاث الطبية في مجال أمراض القلب، وتنوّع محاورها بين الوقاية والعلاج والتدخلات المتقدمة، تبرز تساؤلات عديدة حول ما تعنيه هذه التطورات عملياً لصحة القلب، وكيف تنعكس على القرارات العلاجية اليومية، وما الذي تغيّر فعلياً في التعامل مع أمراض القلب الشائعة مثل ضغط الدم، وفشل القلب، واضطرابات النظم، وأمراض الصمامات.

وللإجابة عن هذه التساؤلات، واستعراض أبرز التحولات العلمية الحديثة في هذا المجال، استضفنا الدكتور حسان شمسي باشا، استشاري أمراض القلب في المركز الأوروبي الطبي بجدة، الذي قدّم قراءة علمية مبسّطة لأهم التطورات البحثية المعاصرة، موضحاً أثرها السريري على المرضى والممارسين الصحيين.

د. حسان شمسي باشا

وفيما يلي، نقدّم ملخصاً لأبرز ما ورد في إجاباته، مصنّفاً في عشرة محاور (حقائق) علمية رئيسية تمثل أبرز التحولات الحديثة في أمراض القلب، والتي تغطي طيفاً واسعاً من أمراض القلب؛ بدءاً من عوامل الخطر القلبية الشائعة، مروراً بالعلاجات الدوائية الحديثة، وانتهاءً بالتدخلات التداخلية المتقدمة.

1. التحكم في ضغط الدم. من الأدوية. التقليدية إلى العلاجات الموجهة

لا يزال ارتفاع ضغط الدم أحد أبر عوامل الخطر القلبية وأكثرها شيوعاً وقابلية للوقاية. وتشير الإرشادات الحديثة الصادرة عن جمعية القلب الأميركية (AHA)، إلى أن ما يقارب نصف البالغين في الولايات المتحدة يعانون من ارتفاع ضغط الدم، ما يجعله المحرك الأساسي لأمراض القلب والأوعية الدموية، والعامل الأكثر شيوعاً وقابلية للوقاية المسببة لأمراض القلب.

ويؤكد الدكتور باشا أن فوائد ضبط ضغط الدم لا تقتصر على حماية القلب فحسب؛ بل تمتد لتشمل تقليل خطر الإصابة بالخرف، وفقاً لدراسة نُشرت في مجلة «Nature Medicine». وفي اختراق علاجي مهم، أظهرت أبحاث منشورة في «The New England Journal of Medicine»، أن إضافة دواء جديد يُدعى باكسدروستات (Baxdrostat) قد تساعد في السيطرة على حالات فرط الضغط المقاومة للعلاج، عبر تثبيط إنزيم مسؤول عن إنتاج هرمون الألدوستيرون، الذي يؤثر في ضغط الدم من خلال تنظيم مستويات الصوديوم والبوتاسيوم.

عوامل الخطر القلبية

2. عوامل الخطر القلبية: متلازمة القلب والكلى والسكري والاستقلاب،.من الواضح أن الوعي بحجم عوامل الخطر القلبية ودورها في مرض «القلب - الكلية - الاستقلاب» قد تنامى عالمياً، فالأبحاث الحديثة تثبت أن هناك خمسة عوامل خطر قابلة للتعديل؛ هي: ارتفاع ضغط الدم، وزيادة الوزن غير الصحية، وارتفاع الكولسترول، والتدخين، والسكري، وهي مسؤولة عن نحو نصف العبء العالمي لأمراض القلب والأوعية الدموية.

وأوضح الدكتور باشا أن تأثير هذه العوامل لا يقتصر على القلب وحده؛ بل يمتد ليشمل الكلى والتمثيل الغذائي والسكري، ضمن ما يُعرف بمتلازمة «القلب - الكلية - الاستقلاب»، وهي حالة تم تعريفها حديثاً تؤثر فيما يقرب من 90 في المائة من البالغين.

وقد أظهرت دراسة حديثة أخرى أن الأشخاص المصابين بمراحل متقدمة من هذه المتلازمة، كانوا أكثر عرضة للوفاة القلبية الوعائية بنسبة تقارب 10 في المائة خلال 15 عاماً، مقارنة بغير المصابين بهذه المتلازمة.

3. النوم: مفتاح صحة القلب. عد الحصول على قسط كافٍ من النوم عاملاً أساسياً بات تأثيره مثبتاً علمياً على صحة القلب، وهو أحد مقاييس «الأساسيات الثمانية للحياة الصحية» التي حددتها جمعية القلب الأميركية.

وأشار الدكتور باشا إلى أبحاث منشورة في مجلة «Sleep»، تظهر أن تعويض قلة النوم خلال عطلة نهاية الأسبوع قد يقلل خطر تكلس «تراكم الكالسيوم» الشرايين التاجية، وهو مؤشر مبكر لأمراض القلب. وشملت الدراسة أكثر من 1800 بالغ، كان لدى مَن زادوا نومهم أكثر من 90 دقيقة في عطلة نهاية الأسبوع، درجات تكلس أقل خلال 5 سنوات مقارنة بغيرهم.

كما بيّنت دراسة أخرى أجريت على المراهقين، أن اضطراب مواعيد النوم ارتبط بتغيرات غير صحية في تباين معدل ضربات القلب، ما يؤكد أهمية التدخل لتحسين أنماط النوم مبكراً من أجل الوقاية من مشكلات قلبية واستقلابية مستقبلاً.4. مضادات الصفيحات مع الأسبرين: العلاج الأقل قد يكون هو الأفضل. يقول الدكتور باشا إن هناك دراسات حديثة حول الاستخدام المزمن لمضادات الصفيحات مع الأسبرين، وما إذا كان التقليل منها هو الأفضل، حيث أعادت النظر في الاستخدام المزمن المشترك لمضادات الصفيحات والأسبرين لدى مرضى المتلازمة التاجية المزمنة والذين لديهم دعامات.

وقد أُوقف الباحثون إحدى الدراسات مبكراً بعد ملاحظة ارتفاع معدلات المضاعفات الخطيرة لدى المرضى الذين تلقوا الأسبرين، إلى جانب مضادات الصفيحات مقارنة بمن استخدموا مضادات الصفيحات وحدها. وشملت هذه المضاعفات زيادة في الوفيات القلبية الوعائية والنوبات القلبية والسكتات الدماغية والجلطات والنزيف الشديد، ما يدعم مفهوم أن تقليل العلاج قد يكون أحياناً الخيار الأكثر أماناً، ويظل القرار للطبيب المعالج فهو أدرى بحالة مريضه.

أدوية فعالة

5. تأثيرات أدوية إنقاص الوزن وسكر الدم على أمراض القلب - ثورة علاجية تتجاوز السكري

لم تعد مناهضات مستقبلات «GLP-1» مجرد أدوية لضبط سكر الدم أو إنقاص الوزن؛ بل أصبحت عنصراً واعداً في الوقاية القلبية، حيث تعززت مكانة هذه الأدوية «GLP-1/GIP» ضمن رعاية مرضى السكري عالي الخطورة قلبياً، مع دليل قوي على السلامة القلبية وإشارة إلى فائدة محتملة.

واستشهد الدكتور باشا بدراسات دولية أظهرت أن أدويةً مثل «تيرزيباتايد» (Tirzepatide) قد تفيد المرضى المصابين بفشل القلب المترافق بوظيفة انقباضية جيدة للقلب، كما أظهرت دراسة أخرى أن «سيماغلوتايد الفموي» (بديل الحقن تحت الجلد) أدى إلى انخفاض في خطر النوبات القلبية غير المميتة أو السكتات الدماغية أو الوفيات القلبية لدى مرضى السكري من النوع الثاني مرتفعي الخطورة المعرضين لخطر قلبي وعائي مرتفع.

6. خفض الكولسترول المكثف: دور متقدم لمثبطات «PCSK9». كشفت دراسة «VESALIUS-CV» أن إضافة مثبط «PCSK9» (إيفولوكوماب) إلى العلاج الخافض للدهون القياسي، أدت إلى خفض ملموس في الأحداث القلبية الوعائية الكبرى لدى المرضى مرتفعي الخطورة القلبية، حتى في غياب تاريخ سابق لاحتشاء عضلة القلب أو السكتة الدماغية.

وأوضح الدكتور باشا أن هذه النتائج تُعد أول دليل واسع النطاق يدعم فائدة الخفض المكثف لـ«LDL» في الوقاية القلبية المبكرة لدى فئات مختارة عالية الخطورة، دون إثبات حاسم لتقليل الوفيات الكلّية.

5 عوامل خطر قابلة للتعديل هي: ارتفاع ضغط الدم وزيادة الوزن غير الصحية وارتفاع الكوليسترول والتدخين والسكري

إصلاح القلب

7. عجز القلب: نهج ثوري من السيطرة على الأعراض إلى إصلاح العضلة القلبية. يتجه العلماء والباحثون نحو إصلاح القلوب الفاشلة وإعادة تعضيلها على المستوى الخلوي؛ ففي دراسة نُشرت بمجلة «Nature»، أظهر الباحثون إمكانية إعادة هندسة أنسجة القلب باستخدام الخلايا الجذعية. كما كشفت أبحاث منشورة في مجلة «Circulation Research» عن بروتين قلبي دقيق يُدعى «DWORF» قد يكون هدفاً علاجياً واعداً لفشل القلب وتحسين وظيفة عضلاته.

8- الرجفان الأذيني: إعادة تقييم دور إغلاق الزائدة الأذينية اليسرى.أظهرت دراسة «CLOSURE-AF» نتائج مفاجئة من أن العلاج الطبي التقليدي قد تفوق على إغلاق الزائدة الأذينية اليسرى (LAAO) لدى مرضى الرجفان الأذيني مرتفعي الخطورة، ما شكّل تحدياً لمفاهيم علاجية سابقة، ودعا إلى إعادة تقييم معايير اختيار المرضى للتدخلات التداخلية، كشفت عنها الجلسات العلمية الأخيرة لجمعية القلب الأميركية (AHA) لعام 2025.

9. التدخين المبكر: أضرار قلبية تبدأ قبل سن البلوغ. تطرق الدكتور باشا إلى دراسة آفون الطولية، للآباء والأطفال، التي سلطت الضوء على الأثر المدمر للتدخين في مراحل مبكرة من الحياة؛ فقد أظهرت هذه الدراسة، المنشورة في مجلة الكلية الأميركية للقلب (Journal of the American College of Cardiology) بعد متابعة لأكثر من 1900 طفل في إنجلترا من عمر 10 إلى 24 عاماً، أن التدخين المستمر منذ الطفولة ارتبط بزيادة تتراوح بين 33 في المائة و52 في المائة في خطر حدوث أذيات بنيوية ووظيفية مبكرة في القلب، بعد ضبط عوامل الخطر الأخرى، ما يعزز أهمية الوقاية من التدخين وآثاره المبكرة لدى اليافعين.

10. تضيّق الصمام الأبهري: العلاج المبكر أفضل من المراقبة وحدها.أوضح الدكتور حسان شمسي باشا أن تضيّق الصمام الأبهري يُعدّ من أكثر أمراض صمامات القلب شيوعاً، حيث تشير تقارير جمعية القلب الأميركية إلى إصابة نحو 12 في المائة من الأميركيين بعمر 75 عاماً فأكثر بتضيّق الصمام الأبهري الذي قد يؤدي، إن تُرك دون علاج، إلى فشل القلب والوفاة.

وتوصي الإرشادات الحالية بالمراقبة الدورية كل 6 إلى 12 شهراً للأشخاص المصابين بتضيّق شديد دون أعراض مع وظيفة جيدة لعضلة القلب.

وتشير أبحاث حديثة منها ما نُشر في «The New England Journal of Medicine»، إلى أن التدخل المبكر باستبدال الصمام الأبهري عبر القسطرة (TAVR)، قد يكون خياراً أفضل لكثيرين، حيث يتم إدخال قسطرة عبر الشريان الرئيسي (الأبهر) إلى القلب، لوضع صمام جديد وتوسيعه داخل الصمام القديم، وذلك من دون اللجوء إلى عملية جراحية.

وأوصت الإرشادات الدولية الجديدة، في تحديثاتها الأخيرة، إلى خفض العمر المحدد للتأهل لزرع الصمام الأبهري عبر القسطرة (TAVI)، ووسّعت دور التصوير المقطعي للشرايين التاجية (CTA) في التخطيط للإجراء العلاجي.

وفي ضوء هذه التحولات العلمية المتسارعة، يتضح أن التعامل مع أمراض القلب لم يعد قائماً على وصفات علاجية ثابتة؛ بل على فهم متجدد لعوامل الخطر، واختيار أدق للعلاج الأنسب لكل مريض، في الوقت المناسب.

فالتقدم الحقيقي في طب القلب لا يُقاس بعدد الدراسات المنشورة؛ بل بقدرته على تحسين جودة الحياة، وتقليل المضاعفات، وإطالة العمر الصحي للمرضى.

وتؤكد هذه الحقائق العشر أن الوقاية المبكرة، وتعديل نمط الحياة، والالتزام بالعلاج، إلى جانب الاستفادة الواعية من الابتكارات الدوائية والتداخلية الحديثة، تشكل مجتمعة حجر الأساس لمستقبل أكثر أماناً لصحة القلب. ويبقى الدور الأهم مشتركاً بين الطبيب والمريض، في تحويل المعرفة العلمية إلى ممارسة يومية تحمي القلب وتدعم صحة الإنسان على المدى الطويل.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

صحتك تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)

فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

مع اقتراب موسم البرد والإنفلونزا، يعود السؤال المعتاد إلى الواجهة: أيهما أكثر فائدة لدعم جهاز المناعة، فيتامين «سي» أم فيتامين «د»؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك نوبة الهلع تبدأ عادةً بصورة مفاجئة ثم تصل الأعراض إلى ذروتها في غضون نحو عشر دقائق (بيكسلز)

نوبة هلع مفاجئة... 7 أعراض قد تشعر بها

قد تبدأ نوبة الهلع من دون سابق إنذار، وفي لحظة لا تتوقع فيها حدوثها؛ فقد تظهر وأنت تمشي في الشارع، أو تؤدي أعمالك المنزلية، أو حتى تستيقظ بسببها من نوم عميق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك طبق يحتوي بذور الشيا والتوت الأزرق والخوخ وبذور اليقطين (بيكسلز)

وجبة خفيفة من 3 مكونات قد تحسن نومك... ما حقيقتها؟

قد لا يكون الطعام أول ما تفكر فيه عندما تبحث عن طريقة لتحسين نومك، إلا إن «ما تتناوله خلال اليوم»، وكذلك «توقيت تناول وجباتك»، يمكن أن يؤثرا في جودة النوم...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بذور الشيا قد تكون إضافة مميزة إلى المربى المنزلية (بيكسلز)

كيف تتناول بذور الشيا؟ 5 أفكار صحية وسريعة

قد تبدو بذور الشيا صغيرة وبسيطة، لكنها تُعد من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية، ويمكن إدخالها بسهولة في الوجبات اليومية بطرق متنوعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تحتوي بذور الحلبة على ألياف ومركبات قد تساعد في تحسين التحكم بمستويات سكر الدم (بيكسلز)

ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول الحلبة يومياً؟

قد يساعد تناول الحلبة يومياً على خفض مستويات سكر الدم، إذ تحتوي بذورها على ألياف ومركبات قد تبطئ امتصاص الكربوهيدرات وتحسن استجابة الجسم للإنسولين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة تحذر: المشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد خطر سرطان المعدة 3 أضعاف

وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة تحذر: المشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد خطر سرطان المعدة 3 أضعاف

وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في «Mass General Brigham» عن أن تناول مشروب محلى بالسكر يومياً قد يرتبط بارتفاع كبير في خطر الإصابة بسرطان المعدة.

وبعد أخذ عوامل الخطر الأخرى في الاعتبار، وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمن يتناولون أقل من مشروب واحد شهرياً.

وتكتسب النتائج أهمية في ظل الانتشار الواسع لاستهلاك هذه المشروبات، إذ تشير بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن نحو 63 في المائة من البالغين الأميركيين يتناولون المشروبات المحلاة بالسكر مرة واحدة على الأقل يومياً.

وفي حين ربطت دراسات سابقة المشروبات المحلاة بالسكر بارتفاع معدلات الإصابة بسرطانات الكبد والثدي والقولون والمستقيم، ظل تأثيرها المباشر على أنسجة المعدة غير واضح.

وحللت الدراسة الجديدة بيانات أكثر من 100 ألف مشارك ضمن دراستي «Nurses' Health Study» و«Health Professionals Follow-Up Study»، بهدف بحث العلاقة بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وخطر الإصابة بسرطان المعدة.

وتُعد الدراستان من الدراسات الاستباقية طويلة الأمد، وأشرف عليهما باحثون تابعون لجامعة هارفارد، بهدف تحليل العلاقة بين نمط الحياة والنظام الغذائي والأمراض المزمنة لدى العاملين في مجال الرعاية الصحية.

وقال كبير الباحثين أندرو تي. تشان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وعلم الأوبئة في معهد «Mass General Brigham» للسرطان في بوسطن، إن النتائج تثير القلق في ظل تسجيل زيادة في سرطانات الجهاز الهضمي، خصوصاً بين الأشخاص دون سن الخمسين.

وأضاف أن تزايد استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر والأطعمة فائقة المعالجة «من المرجح أن يسهم في بعض هذه الاتجاهات المتعلقة بالسرطان».

ويرتبط سرطان المعدة بشكل وثيق ببكتيريا «الملوية البوابية» (H. pylori)، وهي نوع من البكتيريا التي تعيش في بطانة المعدة وتُعد من عوامل الخطر الرئيسية للإصابة بالمرض.

لكن الباحثين لم يجدوا، لدى مجموعة فرعية من المشاركين في الدراسة، علاقة بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر والإصابة بهذه البكتيريا، ما يدعم فرضية أن السكر، وتحديداً الفركتوز، قد يؤدي دوراً مستقلاً في زيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة.

وحدد الباحثون المشروبات المحلاة بالسكر بأنها تشمل المشروبات الغازية العادية، ومشروبات الفاكهة، والليمونادة، والمشروبات الرياضية، التي يُستخدم فيها الفركتوز مُحلّياً رئيسياً. وارتبط استهلاك كميات أكبر من الفركتوز بارتفاع خطر الإصابة بسرطان المعدة.

في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطاً بين المشروبات المحلاة صناعياً، بما فيها المشروبات الغازية المخصصة للحمية وغيرها من المشروبات الغازية منخفضة السعرات الحرارية، وزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة لدى أكثر من 100 ألف مشارك.

وأشار الباحثون إلى أن الدراسة قائمة على الملاحظة، ما يعني أنها أظهرت ارتباطاً بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وسرطان المعدة، لكنها لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة.

كما أن المشاركين كانوا في غالبيتهم من العاملين البيض في مجال الرعاية الصحية، ما يستدعي تأكيد النتائج من خلال دراسات تشمل مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

وقال تشان: «لا تستطيع الدراسة إثبات علاقة السبب والنتيجة بشكل فعلي. ما رصدناه هو وجود ارتباط، ونحتاج بالتأكيد إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت العلاقة بين المشروبات المحلاة بالسكر وسرطان المعدة سببية بالفعل».


فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
TT

فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)

مع اقتراب موسم البرد والإنفلونزا، يعود السؤال المعتاد إلى الواجهة: أيهما أكثر فائدة لدعم جهاز المناعة، فيتامين «سي» أم فيتامين «د»؟ وقد يبدو من السهل اختيار أحدهما بوصفه «الأفضل»، إلا أن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.

فكلا الفيتامينين يؤدي أدواراً مهمة في الحفاظ على عمل جهاز المناعة بصورة طبيعية، لكن لا يمكن القول إن أحدهما يتفوق على الآخر بشكل مطلق. كما أن الحصول على كميات كافية منهما لا يعني بالضرورة أنك لن تُصاب بالعدوى أو أنك ستتجنب نزلات البرد والإنفلونزا.

وحسب موقع «هيلث»، فإن فهم الدور الحقيقي لكل فيتامين وحدوده يمكن أن يساعد في تكوين صورة أكثر دقة عن العلاقة بين التغذية وصحة المناعة.

فيتامين «سي» يساعد جهاز المناعة على العمل بكفاءة

يؤدي فيتامين «سي» مجموعة واسعة من الوظائف في الجسم، من بينها دعم جهاز المناعة ومساعدته على العمل بكفاءة بما يكفي لحماية الجسم من الأمراض.

ويدعم هذا الفيتامين الوظائف الخلوية لكل من جهاز المناعة الفطري والمكتسب؛ أي أنه يساهم في عمل الدفاعات المناعية التي يولد الإنسان بها، وكذلك تلك التي يطورها مع مرور الوقت نتيجة التعرض للعدوى أو الحصول على اللقاحات.

كما يعمل فيتامين «سي» بوصفه مضاداً للأكسدة، ويساعد على حماية الخلايا من التلف الناتج عن الجذور الحرة، وهي جزيئات يمكن أن يؤدي تراكمها إلى أضرار في الخلايا، وقد يرتبط ارتفاعها بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى.

وقالت الدكتورة كاثرين دي جورج، أخصائية طب الأسرة في أميركا: «فيتامين سي ضروري لوظيفة المناعة الطبيعية».

لكن أهمية فيتامين «سي» لا تعني أنه يشكل درعاً واقياً من الجراثيم أو يمنع الإصابة بالعدوى. ومن المهم فهم حدوده وعدم النظر إليه على أنه وسيلة مضمونة لتجنب المرض.

وقالت دي جورج لمجلة «هيلث»: «في البالغين الأصحاء عموماً، لا يمنع تناول فيتامين سي الإصابة بالمرض. في أفضل الأحوال، إذا بدأت بتناوله في غضون يوم من الشعور بأعراض البرد، فقد يقلل من مدة الأعراض بشكل طفيف، ولكن ليس بشكل كبير».

وتشير الأبحاث إلى أن فيتامين «سي» قد يقلل من حدة نزلات البرد بنحو 15 في المائة مقارنةً بالدواء الوهمي.

فيتامين «سي» يدعم مجموعة واسعة من الوظائف في الجسم من بينها جهاز المناعة ومساعدته على العمل بكفاءة (بيكسلز)

فيتامين «د» ينظم جهاز المناعة

أما فيتامين «د»، فيؤدي دوراً مختلفاً إلى حد ما، إذ لا يقتصر تأثيره على دعم وظائف المناعة، بل يشارك أيضاً في تنظيم طريقة استجابة الجهاز المناعي.

وأوضح أدريان مارتينو، وهو أستاذ سريري في أمراض الجهاز التنفسي والمناعة في لندن، أن فيتامين «د» يلعب «دوراً تنظيمياً» في جهاز المناعة.

وأشار مارتينو إلى أن فيتامين «د»، من بين وظائف أخرى، يبدو أنه يساعد على التحكم في الالتهابات، كما يساهم في منع جهاز المناعة من مهاجمة أنسجة الجسم السليمة.

وتشير الأدلة أيضاً إلى أن الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين «د» قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى، وهو ما يدعم أهمية الحصول على مستويات كافية من هذا الفيتامين للحفاظ على صحة جهاز المناعة.

وبناءً على هذه العلاقة، قد يبدو منطقياً الاعتقاد بأن تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يساعد على الوقاية من الأمراض، وخصوصاً لدى الأشخاص الذين تكون مستويات الفيتامين لديهم منخفضة. لكن نتائج الدراسات في هذا المجال ليست بهذه البساطة.

فقد وجدت بعض الدراسات أن تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين.

لكن في عام 2025، راجع مارتينو وزملاؤه أكثر من 40 دراسة منشورة سابقاً حول هذه المسألة. وعند تحليل مجمل الأدلة المتاحة، وجد الباحثون أن «فيتامين د لم يكن أفضل من الدواء الوهمي في تقليل خطر الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة»، وفقاً لما صرّح به مارتينو.

إذاً، أيهما أفضل للمناعة؟

لا توجد إجابة بسيطة تقوم على اختيار فيتامين «سي» أو فيتامين «د» بوصفه الأفضل للمناعة. فكلاهما ضروري للحفاظ على عمل جهاز المناعة بكفاءة، ولكل منهما وظائف مختلفة ومهمة في الجسم.

وفي الوقت نفسه، لا يُعد أي من الفيتامينين حلاً سحرياً للوقاية من الأمراض الشائعة أو علاجها. لذلك، فإن الحصول على كميات كافية منهما مهم، لكن الاعتماد على المكملات الغذائية وحدها ليس استراتيجية كافية للحفاظ على الصحة خلال موسم البرد والإنفلونزا.

والنهج الأفضل هو الحفاظ على نظام غذائي متوازن وتجنب نقص أي من الفيتامينين، بدلاً من التركيز على أحدهما وإهمال الآخر.

وتلخص دي جورج الأمر بوضوح قائلة: «الأمر لا يتعلق بأيهما أكثر أهمية، بل بتجنب نقص أي منهما».


15 دقيقة يومياً... حيلة بسيطة لإنجاز المهام المؤجلة

لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
TT

15 دقيقة يومياً... حيلة بسيطة لإنجاز المهام المؤجلة

لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)

في ظل تسارع إيقاع الحياة وكثرة مصادر التشتيت، قد يصبح إيجاد الوقت لإنجاز المهام والمشاريع المؤجلة تحدياً يومياً. لكن تخصيص 15 دقيقة فقط يومياً لمهمة واحدة قد يكون كافياً لإحراز تقدم ملموس بمرور الوقت.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، تقوم الفكرة على تحديد مجموعة صغيرة من الأهداف أو المشاريع التي يرغب الشخص في إنجازها، ثم تخصيص 15 دقيقة من التركيز الكامل لكل منها يومياً، بعيداً عن البريد الإلكتروني والرسائل والهاتف وغيرها من مصادر التشتيت.

وتستند هذه الطريقة إلى فكرة مشابهة لـ«تقنية بومودورو» التي ابتكرها الإيطالي فرانشيسكو سيريلو في ثمانينات القرن الماضي. وتعتمد التقنية الأصلية على العمل بتركيز لمدة 25 دقيقة، تليها استراحة لمدة خمس دقائق، ثم أخذ استراحة أطول بعد إتمام أربع جولات.

لكن تقليص المدة إلى 15 دقيقة قد يجعل تطبيقها أكثر سهولة ومرونة، خصوصاً مع تغير جداول العمل وكثرة المقاطعات اليومية. ويمكن تخصيص هذه الفترة في الصباح، أو خلال استراحة الغداء، أو قبل النوم.

ويمكن استثمار هذه الدقائق في القراءة أو الكتابة أو ترتيب الملفات القديمة أو التواصل مع الأصدقاء والعائلة، أو في أي مشروع طويل الأمد يصعب إيجاد وقت كافٍ له دفعة واحدة.

وتكمن الفكرة الأساسية في التركيز على مهمة واحدة خلال هذه الفترة. فالانتقال المستمر بين المهام يستنزف الانتباه ويقلل الكفاءة، بينما يساعد حجب مصادر التشتيت والتركيز على نشاط واحد في الاستفادة بشكل أفضل من الوقت.

وقد تبدو 15 دقيقة فترة قصيرة، لكن الاستمرار عليها يومياً يعني تخصيص أكثر من 90 ساعة خلال عام كامل لمهمة واحدة.

وبالتالي، لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم، بل قد يبدأ باستثمار الفترات القصيرة المتاحة وتحويلها إلى عادة منتظمة تسمح بتحقيق تقدم تدريجي ومتراكم.