التشكيلي العراقي منتظر الحكيم يقيم في اللوحة ليُخفِّف قسوتها

متعدِّد الأسلوب والتقنية تستميله الأحزان ويرسم فقر الطفولة

يُحاكي الفقر مُجسَّداً بالطفولة بما يُشبه محاولة الإنصاف (منتظر الحكيم)
يُحاكي الفقر مُجسَّداً بالطفولة بما يُشبه محاولة الإنصاف (منتظر الحكيم)
TT

التشكيلي العراقي منتظر الحكيم يقيم في اللوحة ليُخفِّف قسوتها

يُحاكي الفقر مُجسَّداً بالطفولة بما يُشبه محاولة الإنصاف (منتظر الحكيم)
يُحاكي الفقر مُجسَّداً بالطفولة بما يُشبه محاولة الإنصاف (منتظر الحكيم)

قبل نحو 7 سنوات، اعتمد الفنان التشكيلي العراقي منتظر الحكيم تقنية طبقات الخشب ثلاثية البُعد. يُرتّبها طبقة تلو طبقة، فتتكثَّف واقعية الشكل بتراكُم الطبقات؛ وعلى العكس، بتقليلها يُختَزل وتتضاءل تفاصيله. تبدأ الطبقة الأولى من المنطقة المنخفضة، نحو النهائية، مروراً بالعمق والارتفاع، بما يتأثّر باللون وسماكته وتدرّجاته وفق الفاتح والداكن. التركيبة الشكلية - اللونية هذه، أتاحت تَرْك انطباع متناقض، فيتراءى العمل من بعيد مُجسَّماً مرتفعاً، ومن أقرب يتبيَّن الانخفاض. ومثل عدسة العين التي تبدو منخفضة على عكس بياضها البارز، يتلاشى الفارق بين الضآلة والكثافة بالتراجع إلى الخلف ورؤية اللوحة من مسافة بوضوحها واكتمالها. يميّزه أسلوب الطبقات، من دون اقتصار هويته عليه وحده. فالفنان متنوّع التقنية والأسلوب؛ مواضيعه معقَّدة: «أرسم كلّ شيء بأي شيء».

هذا الفنّ يجعلنا بشراً ويداوي الجراح (منتظر الحكيم)

يبدأ حديثه مع «الشرق الأوسط» بالاعتراف باستحالة بلوغ النضج أو الكمال الفنّي: «الفنّ عالم لا نهائي. كلّما تقدَّم وعي الفنان، اكتشف أنه لا يزال في البدايات. بإمكان مرحلة الوعي أن تبرُز بشكل أوضح مقارنة بما كان من قبل. وقد يحدُث تطوُّر سريع يجد انعكاساته الفنّية على الأعمال. يوماً تلو آخر، ألمسُ مراكمة هذا الوعي. فكلّ عمل أُنجزه أو تقنية أبتكرها، تسبقها مرحلة تعقيد وتفكير تمتدّ أسابيع. بتحقُّق الإنجاز، يتأكّد الوعي تجاه الموضوع والمادة».

لوحة «أشلاء في كيس» إنشاءٌ تصويري دموي يُحاكي آلام فلسطين (منتظر الحكيم)

يؤمن منتظر الحكيم بمقولة إنّ «كلَّ طفل فنان»، ويضيف إليها شرط بقائه فناناً حين يكبُر. الممارسة والاستمرار هما ضريبة أوطان تتشتَّت فيها الطفولة ويكتفي الأهل بإدراك الضرورة الواحدة: إسكات المعدة. يروي بداياته: «كنتُ صغيراً حين طلبت مني المعلّمة رسم نخلة. لم أعرف مدَّها بالتفاصيل، فاستعنتُ بأمي. من مساعدتها، اتّقدت الشرارة. ذلك المساء فتح عينيَّ على الرسم. حوَّلتُ مرحلة المُبتدئ حيث الشخبطة إلى إصرار وإتقان. لم يكن زمن الإنترنت، فصعُب التطوُّر. اكتفيتُ بالرسم على الحيطان وبعض الأوراق بقلم رصاص. المهم ألا تتحطّم مواهب الأطفال. كل مَن قال لي إنّ الرسم تافه، صددتُه. العناد أوصلني».

يقدّم فنّه صرخةً للعدالة الإنسانية (منتظر الحكيم)

تخصَّص في الفنون الجميلة، فلا تُشغله دراسة أخرى عن الرسم. راح عقله الباطني يصدر الأوامر: «أكمل طريقك. اجتهد. انجح. كثيرون سينتظرون أعمالك وكثيرون سينتظرون فشلك». يصف العقل بـ«صانع الإلهام». فحتى لحظات كآبته تُلطّفها رغبته في الإنجاز وأن ينال العمل الإعجاب، فتنعكس النتيجة على المزاج وتُعدّله: «هذا هو التقدُّم. أضع هدف اكتمال اللوحة في عقلي. مسارُها الصعب أُجرّده من منحاه المُحبط. أُفكّر بانطباع المتلقّي فأخفّف وعورة الوصول».

فنُّه ميَّال للأحزان والأشجان والأرواح النازفة (منتظر الحكيم)

ويُلهمه الألم. إنه عراقي؛ ونَهْلُ الوجع في أرض العذابات طباعٌ بشرية. يقول منتظر الحكيم: «هالني ما حدث في بلدي وفلسطين. ولدتُ في زمن الحروب ومراحلها البائسة. ما يترسَّب منذ البدايات يصعُب فكاكه. لوحة (أشلاء في كيس) مثلاً، إنشاءٌ تصويري دموي جسَّده تخيّلي لحظة انتشال فلسطينيّ لأشلاء أبنائه المبعثرة في الأرض. ذلك لا يعني هجراني الموضوع السعيد. إنْ وُجد أرسمه لأُعادل بين الحالتين، فلا يتلقّى المُشاهد البؤس دون الجانب الآخر للحياة».

لكنه ميَّال للأحزان والأشجان والأرواح النازفة: «رسمُها يمنحني سكينة نفسية. كأنه تفريغ لمشاعري لأستعيد الراحة. ذلك يُشكِّل أيضاً إلهامي، فحين أرسم، أقيم في داخل الموضوع المرسوم، وإنْ لم ينطبق عليَّ. رسمُ الأحزان شفاء».

نسأله عن الرسم بالكتب، وهي مما يمنح منتظر الحكيم فرادة فنّية. ركيزته طبقات الورق التي تمزُج تراث الماضي المهجور المُتمثِّل في الكتابة والقراءة، خصوصاً الكتاب من صنف الشعر والأدب: «لدينا كمية كتب هائلة متروكة في المخازن. تساءلتُ: لِمَ تموت بهذه الطريقة؟ لِمَ لا أعيد تجسيدها فتعلق في الذهن ولا تُنسى. تناولتُها، بأوراقها الصفراء القديمة، ورسمتُ عليها مواضيع لتحيا خارج التَلَف. أردتُ الموضوع أقرب إلى فيديو، من دون أن يكون فيديو بالمعنى المُتداوَل؛ فيخلق تقليب الصفحات حركة تتيح اكتمال الشكل على وَقْع الصورة السريعة، مع استغلال المساحة الجدارية أو اللوحة الكبيرة لإمكان تعدُّد المواضيع. اخترتُ 3 رسوم تخصَّ فلسطين».

يُخرج الخيول من شكلها الثابت داخل اللوحة لتبدو كأنها تقفز نحو الواقع (منتظر الحكيم)

يُحاكي الفقر أيضاً، مُجسَّداً بالطفولة، بما يُشبه محاولة الإنصاف. من واقعية أنّ الطفل يفتقد القوة ولا تليق به قسوة الظرف، ومن استحالة التحمُّل والتعايش، يقدّم فنّه صرخةً للعدالة الإنسانية: «حين أجسِّد الأطفال في لوحة، أتطلَّع لأنْ يراهم المجتمع ويرعاهم. هذا الفنّ يجعلنا بشراً ويداوي الجراح. أرسم فتلتئم، لشعوري بتفريغ الحزن على لوحة».

يرسم مناظر الطبيعة بلوحات صغيرة غنية بالتفاصيل (منتظر الحكيم)

ويرسم مناظر الطبيعة بلوحات صغيرة بقياس 4×6 سنتيمترات غنية بالتفاصيل. ويُخرج الخيول من شكلها الثابت داخل اللوحة فتمدّها طبقاتُ الخشب ثلاثية البُعد وتدرجّات اللون البرونزي بالجموح والقوة، لتبدو كأنها تقفز خارج حيّزها الجامد نحو الواقع.

رجل مقيّد بسلاسل يتحايل على حبسه بحرّية الرسم بإصبع القدم (منتظر الحكيم)

وفي عمل زيتيّ آخر، جسَّد رجلاً مقيّداً بسلاسل يتحايل على حبسه بحرّية الرسم بإصبع القدم: «به أختزلُ معاناة عشتُها لأقول: لو قُيّدت يداي، سأرسم بقدمي. داخل الأقبية والظلمات، والأجواء الداكنة، حيث حضور المصباح يغدو عذاباً له؛ رسمتُ على ورقة بيضاء لأجسِّد الأمل في مستقبل مجهول. أملٌ أبيض لا يُلطَّخ».


مقالات ذات صلة

1000 ساعة عمل و150 ألف قطعة كريستال لتخليد مارلين مونرو

يوميات الشرق قرنٌ لم يُطفئ سحرها (إنستغرام)

1000 ساعة عمل و150 ألف قطعة كريستال لتخليد مارلين مونرو

كُشفَ عن لوحة فنية مميّزة لأيقونة السينما مارلين مونرو، ابتُكرت باستخدام 150 ألف قطعة كريستال، وذلك إحياءً للذكرى المئوية لميلادها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يتناول فيلم «أسد» موضوع العنصرية (إنستغرام)

رزان جمّال: حرّية الممثل العربي تفوق المُتاح في هوليوود

استهلّت رزان جمّال مسيرتها الفنّية من خلال أعمال عالمية، فتعاونت مع مخرجين فرنسيين وأميركيين بارزين.

فيفيان حداد (بيروت)
خاص عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

خاص عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات...

أحمد عدلي (مالمو - السويد)
يوميات الشرق الجزء الثاني يعرف تماماً ماذا أحبّ الجمهور سابقاً (أ.ف.ب)

«الشيطان يرتدي برادا 2»: بريق الأسماء لا يكفي

الفيلم الجديد يرى في إرثه مادة قابلة لإعادة التشغيل، وليس ذاكرةً سينمائيةً تحتاج إلى سبب عميق كي تُستَدعى مرة أخرى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)

عمرو يوسف: استمتعتُ بتعقيدات «الفرنساوي» النفسية

يؤكد عمرو يوسف أنه يحاول ألا يحمل الشخصية التي يؤدّيها إلى بيته...

انتصار دردير (القاهرة )

أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
TT

أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

ونعت عائلته الفنان الذي توفي بسلام إثر مضاعفات إصابته بالتهاب رئوي حاد.

وجاء في البيان، الذي أصدرته ابنتاه، الممثلتان إميلي وديزي هيد: «إن حزننا يفوق كثيراً الفراغ الذي تركه خلفه، لكننا نعلم أن إرثه سيظل حياً في الأعمال التي شارك فيها، وفي قلوب الجماهير التي أحبته».

من إعلانات القهوة إلى هوليوود

تميز هيد بأسلوبه اللندني الأنيق، وصوته الباريتوني الرخيم. وبدأت رحلته الشائقة نحو النجومية من عاصمة الضباب، إذ حقق شهرة واسعة في بريطانيا خلال ثمانينات القرن الماضي عبر سلسلة إعلانات تلفزيونية شهيرة لقهوة «نسكافيه غولد بليند»، التي صيغت كقصة رومانسية متسلسلة خطفت أنظار الملايين.

ولم تلبث هذه الجاذبية التلفزيونية المبكرة أن فتحت له أبواب الدراما العالمية، حيث انتقل إلى هوليوود ليصنع حقبة ذهبية امتدت لسنوات.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

الروائي والموجّه الروحي في «بافي»

في أواخر التسعينات، رسّخ هيد مكانته كأحد الوجوه الثابتة في الذاكرة الشعبية الغربية من خلال تجسيده شخصية «روبرت جايلز» في المسلسل الأميركي الشهير «بافي قاتلة مصاصي الدماء» (Buffy the Vampire Slayer).

وقدّم في هذا العمل شخصية أمين المكتبة والموجّه الروحي ذي الطابع البريطاني الرصين والمحبب، وهو الدور الذي منحه قاعدة جماهيرية عريضة عابرة للقارات.

مرونة الأداء بين الملحمة والكوميديا المعاصرة

ولم تتوقف ديناميكية هيد الفنية مع تقدم العمر، بل نجح في تجديد جلده الفني مبرهناً على قدرة استثنائية في الانتقال بسلاسة بين الأعمال التلفزيونية المعاصرة والدراما الفانتازية الملحمية. ففي مسلسل «ميرلين»، أطل النجم الراحل على الجمهور العربي والعالمي بعباءة الملك الصارم «أوثر بنميدراغون»، مقدماً أداءً تراجيدياً وازناً لخّص صراع السلطة والمسؤولية.

وفي المقابل، تألق هيد في السنوات الأخيرة بتقديم شخصية «روبرت مانينغيون»، المالك السابق الشرير لنادي «إيه إف سي ريتشموند» في المسلسل الكوميدي الشهير «تيد لاسو». وهو الدور الذي نال عنه إشادات نقدية واسعة، نظراً لقدرته الفائقة على تجسيد الشخصيات ذات البعد السيكولوجي المعقد بلمسة من الخبث الساخر.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

مأساة عائلية تسبق الستار الأخير

ويأتي رحيل أنتوني هيد متأثراً بمرضه ليعمق أحزان عائلته الفنية والمقربين منه، إذ واجه النجم البريطاني شهوراً صعبة ومريرة بعد وفاة شريكته ورفيقة دربه الطويل، الناشطة في مجال الرفق بالحيوان سارة فيشر، التي غيّبها الموت في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025. ومع إسدال الستار على مسيرته الحافلة، تودع الدراما البريطانية برحيله فصلاً غنياً من فصول المسرح والتلفزيون، فصلٌ ميزه فنانٌ قدير عاش شغوفاً بمهنته، وظل مخلصاً لأدواته التعبيرية حتى رمقه الأخير.


مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، اكتشاف جزء من جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني، بتل كوم عزيزة الأثري بمحافظة البحيرة، وتضمَّن الكشف مجموعةً متنوعةً من أنماط الدفن، شملت حفر دفن بسيطة للموتى مباشرة داخل طبقات الأرض، وأخرى ذات أطر خارجية من الطوب اللبن، بالإضافة إلى عدد من الدفنات داخل توابيت جصية ملونة، وأخرى داخل توابيت فخارية برميلية الشكل، تُعدُّ من أكثر أنواع التوابيت شيوعاً خلال العصر البطلمي.

و«يعكس هذا الكشف الأثري الجديد الأهمية الكبيرة التي يتمتَّع بها موقع تل كوم عزيزة الأثري بوصفه أحد المواقع الأثرية الواعدة في منطقة الدلتا، والتي لا تقتصر أهميتها على ما تضمه من شواهد جنائزية فحسب، بل تمتد لتقدم صورة متكاملة عن تطور أنماط الاستيطان والحياة اليومية والتفاعل بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين، بما يسهم في إثراء المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة عبر العصور»، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار شريف فتحي، في بيان للوزارة، الجمعة.

الموقع تضمَّن أنماطاً مختلفة للدفن (وزارة السياحة والآثار)

في حين أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أنَّ الدراسة الأولية للبقايا الآدمية بالموقع كشفت عن تنوع ملحوظ في طقوس وأساليب الدفن، سواء داخل الدفنات الفردية أو الجماعية، حيث اختلفت اتجاهات الدفن، كما تنوعت أوضاع الأيدي بين الوضع المضموم والمتقاطع فوق منطقة الحوض، أو حول العنق، أو في الوضع الأوزيري المميز بتقاطع الذراعين على الصدر، فضلاً عن الوضع المستقيم بمحاذاة الفخذين، الأمر الذي يعكس تعدُّد الممارسات الجنائزية وأساليب تجهيز الموتى قبل الدفن.

وأضاف، عبر البيان، أن «دراسة الطبقات الأثرية بالموقع أوضحت أنَّ الجبانة التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني أُقيمت فوق مستويات استيطان أقدم، حيث كشفت اللقى الأثرية عن شواهد تؤكد استيطان الموقع خلال فترات تاريخية متعاقبة بدأت منذ الدولة القديمة، مروراً بالدولة الحديثة والعصر المتأخر، وصولاً إلى العصرَين اليوناني والروماني».

وإلى جانب الدفنات المتنوعة عثرت البعثة في الموقع على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها أوانٍ فخارية وحجرية استُخدمت في الحياة اليومية، وقوالب لصناعة الخبز، وأدوات حجرية متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى مجموعة من الأفران وأواني التخزين. كما كشفت الحفائر عن كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، بما يلقي الضوء على الأنشطة المعيشية والنظام الغذائي والعادات الاجتماعية لسكان الموقع عبر المراحل الزمنية المختلفة، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

عدد من اللقى الأثرية في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

في حين أكد المدير العام لمنطقة آثار البحيرة ورئيس بعثة الحفائر الأثرية، خالد عبد الغني فرحات، أنهم عثروا على دفنات كاملة لحيوان الخنزير البري داخل إحدى الطبقات الأثرية، وهي ظاهرة نادرة في المواقع الجنائزية المصرية القديمة نظراً للارتباط الرمزي للخنزير بالمعبود «ست» في المعتقدات المصرية القديمة، الأمر الذي قد يشير إلى فكرة ارتباطه بنشاط اقتصادي أو معيشي داخل الموقع خلال إحدى فترات استخدامه.

وأضاف أن «نتائج أعمال الحفائر تؤكد أنَّ موقع تل كوم عزيزة الأثري يمثل نموذجاً فريداً للمواقع الأثرية متعددة الفترات، إذ شهد أنشطة استيطانية ومعيشية منذ بدايات التاريخ المصري القديم، قبل أن يتحوَّل خلال فترات لاحقة إلى منطقة ذات نشاط جنائزي مكثف. كما تؤكد الأهمية الاستثنائية للموقع، حيث إنَّه ليس فقط جبانة أثرية، بل يُعدُّ سجلاً أثرياً متكاملاً يوثِّق أنماطاً متنوعة من التفاعل البشري مع البيئة المحيطة عبر عصور تاريخية متعاقبة».


هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
TT

هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

في موقف عَدَّه البعض جاء متأخراً، ورآه آخرون ليس كافياً، قدَّم رئيس «مهرجان الإسكندرية السينمائي»، الأمير أباظة، استقالته من رئاسة الدورة المقبلة، وذلك بعد 3 أيام من قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة المصرية بعدم منح التصريح اللازم لإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقرراً إقامتها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2026، عقب اجتماع اللجنة برئاسة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة؛ بسبب ما وصفته اللجنة المنوط بها تقييم المهرجانات بـ«تراجع مستوى المهرجان خلال السنوات الأخيرة، وعدم تحقيقه الأهداف الثقافية والفنية التي تأسَّس من أجلها»، وفق بيان لها.

وأعلن الأمير أباظة استقالته من رئاسة الدورة الـ42، مؤكداً أنَّه ترك منصبه تغليباً للمصلحة العامة. وقال: «ليس مهماً أن يستمر الأشخاص، فكلنا إلى زوال، ولكن تبقى القيمة الحقيقية، ويبقى المهرجان منارةً مضيئةً في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية».

وقال أباظة، عبر بيان الاستقالة، إنه «تعرَّض لحملة تشهير وتشويه»، على حد تعبيره. وإنه إذا كانت المشكلة في شخصه فهو يترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة ليختار مَن يشاء لقيادة سفينة المهرجان، لافتاً إلى إنجازات حقَّقها المهرجان خلال رئاسته له على مدى 13 دورة.

وفتحت استقالة رئيس المهرجان الباب أمام تساؤلات بشأن إمكانية استئناف نشاط المهرجان وإقامة دورته لهذا العام، مع اختيار رئيس جديد لها بالتوافق مع اللجنة العليا للمهرجانات ووزارة الثقافة.

وترى الناقدة ماجدة خير الله أن «استقالة أباظة لا بد أن تُمهِّد لاستئناف المهرجان نشاطه وعقد دورته المقبلة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ وجود الأمير أباظة كان يمثِّل مشكلةً للبعض، لكن قرار إيقاف المهرجان كان متعجلاً، فلماذا نضحي بمهرجان عريق لمشكلة فردية، ولطالما واجه المهرجان نفسه مشكلات ولم يتوقَّف»، مشدِّدة على أنه «من المهم عقد الدورة المقبلة في موعدها بعد اختيار مجلس الإدارة لرئيس جديد للمهرجان».

وأكدت ماجدة أن «جمعية كتاب ونقاد السينما التي تنظِّم المهرجان تضم شخصيات تمتلك خبرات كبيرة تصلح لرئاسة المهرجان، وهم أقدر على إنقاذ هذه الدورة»، مبدية مخاوفها من أن «وقف المهرجان ولو لدورة واحدة ليس في صالحه، وقد يفقده ثقة صناع الأفلام ويؤثر على سمعته، وقد يغري هذا التوقف جهات بوقفه إلى الأبد، مضحين بالمكانة التي حقَّقها المهرجان على مدى سنوات انعقاده الطويلة»، وفق تعبيرها.

في حين وصفت الناقدة ميرفت عمر، عضوة مجلس إدارة جمعية كتاب ونقاد السينما والمدير الفني للمهرجان، استقالة أباظة بأنها «جاءت متأخرة، ولو كان طَرَحَها من البداية لكان لها تقدير كبير، ولجَنَّبت المهرجان ما وصل إليه، لكنها الآن ليس لها أي مردود، فهو يعلن استقالته من دورة توقَّفت بقرار وزاري، كمَن يعتذر عن منصب لم يعد فيه».

ليلى علوي خلال تكريمها في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ اللجنة العليا للمهرجانات أصدرت قراراً نهائياً ولا رجعة فيه بالنسبة لعدم عقد دورته الـ42، وأنَّ استقالة رئيس المهرجان الآن لن تغيِّر من الأمر شيئاً»، مؤكدة أنَّها طلبت إعفاءها من منصبها منذ بدء تراجع مستوى المهرجان وعدم الاهتمام بصناع الأفلام، قائلة: «كانت هناك وعود واتفاقات براقة لإنقاذ المهرجان وتجاوز أخطائه، لكنها لا تنفَّذ على أرض الواقع»، ولفتت إلى أنَّها تقدَّمت وزميلها محمد شكر بمذكرات لوزارتَي الثقافة والتضامن؛ لبحث كثير من الأسئلة التي لم يجدا لها إجابات لدى المهرجان تتعلق بدورتيه السابقتين.

ويرى الناقد الفني المصري سمير شحاتة أنَّه «بعد استقالة الأمير أباظة يحتاج المهرجان لهيئة تديره بمعطيات تلائم العصر الحالي وليس بالطريقة التي كانت تدار بها المهرجانات منذ 20 عاماً»، مستبعداً عقد المهرجان هذا العام وفقاً لقرار اللجنة العليا للمهرجانات، لافتاً إلى أنه «من الصعب تقديم دورة ناجحة سوى بتوافق بين الجمعية ووزارة الثقافة ومحافظة الإسكندرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الإصلاح لا بد أن يكون من الداخل، وأن اللجنة العليا للمهرجانات طالبت قبل ذلك بحل مشكلات المهرجان ولم تجد استجابة، بل كانت المشكلات تتفاقم». وأوضح أنه «من ضمن مشكلات المهرجان عدم وجود صف ثانٍ لقياداته، وعدم خروجه للجمهور السكندري».

وكان شحاتة قد اعتذر عن عدم تولي منصب مدير عام المهرجان «بعد أيام من إسناده له، وبعدما تقدَّم بورقة بإصلاحات مطلوبة ولمس صعوبة تحقيقها»، وفق قوله.

وانطلقت الدورة الأولى لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط عام 1979 ولعب على مدى عقود دوراً مهماً في تعزيز التبادل الثقافي والسينمائي بين دول البحر المتوسط.