دراسة: نقص غذائي شائع يرفع مخاطر أمراض القلب لدى الملايين

نقص في «أوميغا-3» قد يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والتدهور المعرفي والالتهابات (بكساباي)
نقص في «أوميغا-3» قد يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والتدهور المعرفي والالتهابات (بكساباي)
TT

دراسة: نقص غذائي شائع يرفع مخاطر أمراض القلب لدى الملايين

نقص في «أوميغا-3» قد يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والتدهور المعرفي والالتهابات (بكساباي)
نقص في «أوميغا-3» قد يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والتدهور المعرفي والالتهابات (بكساباي)

أظهر تحليل علمي أن أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم لا يحصلون على كميات كافية من أحماض «أوميغا-3» الدهنية، وهو نقص غذائي قد يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب، والتدهور المعرفي، والالتهابات، ومشكلات النظر.

وبحسب الدراسة، التي نُشرت في مجلة «Nutrition Research Reviews»، قام باحثون من جامعة إيست أنغليا وجامعة ساوثهامبتون وشركة «هولاند آند باريت» بتحليل أنماط استهلاك أوميغا-3 في عدد من الدول والفئات العمرية.

وخلصت المراجعة إلى أن 76 في المائة من سكان العالم لا يلبّون المستويات الموصى بها من نوعين أساسيين من أحماض «أوميغا-3» المرتبطة بصحة القلب، هما حمض الإيكوسابنتانويك (EPA) وحمض الدوكوساهيكسانويك (DHA).

وأخذ التحليل في الاعتبار توصيات الهيئات الصحية العالمية، وقيّم مدى التزام السكان بها.

وبحسب الباحثين، ينبغي لمعظم البالغين الحصول على ما لا يقل عن 250 مليغراماً يومياً من حمضي «EPA» و«DHA»، غير أن الاستهلاك الفعلي في العديد من المناطق لا يزال أدنى بكثير من هذا المستوى.

وأكدت اختصاصية التغذية في أمراض القلب الوقائية ميشيل روثنشتاين في مقابلة لشبكة «فوكس نيوز» أن انخفاض مستويات «أوميغا-3» يمكن أن يكون له تأثير ملحوظ في صحة القلب، والوظائف المعرفية، ومستويات الالتهاب في مختلف أنحاء الجسم.

وأضافت أن نقص استهلاك هذه الأحماض قد يزيد أيضاً من مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والموت القلبي المفاجئ، كما يرتبط بارتفاع الدهون الثلاثية، واضطرابات نظم القلب، وتراكم اللويحات في الشرايين.

كما ارتبط انخفاض مستويات أحماض «أوميغا-3» بتغيرات في وظائف الدماغ، من بينها تسارع التدهور المعرفي، وارتفاع خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، وزيادة معدلات الاكتئاب.

وأشارت روثنشتاين إلى أن المستويات المنخفضة قد تؤدي أيضاً إلى تفاقم الالتهابات في أمراض المناعة الذاتية، مثل الصدفية، كما يمكن أن تؤثر سلباً في صحة العين، نظراً إلى الدور البنيوي المهم الذي تؤديه أحماض أوميغا-3 في شبكية العين.

ولتحسين مستويات «أوميغا-3»، شددت الخبيرة على أهمية فهم الكمية المطلوبة ومصادر الحصول عليها.

وقالت: «تُعدّ الأسماك الدهنية، مثل السلمون والماكريل والسردين والرنجة والتروتة والأنشوجة، أغنى المصادر الغذائية لحمضي EPA وDHA».

وأوضحت روثنشتاين أن كثيراً من الأشخاص يستفيدون من تناول الأسماك الدهنية بوتيرة أعلى، غالباً بمعدل ثلاث إلى أربع مرات أسبوعياً. أما بالنسبة إلى من لا يتناولون الأسماك بانتظام، فقد تساعد المكمّلات الغذائية في رفع مستويات حمضي «EPA» و«DHA» إلى معدلات أكثر صحية.

وأفادت روثنشتاين بأن تحديد جرعات مكمّلات «أوميغا-3» يجب أن يستند إلى نتائج الفحوص المخبرية، والأدوية المستخدمة، ومستويات «أوميغا-3» في الجسم، إضافة إلى التاريخ الطبي العام لكل فرد. وأشارت إلى أن المكمّلات المعتدلة والخاضعة لمعايير جودة صارمة تُعدّ آمنة عموماً لمعظم الأشخاص.

وأضافت أن هناك أيضاً أدلة تدعم استخدام منتجات «أوميغا-3» الدوائية بجرعات علاجية.

وقالت: «أظهرت الجرعات العالية من حمض (EPA)، مثل تناول أربعة غرامات يومياً من مركّب (إيكوسابنت إيثيل)، قدرتها على تقليل الأحداث القلبية الوعائية الكبرى لدى بعض الفئات العالية الخطورة، في حين لم تُظهر جرعات مماثلة من مزيج EPA وDHA الفائدة نفسها بشكل متسق».

كما يمكن لفحص مستويات «أوميغا-3» أن يساعد في تحديد ما إذا كان الاستهلاك كافياً. ويُعدّ «مؤشر أوميغا-3»، وهو فحص دم يقيس نسب حمضي EPA وDHA في خلايا الدم الحمراء، من أكثر الطرق موثوقية لتقييم هذه المستويات.

وقالت روثنشتاين: «ترتبط المستويات القريبة من 8 في المائة بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، في حين تُعدّ المستويات التي تقل عن نحو 4 في المائة منخفضة».


مقالات ذات صلة

كيف تحمي نفسك إذا كان تاريخ عائلتك مليئاً بأمراض القلب؟

صحتك أمراض القلب الوراثية لا تظهر دائماً بأعراض واضحة في مراحلها المبكرة (بيكسلز)

كيف تحمي نفسك إذا كان تاريخ عائلتك مليئاً بأمراض القلب؟

تشكل أمراض القلب أحد أخطر التحديات الصحية عالمياً، إذ تُعد السبب الأول للوفاة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)

ما الكمية الآمنة من السكر يومياً؟

يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والكبد الدهني إلى جانب تأثيرها السلبي على الأسنان والوزن

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)

منها تناول الطعام ببطء والطهي في المنزل... نصائح غذائية لمرضى القلب

دعا عدد من اختصاصيي القلب الأوروبيين إلى توجيه مرضى القلب بشكل صريح لإعطاء الأولوية للطهي المنزلي، والحدّ بشكل كبير من استهلاكهم للأطعمة فائقة المعالجة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك «براعم بروكسل» من الخضراوات الصغيرة الشبيهة بالملفوف (بيكسلز)

ما «الخضار» الأعلى فائدة لصحة القلب؟

تُعدّ أمراض القلب والأوعية الدموية من أبرز التحديات الصحية في العالم؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أنه كل 33 ثانية في الولايات المتحدة يفقد شخص واحد حياته بسبب ذلك...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك القرفة قد تلعب دوراً داعماً لصحة القلب (رويترز)

فوائد شرب القرفة لمرضى القلب

في ظل البحث المستمر عن وسائل طبيعية لدعم صحة القلب، تتجه الأنظار إلى بعض التوابل التي تحمل فوائد محتملة، ومن بينها القرفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
TT

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم. ورغم فوائده قصيرة المدى في تحسين التركيز والانتباه، فإن تأثيره لا يقتصر على الدماغ فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجهاز الهضمي، حيث يمكن أن يُحدث تبايناً ملحوظاً في استجابة المعدة والقولون، خصوصاً عند الإفراط في تناوله. وبين الفوائد والآثار الجانبية، تبرز أهمية فهم كيفية تفاعل الجسم مع الكافيين ومصادره المختلفة.

مصادر الكافيين وتأثيرها على الجهاز الهضمي

لا تقتصر مصادر الكافيين على القهوة وحدها، رغم شيوعها، بل يوجد أيضاً في الشاي بمختلف أنواعه، وجوز الكولا المستخدم في المشروبات الغازية، وقرون الكاكاو التي تدخل في صناعة الشوكولاته. كما تحتوي مشروبات الطاقة على نسب مرتفعة من الكافيين المُصنّع.

وتتفاوت استجابة الجهاز الهضمي لهذه المصادر تبعاً لتركيز الكافيين وطبيعة الجسم، إلا أن تأثيرها العام ينعكس بشكل مباشر على المعدة والقولون، سواء من حيث تحفيز الحركة أو زيادة الإفرازات الهضمية.

الكافيين وحركة الأمعاء

يلاحظ كثير من الأشخاص أن تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء، وهو تأثير شائع وملحوظ. ويُعزى ذلك إلى دور القهوة في تحفيز إفراز هرمون الغاسترين، الذي تفرزه المعدة ويسهم في تسريع حركة القولون.

واللافت أن هذا التأثير لا يرتبط بالكافيين وحده، إذ أظهرت دراسات أن القهوة منزوعة الكافيين قد تُحدث استجابة مشابهة، وفقاً لموقع «هيلث لاين». وهذا يشير إلى أن مكونات أخرى في القهوة قد تلعب دوراً في هذا التأثير.

هل يسبب الكافيين الإسهال؟

نظراً لتأثير الكافيين المُحفّز لحركة الأمعاء، فإن تناوله بكميات كبيرة قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى براز رخو أو حتى الإسهال. وتزداد احتمالية حدوث ذلك لدى من لديهم حساسية في الجهاز الهضمي أو يعانون من اضطرابات معوية.

لذلك، يُنصح بمراقبة الكمية المستهلكة، خصوصاً إذا ظهرت أعراض مزعجة، ومحاولة تقليلها أو استبدال القهوة بخيارات أخف مثل الشاي.

مصادر الكافيين لا تقتصر على القهوة وحدها (بيكسلز)

تأثير الكافيين على حموضة المعدة

من التأثيرات الشائعة للكافيين أيضاً زيادة حموضة المعدة لدى بعض الأشخاص، مما قد يؤدي إلى الشعور بحرقة المعدة أو الانزعاج الهضمي.

ويعود ذلك إلى قدرة الكافيين على تحفيز إنتاج حمض الهيدروكلوريك، وهو حمض أساسي لعملية هضم البروتين. لكن عند إفرازه بكميات زائدة، قد يُسبب تهيّج بطانة المعدة ويؤدي إلى أعراض غير مريحة، خصوصاً لدى من يعانون من حساسية أو مشكلات مسبقة في المعدة.

ويؤثر الكافيين بشكل ملحوظ على الجهاز الهضمي، إذ قد يُحسّن حركة الأمعاء لدى البعض، لكنه قد يُسبب أيضاً اضطرابات مثل الإسهال أو زيادة حموضة المعدة لدى آخرين. ومن هنا، يبقى الاعتدال في استهلاكه هو العامل الأهم لتجنب آثاره السلبية والاستفادة من فوائده دون الإضرار بالصحة.


تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
TT

تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)

كشفت دراسة أميركية عن تقنية علاجية مبتكرة قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين، عبر استهداف دوائر محددة في الدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث كارولاينا الطبية أن هذه التقنية قد تمثل مفتاحاً جديداً لكسر دائرة الإدمان. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Journal of Psychiatric Research».

ويُعد التدخين من أبرز العادات الضارة بالصحة العامة، إذ يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها أمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، والسكتات الدماغية، فضلاً عن تأثيره السلبي على الجهاز التنفسي والمناعة. كما لا تقتصر أضراره على المدخنين، بل تمتد إلى المحيطين بهم عبر التدخين السلبي. ويُعد الإقلاع عن التدخين خطوة أساسية لتحسين جودة الحياة والحد من مخاطر الأمراض المزمنة، إذ يبدأ الجسم التعافي تدريجياً بعد التوقف.

وركزت الدراسة على فهم كيفية إعادة التوازن داخل الدماغ بين نظامين رئيسيين؛ نظام الرغبة والمكافأة، ونظام التحكم في السلوك واتخاذ القرار.

واعتمد الباحثون على تقنية تُعرَف باسم «التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة» (rTMS)، وهي تقنية غير جراحية تستخدم نبضات مغناطيسية دقيقة لتحفيز مناطق محددة في الدماغ دون الحاجة لتدخُّل جراحي أو أدوية. وهدفت هذه التقنية إلى تعديل النشاط العصبي في المناطق المرتبطة بإدمان النيكوتين.

وتعمل التقنية عبر إرسال نبضات مغناطيسية مركزة إلى القشرة الدماغية، تستهدف بصورة خاصة مناطق مسؤولة عن التحكم في السلوك واتخاذ القرار، مثل القشرة الجبهية الجانبية، إلى جانب مناطق مرتبطة بالرغبة والمكافأة. وتسهم هذه النبضات في تنشيط الخلايا العصبية أو تعديل نشاطها، بما يساعد على إعادة التوازن بين نظام «التحكم الذاتي» ونظام «الرغبة».

وشملت الدراسة مجموعة من المدخنين البالغين، جرى تقسيمهم إلى مجموعات خضعت لـ15 جلسة علاجية على مدار ثلاثة أسابيع، مع استخدام تصوير الدماغ لتحديد مواقع التحفيز بدقة.

وأظهرت النتائج أن تحفيز منطقة التحكم الذاتي في الدماغ، المعروفة باسم (DLPFC)، أدى لخفض معدل التدخين بأكثر من 11 سيجارة يومياً، إلى جانب تراجع واضح في الرغبة بالتدخين، وانخفاض مستويات أول أكسيد الكربون في الجسم، وهو مؤشر بيولوجي على تقليل التدخين، مقارنة بالمجموعة التي تلقت علاجاً وهمياً أو خضعت لاستهداف مناطق أخرى بالدماغ. كما استمرت الآثار الإيجابية للعلاج لمدة شهر على الأقل بعد انتهاء الجلسات.

وكشفت صور الدماغ أيضاً عن زيادة نشاط مناطق التحكم الذاتي، مقابل انخفاض نشاط مناطق المكافأة المرتبطة بالإدمان، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك المشاركين.

ووفق الباحثين، فإن تعزيز نشاط مراكز التحكم في الدماغ يزيد قدرة الفرد على مقاومة الرغبة في التدخين، بينما يتراجع نشاط المناطق المرتبطة بالمكافأة والإدمان تدريجياً. ومن هذا المنطلق، لا تعتمد التقنية على كبح الرغبة بشكل مباشر، بل على «إعادة تدريب» الدماغ ليصبح أكثر قدرة على ضبط السلوك الإدماني بصورة طبيعية.

ووفق الباحثين، فإن النتائج تُمهد الطريق لإجراء تجارب أوسع قد تجعل من التحفيز الدماغي وسيلة علاجية مساعدة للإقلاع عن التدخين إلى جانب الأدوية والعلاج السلوكي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لم تنجح معهم العلاجات التقليدية.


من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
TT

من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنتشر فيه الوجبات السريعة وأنماط الراحة المفرطة، يغيب عن أذهان كثيرين أن ما نضعه في أطباقنا ينعكس مباشرة على ما يدور في عقولنا. لم تعد التغذية مسألة مرتبطة بالجسد فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية لصحة الدماغ ووظائفه. وتشير أبحاث حديثة في مجالَي علم الأعصاب والتغذية إلى وجود علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة، والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى. فالدماغ شأنه شأن أي عضو آخر يحتاج إلى وقود نوعي ليؤدي مهامه بكفاءة. وعندما يختل هذا الوقود لا تتأثر الطاقة الجسدية فقط، بل تمتد الآثار إلى التفكير، والانتباه، والاستجابة للضغوط اليومية.

العلاقة بين التغذية وصحة الدماغ

يعتمد الدماغ على إمداد مستمر ومتوازن من العناصر الغذائية للحفاظ على أدائه العالي. فالدهون الصحية تدخل في بناء الخلايا العصبية، وتعمل مضادات الأكسدة على حمايته من التلف، في حين تُسهم الفيتامينات والمعادن في تسهيل التواصل بين خلاياه.

ومع مرور الوقت، يمكن للأنظمة الفقيرة بالعناصر الغذائية والغنية بالأطعمة المُصنّعة أن تؤدي إلى زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وهما عاملان يرتبطان بتراجع القدرات الإدراكية وضعف التركيز.

في المقابل، ترتبط الأنماط الغذائية المتوازنة -التي تعتمد على الفواكه والخضراوات والبروتينات الصحية والدهون المفيدة- بتحسين الذاكرة وتعزيز مرونة الدماغ. ولا يكمن السر في عنصر واحد أو ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة»، بل في اتباع نظام غذائي متكامل ومتوازن يدعم الدماغ على المدى الطويل.

الاحتياجات الغذائية للدماغ

رغم أن الدماغ لا يشكّل سوى نحو 2 في المائة من وزن الجسم، فإنه يستهلك ما يقارب 20 في المائة من طاقته، مما يعكس مدى حساسيته لنوعية الغذاء. ويُعدّ الجلوكوز المصدر الأساسي لطاقة الدماغ، لذلك ترتبط كفاءة عمله ارتباطاً وثيقاً باستقرار مستويات السكر في الدم، وفقاً لموقع «ستانفورد لايف ستايل ميديسين».

لكن الأمر لا يتوقف عند الجلوكوز؛ إذ يحتاج الدماغ إلى مجموعة من العناصر الغذائية الأساسية للحفاظ على نشاطه ووظائفه الحيوية، ومن أبرزها:

أحماض «أوميغا 3» الدهنية: تلعب دوراً محورياً في بناء الخلايا العصبية ودعم وظائف الدماغ، كما تُسهم في تحسين الذاكرة والتعلم. وتوجد في الأسماك الدهنية، وبذور الكتان، والجوز.

مضادات الأكسدة: تحمي الدماغ من الإجهاد التأكسدي والالتهابات، وهي عوامل ترتبط بأمراض عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون. وتتوافر بكثرة في الفواكه والخضراوات الملونة.

فيتامينات «ب»: مثل فيتامين «ب12» وحمض الفوليك، وهي ضرورية لإنتاج النواقل العصبية وتنظيم عمليات الطاقة، وتساعد في الحفاظ على الوظائف الإدراكية وتقليل خطر اضطرابات الذاكرة والمزاج.

تأثير النظام الغذائي على الإدراك والذاكرة

مع تزايد الدراسات في هذا المجال، يتضح أن نوعية الغذاء لا تؤثر فقط على الصحة العامة، بل تلعب دوراً مباشراً في القدرات الذهنية، من التعلم إلى التذكر.

الذاكرة والتعلم

يُسهم النظام الغذائي الغني بالعناصر المفيدة في تعزيز قدرة الدماغ على تخزين المعلومات واسترجاعها. فقد أظهرت الدراسات أن أحماض «أوميغا 3» تساعد في ترسيخ الذاكرة، في حين تقلّل مضادات الأكسدة من التلف الذي قد يُضعف الأداء الذهني.

المرونة العصبية

وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية، وتُعد أساس التعلم والتكيف. وقد ثبت أن الأنظمة الغذائية الصحية، مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، تدعم هذه المرونة وتعزّز الكفاءة الإدراكية.

التدهور الإدراكي

في المقابل، تؤدي الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات المضافة والدهون غير الصحية والكربوهيدرات المكررة إلى تسريع تراجع القدرات الذهنية، وزيادة خطر الإصابة باضطرابات معرفية مع التقدم في العمر.

ولا يقتصر تأثير الغذاء على بناء الجسم، بل يمتد ليشكّل حجر الأساس لصحة الدماغ ووظائفه. ومن خلال تبنّي نمط غذائي متوازن وغني بالعناصر المفيدة، يمكن تعزيز التركيز، وتحسين الذاكرة، والوقاية من التدهور الإدراكي، ما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة بأكملها.