تقليل يمني من أهمية تطمينات حوثية لسفن الصين وروسيا

واشنطن تبنت تدمير زورق مسيّر وطائرة من دون طيار

سفينة الشحن «ترو كونفيدنس» تعرّضت لهجوم حوثي وقُتل 3 من طاقمها في خليج عدن (أ.ب)
سفينة الشحن «ترو كونفيدنس» تعرّضت لهجوم حوثي وقُتل 3 من طاقمها في خليج عدن (أ.ب)
TT

تقليل يمني من أهمية تطمينات حوثية لسفن الصين وروسيا

سفينة الشحن «ترو كونفيدنس» تعرّضت لهجوم حوثي وقُتل 3 من طاقمها في خليج عدن (أ.ب)
سفينة الشحن «ترو كونفيدنس» تعرّضت لهجوم حوثي وقُتل 3 من طاقمها في خليج عدن (أ.ب)

في وقت تواصلت فيه الضربات الوقائية الأميركية؛ لإضعاف قدرات الحوثيين على مهاجمة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، أعلنت الجماعة المدعومة من إيران تقديم تطمينات للصين وروسيا بأن سفنهما ستبحر عبر البحر الأحمر بأمان. وذكرت القوات المركزية الأميركية، أنها دمّرت زورقاً مسيّراً حوثياً وطائرة من دون طيار، في ضربات استهدفت مواقع سيطرة الجماعة، (الأربعاء).

وأوضح البيان الأميركي أن «هذه الأسلحة الحوثية تمثل تهديداً وشيكاً للسفن التجارية وسفن البحرية الأميركية في المنطقة، وأنه يتم اتخاذ هذه الإجراءات لحماية حرية الملاحة وجعل المياه الدولية أكثر أماناً».

وجاءت التطمينات الحوثية لبكين وموسكو وفقاً لـ«رويترز» على لسان محمد عبد السلام، كبير مفاوضي الجماعة، يوم الخميس؛ وهو ما دفع أصواتاً يمنية إلى قراءة الأمر من منظورين، الأول: استراتيجية إيران، والتقليل من أهمية التطمينات.

استراتيجية طهران

يعتقد محمد العمراني، رئيس المكتب الفني للمشاورات السياسية في الحكومة اليمنية، أن الاتفاق الذي كانت الحكومة اليمنية بصدد إنجازه مع الحوثيين بوساطة سعودية كان سيعطيهم الكثير، ولقد فعلت الرياض ذلك بناءً على رغبتها في إنهاء الحرب، «غير أن فرصة البحر الأحمر بالنسبة للحوثي وارتباطه بالمحور الإيراني وسعيه ليكون ضمن مشروع دولي أوسع بحيث تفوق عوائده عوائد عملية السلام».

ويرى العمراني أن إيران تريد «تحويل البحر الأحمر إلى مركز استقطاب لدول العالم، ويسعى الحوثي للارتباط بمحور أوسع مستغلاً البحر الأحمر كنقطة ضعف للمجتمع الدولي يمكن أن تمنحه القوة».

وفي ظل الوضع الدولي الراهن الذي تتحول فيه القضايا نقاط استقطاب وفقاً للعمراني فإن إيران «ستحاول تفكيك وحدة المجتمع الدولي بحيث يتسنى للحوثيين إحراز تفاهمات أحادية مع كل دولة للسماح لسفنها بالمرور، فهو من ناحية يعزز نفوذ إيران في البحر ومن ناحية أخرى يمنح الحوثي فرصاً للتفاهمات الثنائية مع الدول». ويشدد المسؤول اليمني على أن «وحدة المجتمع الدولي مهمة لمواجهة التحديات المشتركة وإلا فستتحول كل المشاكل فرصاً للاستقطاب».

بندقية للإيجار؟

يقلل محللون يمنيون من أهمية التطمينات الحوثية بحكم أنها لم تعلن استهداف روسيا والصين، لكنهم يرون أنها محاولة إيجاد موقع ومكسب مؤقت.

يقول حمزة الكمالي، عضو فريق الحكومة اليمنية الإعلامي في مشاورات السويد، لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذا التصريح يؤكد أن الجماعة أصبحت بندقية للإيجار»، مفسراً ذلك بالقول: «تستخدمها القوى الدولية لتحقيق مصالحها وإرسال تهديداتها، والحقيقة أن السفن الصينية والروسية لم تكن ضمن دائرة الاستهداف، رغم أن الدولتين هما من المتضررين الرئيسين مما يحدث في البحر الأحمر». ويرى الكمالي أن الجماعة سوف تحاول رسم مسار إقليمي ودولي رغم يقينها بأنه لولا السلاح الإيراني النوعي لما استطاعت تشكيل تهديد على أحد، والواقع يقول إن الحوثي حول اليمن منصة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وما يجد في النفس أن هذه المنصة مستباحة وبلا دفاع جوي وعرضة لصفعات كل دول العالم.

500 غارة أميركية

بينما ترى الحكومة اليمنية أن التصعيد البحري المستمر أدى إلى تجميد مساعي السلام التي تقودها الأمم المتحدة، تزعم الجماعة أنها تشنّ هجماتها ضد السفن منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ لمساندة الفلسطينيين في غزة، عبر منع ملاحة السفن المرتبطة بإسرائيل وكذا السفن الأميركية والبريطانية.

طائرة حوثية من دون طيار دمّرتها مروحية فرنسية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وتبنت الجماعة قصف نحو 75 سفينة، وهدد زعيمها عبد الملك الحوثي بتوسيع الهجمات من البحر الأحمر وخليج عدن إلى المحيط الهندي لمنع الملاحة عبر رأس الرجاء الصالح، حتى وقف الحصار على غزة وإنهاء الحرب الإسرائيلية، زاعماً أن الضربات الغربية لن تحد من قدرات جماعته، من حيث «الزخم والقدرة والقوة والمديات».

ومنذ تدخل الولايات المتحدة ضد الحوثيين، شنّت ابتداءً من 12 يناير (كانون الثاني) نحو 500 غارة على الأرض أملاً في تحجيم قدرات الحوثيين العسكرية أو لمنع هجمات بحرية وشيكة. وشاركتها بريطانيا في 4 موجات من الضربات الواسعة.

وإلى جانب ذلك، نفّذت القوات الأميركية إلى جانب سفن أوروبية العشرات من عمليات الاعتراض والتصدي للهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والزوارق والغواصات الصغيرة غير المأهولة.

وتحوّلت الهجمات الحوثية والضربات الدفاعية الغربية إلى روتين شبه يومي منذ بدء التصعيد الحوثي البحري في 19 نوفمبر الماضي، ودخول واشنطن وحلفائها على خط المواجهة.

وأُصيبت 15 سفينة على الأقل، خلال الهجمات، إلى جانب قرصنة «غالاكسي ليدر» واحتجاز طاقمها حتى الآن، وتسببت إحدى الهجمات في 18 فبراير (شباط) الماضي في غرق السفينة البريطانية «روبيمار» في البحر الأحمر بالتدريج.

يزعم الحوثيون أنهم يناصرون فلسطين وأعينهم باتجاه المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية (إ.ب.أ)

كما تسبب هجوم صاروخي حوثي في مقتل 3 بحّارة وإصابة 4 آخرين، بعد أن استهدف في خليج عدن سفينة «ترو كونفيدنس»، وهي سفينة شحن ليبيرية ترفع علم باربادوس في السادس من مارس الحالي، وهو أول هجوم قاتل تنفذه الجماعة.

وأطلقت واشنطن تحالفاً دولياً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سمّته «حارس الازدهار»؛ لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، قبل أن تشنّ ضرباتها على الأرض.

شكوى إلى مجلس الأمن

على خلفية تفجير الحوثيين المنازل في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء، دعت الحكومة اليمنية، مجلس الأمن الدولي إلى إدانة، ما وصفته بـ«الجرائم الوحشية التي ترتكبها الميليشيات الحوثية الإرهابية وبشكل قاطع بحق المدنيين اليمنيين الأبرياء».

وحذّرت الحكومة في رسالة إلى مجلس الأمن، (الخميس)، من أنه «لا يمكن السماح باستمرار انتهاكات الميليشيات الحوثية وجرائمها وسلوكها الإرهابي وتهديدها للسلام والاستقرار في اليمن والمنطقة دون عقاب». وحثّت المجلس على اتخاذ إجراءات ملموسة وصارمة لمحاسبة الحوثيين، بما في ذلك تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً».

وسلطت الحكومة اليمنية في رسالة وجهتها عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، إلى مجلس الأمن الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة، وجميع وفود الدول الأعضاء، الضوءَ على مقتل وإصابة ما لا يقل عن 35 من المدنيين الأبرياء معظمهم من النساء والأطفال، جراء تفجير الحوثيين منازل في مدينة رداع.

خزان النفط اليمني «صافر» لا يزال يمثل مشكلة بيئية رغم تفريغ النفط إلى سفينة بديلة (رويترز)

ووصفت الرسالة الواقعة بأنها «تُعدّ انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، وكل والأعراف والقيم الإنسانية».

وقالت الحكومة اليمنية: «إن ارتكاب الميليشيات الحوثية الإرهابية لهذه الجريمة البشعة في هذا الشهر الفضيل يعد تجلياً واضحاً لطبيعة هذه الجماعة الإرهابية المجرمة وسلوكها البشع وامتداداً لعدوانها الذي تمارسه ضد الشعب اليمني منذ انقلابها على الدولة وتطلعات الشعب».

وأوضحت الرسالة اليمنية أن كثيراً من المنظمات الحقوقية وثّقت وأبلغت عمّا لا يقل عن 900 حادثة تفجير أو هدم للمنازل السكنية من قِبل الحوثيين ضد مَن يعارض أجندتهم، بما في ذلك منازل وممتلكات السياسيين والإعلاميين والمشايخ والمواطنين الأبرياء.

وأشارت إلى أن جرائم الحوثيين ضد المدنيين الأبرياء في محافظة البيضاء، واليمنيين في أماكن أخرى، من قتل وحصار وخطف وتدمير وتفجير للمنازل، ونهب الممتلكات، وترويع النساء والأطفال بشكل ممنهج، تشكّل انتهاكات خطرة للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان.

وحذّرت الحكومة اليمنية من أن الأعمال الإجرامية الحوثية «تهدد بتبديد فرص السلام، وتقويض الجهود الإقليمية والدولية، وجهود المبعوث الخاص للأمين العام إلى اليمن الرامية إلى تأمين وقف شامل لإطلاق النار، واستئناف العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة؛ بناءً على مرجعيات الحل السياسي المتفق عليها».

وثّقت منظمات حقوقية تفجير الحوثيين نحو 900 منزل منذ 2014 (إكس)

وجدّدت الرسالة التزام الحكومة باستعادة مؤسسات الدولة، وإسقاط الانقلاب، وإنهاء إرهاب الميليشيات الحوثية، وتحقيق السلام المستدام والأمن والاستقرار في جميع أنحاء اليمن والمنطقة.

وأعادت الحكومة اليمنية التذكير بأنها استجابت لنداءات المبعوث الخاص للأمم المتحدة والدعوات الإقليمية والدولية؛ للحفاظ على الجهود الرامية لتحقيق السلام منذ انقضاء الهدنة الأممية الهشّة، رغم عدم التزام الحوثيين بأحكامها.

وحذرت «من أن تقاعس الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي سيبعث برسالة خاطئة ولن يؤدي إلا إلى تشجيع الميليشيات الحوثية الإرهابية على مواصلة سلوكها الإرهابي، وتهديد الأمن والسلم الإقليميَّين والدوليَّين».


مقالات ذات صلة

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

العالم العربي صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي قادة حوثيون يزورون أحد السجون الخاضعة لهم في صعدة (إعلام حوثي)

الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

توسّع الحوثيون في تجنيد منتسبي الأجهزة الأمنية والسجناء لتعويض خسائرهم في الجبهات، بعد تعثر حملات الاستقطاب، وسط ضغوط وتهديدات ومخاوف أسرية متزايدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي جبهة المقاطرة تسببت بنزيف كبير للحوثيين مع امتلاء مستشفيات التربة بالجثث والمصابين (إكس)

مراهنة حوثية على شبكات قديمة للتجنيد في ريف تعز

يتجه الحوثيون إلى القرى في ريف تعز، لتنشيط شبكات التجنيد القديمة بإغراءات المال وضغوط الوجهاء، فيما يرفض الأهالي تحويل أبناء مناطقهم إلى وقود لحرب الجماعة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مع رئيس الحكومة شائع الزنداني (سبأ)

تعديل وزاري بالحكومة اليمنية شمل 3 حقائب

صدرت أربعة قرارات جمهورية يمنية، الاثنين، بتعديل وزاري في حكومة الدكتور شائع الزنداني شمل 3 حقائب، وتعيين سفير بوزارة الخارجية، ومسؤولين بوزارة النقل.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي قوات ألوية العمالقة تشتبك مع الحوثيين في جبهات لحج وباب المندب (إعلام عسكري)

استئناف المعارك ضد الحوثيين في محور باب المندب

استؤنفت المعارك ضد الحوثيين في باب المندب بالتزامن مع تقدم العمالقة في المضاربة ووصول تعزيزات حكومية إلى المقاطرة لاستعادة مواقع سيطرت عليها الجماعة سابقاً

«الشرق الأوسط» (عدن)

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

​في وقت تحرز فيه القوات المسلحة اليمنية تقدماً في مختلف الجبهات، وكان آخرها جبهة الجوف، يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

ويرى خبير عسكري أن هذه القرارات تتجاوز تغيير شاغلي المناصب؛ إذ تهيئ لقيادة محلية قادرة على مساندة المعركة، وحشد التأييد الشعبي في محافظتين مهمتين باتجاه صنعاء.

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

وجدد مجلس القيادة الرئاسي المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» حتى تحقق كافة أهدافها بإنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وفي هذا السياق، صدر قرار بتعيين اللواء حسين العجي العواضي محافظاً للبيضاء، بينما عُيِّن اللواء أمين علي العكيمي محافظاً للجوف وقائداً لمحورها العسكري.

وفي موازاة التغييرات المحلية، أجرى مجلس القيادة الرئاسي تعديلاً وزارياً محدوداً، شمل تعيين سالم ثابت العولقي وزيراً للإعلام، والقاضي أكرم نصيب العامري وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، وأحمد صالح العولقي وزيراً للإدارة المحلية.

وقال العميد ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعيينين يمثلان «ضرورة عسكرية في المقام الأول، وقَبَلية في المقام الثاني»، بالنظر إلى أهمية المحافظتين في مسار العمليات باتجاه العاصمة صنعاء.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة سابقة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

وأضاف أن العكيمي والعواضي يحظيان -حسب تقديره- باحترام واسع وثقل قبلي في محافظتيهما، معتبراً أن اختيار القيادتين يعكس قراءة لمزاج السكان، بما قد يساعد على تعزيز الحاضنة الشعبية للعملية العسكرية.

وقال إن هذه الحاضنة «ركيزة أساسية من ركائز صناعة القرار العسكري الذي يراعي السكان»، وإن استيعابها قد يسهل حشد الدعم للعملية.

وأشار صالح إلى الأهمية الاستراتيجية لمحافظة البيضاء، وما وصفه بوجود حاضنة سكانية رافضة للمشروع الحوثي، معتبراً أن توقيت تعيين محافظ لها يعزز الاستعداد للمرحلة المقبلة.

وتبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

وأشارت دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للبحوث)

ورأى العميد صالح أن أثر هذه القرارات سيظهر في قدرتها على دعم القوات على الأرض، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية أوسع في البيضاء، إلى جانب مساندة المعارك الدائرة في الجوف.

وجدد مجلس القيادة الرئاسي دعوته سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في القتال، ورفض التعاون مع الأنشطة العسكرية والأمنية للجماعة، وعدم الاستجابة لحملات التحشيد، مؤكداً أن «باب العودة الآمنة مفتوح» لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، وفق الإجراءات المعلنة.


الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

وسّعت الجماعة الحوثية نطاق حملات التجنيد لتعويض خسائرها البشرية المتزايدة في جبهات القتال، مستهدفة هذه المرة منتسبي الأجهزة الأمنية والسجناء والمحتجزين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات أخرى، في مؤشر على اتساع أزمة المقاتلين داخل صفوفها وتعثر محاولاتها استقطاب عناصر جديدة من المجتمع.

وفي أحدث هذه التحركات، دفعت الجماعة بمئات الضباط والأفراد من منتسبي شرطة المرور وأمن الطرق في صنعاء ومحافظتي ذمار وإب إلى جبهات القتال في تعز ولحج والساحل الغربي، بعد سحبهم من مواقع عملهم وتجميعهم في العاصمة وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى خطوط المواجهة.

وفي مسار موازٍ، حاولت الجماعة استقطاب مئات السجناء والمحتجزين في الإصلاحية المركزية بصنعاء، عبر مقايضة الإفراج عنهم بالالتحاق بصفوفها والقتال في جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، لكنها لم تحصل، وفق مصادر محلية وحقوقية، إلا على موافقة نحو 42 سجيناً من إجمالي المستهدفين، وسط رفض الغالبية العظمى للعروض والضغوط المصاحبة لها.

جبهات تعز تواصل استنزاف الجماعة الحوثية وتطارد تعزيزاتهم (إكس)

وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن قيادات أمنية حوثية أشرفت على عمليات استقطاب في أوساط منتسبي الإدارة العامة للمرور في صنعاء ومكاتبها بمحافظتي ذمار وإب، يتقدمها القيادي بكيل البراشي، الذي ينتحل صفة مدير عام شرطة المرور، ونجيب الأسدي، المعين مديراً عاماً للمرور في العاصمة المختطفة.

محاولة سد النقص

وفي ظل هذا الاستقطاب، قالت المصادر المطلعة في صنعاء إن الجماعة الحوثية سحبت مئات العناصر من مواقع عملهم في الشوارع والطرقات، قبل تجميعهم في أحد ميادين صنعاء وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم إلى جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، في محاولة لسد النقص المتزايد في صفوف مقاتليها جراء الخسائر البشرية المتلاحقة.

ولا تقتصر هذه التحركات على شرطة المرور وأمن الطرق، إذ سبق للجماعة أن دفعت، خلال الأسابيع الماضية، بدفعات من عناصر ما تُسمى «وحدات الضبط المروري»، وهي فصيل أمني مستحدث يديره القيادي عبد الكريم الحوثي، المعين وزيراً للداخلية في الحكومة غير المعترف بها، إلى جبهات الضالع ومأرب وتعز والجوف والساحل الغربي.

عناصر من وحدات الضبط المروري دفع بهم الحوثيون إلى جبهات الساحل الغربي (إكس)

وحسب المصادر، كانت الجماعة قد سخّرت هذه الوحدات في قمع المواطنين وترهيبهم وابتزاز سائقي المركبات والمارة، قبل أن تنقل منتسبيها من الشوارع إلى مواقع المواجهة، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاستنزاف، لتشمل قطاعات أمنية كانت تؤدي أدواراً مرتبطة بإحكام قبضتها على المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الخسائر البشرية التي تتكبّدها الجماعة في جبهات القتال، خصوصاً في محافظتي تعز ولحج، حيث قال مصدر مقرب من دائرة حكم الحوثيين في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات تواجه استنزافاً بشرياً غير مسبوق في مختلف الجبهات، وإن حجم خسائرها خلال الأشهر الأخيرة تجاوز قدرتها على تعويض المقاتلين، رغم حملات التجنيد والتحشيد المستمرة.

قادة حوثيون يزورون أحد السجون الخاضعة لهم في صعدة (إعلام حوثي)

وأضافت المصادر أن الجماعة بدأت الترتيب لإلحاق الموافقين بدورات عسكرية مكثفة وسريعة، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، من دون مراعاة لأوضاعهم أو مدى أهليتهم للمشاركة في القتال.

وفي محاولة لتوسيع دائرة الاستجابة، مارست عناصر حوثية ضغوطاً على الرافضين، شملت التهديد بالعقوبات وسوء المعاملة والحرمان من الزيارات، إلى جانب استغلال الأوضاع المعيشية لأسرهم عبر تقديم مساعدات مالية محدودة مقابل قبولهم الالتحاق بالجبهات، وفقاً لحقوقيين في صنعاء.

تجنيد قسري

وعدّ حقوقيون هذه الممارسات شكلاً من أشكال التجنيد القسري، مؤكدين أن استخدام الاحتجاز والحرمان من الحقوق الأساسية وسيلة لإجبار السجناء على القتال يمثّل انتهاكاً خطيراً للقواعد القانونية والإنسانية.

وقال سجين سابق في الإصلاحية المركزية بصنعاء إن المحتجزين لا يواجهون عروضاً حقيقية للإفراج عنهم، بقدر ما يتعرضون لعملية ابتزاز سبق أن طالت سجناء آخرين خلال الأشهر الماضية.

سجناء أفرج عنهم الحوثيون حديثاً في صنعاء مقابل الالتحاق بصفوفهم (فيسبوك)

وأضاف أن «الميليشيات الحوثية تريد منهم الذهاب إلى الجبهات مقابل الإفراج عنهم، ومن يرفض يواجه مزيداً من التضييق والعقوبات»، مشيراً إلى أن المحتجزين على ذمة قضايا مختلفة لا يريدون أن تتحول ملفاتهم القضائية إلى وسيلة لإجبارهم على القتال.

من جهته، أعرب أحد أقارب محتجز في السجن ذاته عن مخاوفه من أن يتحول الإفراج عن السجناء إلى بوابة للزج بهم في المعارك بدلاً من إعادتهم إلى أسرهم، وقال إن العائلات باتت تخشى خروج أبنائها من السجن إلى الجبهات بدلاً من العودة إلى منازلهم.

واعتبر ناشط حقوقي من صنعاء أن ما يجري يمثّل شكلاً خطيراً من التجنيد القسري، موضحاً أن «هذه ليست موافقات طوعية، بل قرارات تُنتزع تحت الإكراه والضغط النفسي والإنساني»، وأن مقايضة الحرية بالقتال تحوّل السجون إلى أدوات لتوفير المقاتلين وتحرم المحتجزين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.


مراهنة حوثية على شبكات قديمة للتجنيد في ريف تعز

سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)
سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)
TT

مراهنة حوثية على شبكات قديمة للتجنيد في ريف تعز

سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)
سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)

تواجه الجماعة الحوثية مأزقاً بشرياً متفاقماً في جبهات جنوب غربي اليمن، دفعها إلى تصعيد عمليات التجنيد القسري واستقطاب المقاتلين من أهالي مديريات جنوب محافظة تعز ومنطقة الحجرية، محاولةً استثمار مخطط سابق جنّدت من خلاله عديداً من أبناء هذه المناطق قبل سيطرتها عليها بأعوام.

وأدت المعارك العنيفة التي تشهدها محافظة لحج، إلى تدفق هائل للقتلى والجرحى الحوثيين إلى المستشفيات المحلية، وسط تعتيم إعلامي صارم في مديرية الشمايتين المجاورة.

وذكرت مصادر ميدانية في المنطقة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية دشنت حملات استقطاب وتجنيد مكثفة تستهدف الشباب والأهالي في مديريات المواسط والشمايتين وجبل حبشي في محافظة تعز، محاولةً استغلال الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية للأهالي أداةً للمساومة، والضغط على الوجهاء المحليين للدفع بأبناء مناطقهم إلى خطوط القتال لتعويض النقص الحاد في مخزونها البشري.

ورغم أن هذا التحرك يُواجَه برفض مجتمعي واسع من السكان الذين يرفضون الدفع بأبنائهم في معارك الجماعة، فإن المصادر أفادت بتمكنها من استقطاب العشرات، ونقلهم إلى معسكرات التدريب تمهيداً للدفع بهم إلى مختلف الجبهات.

جبهة المقاطرة تسببت بنزيف كبير للحوثيين مع امتلاء مستشفيات التربة بالجثث والمصابين (إكس)

وتشير المعلومات إلى أن عمليات التجنيد لا تزال محدودة ومحصورة في أوساط اجتماعية موالية للجماعة التي تسعى لتوسيعها لتشمل جميع السكان الذي يرفضون الاستجابة لمحاولاتها الحثيثة تطبيع العلاقات معهم، ومن ذلك مساعيها لاستئناف العملية التعليمية.

وتوضح المصادر أن الجماعة مهّدت لهذه الممارسات منذ ما قبل وصولها إلى هذه المناطق بفترة طويلة، وذلك من خلال خلايا نشطت هناك لإقناع العشرات من الشباب بالانتقال إلى مناطق سيطرة الجماعة والانضمام إلى معسكرات التدريب وجبهات القتال مقابل عديد من الإغراءات.

ومن تلك الإغراءات، حسب مصادر «الشرق الأوسط»، الحصول على مبالغ مالية لمساعدتهم على الزواج وترتيب أوضاعهم العائلية، إلى جانب الرواتب والمكافآت.

ومما ساعد على اقتناع هؤلاء الشباب بالانضمام إلى الجماعة في الفترة السابقة، الهدوء الذي تشهده الجبهات بسبب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة من 4 أعوام، مما ساعد على طمأنتهم بقلة المخاطر على حياتهم وسلامتهم.

استراتيجية التجنيد

وحسب المصادر، فإن المشرفين الحوثيين وقادة الخلايا المسؤولين عن الاستقطاب والتجنيد من مناطق سيطرة الحكومة، عملوا على إقناع من جرى استقطابهم بأن انضمامهم إلى الجماعة لن يكلفهم سوى الانتقال إلى مناطق سيطرة الجماعة والالتزام بالتدريبات القتالية والبقاء في جبهات القتال، مقابل حصولهم على الرواتب ومساعدتهم على الزواج.

بسيطرتهم على ريف محافظة تعز يحاصر الحوثيون المدينة ويتسببون بأزمات خانقة فيها (رويترز)

وتبين المصادر أن الجماعة حرصت على عدم الزج بمن استطاعت تجنيدهم في المعارك التي خاضتها للسيطرة على مناطقهم، حرصاً على ولائهم، ولاستخدامهم في إقناع أقرانهم بالانضمام إليها لاحقاً.

ويرى مراقبون أن أحد أسباب إقدام الجماعة الحوثية على توسيع سيطرتها إلى مديريات جنوب محافظة تعز، هو الكثافة السكانية لهذه المناطق، مما يتيح لها تحويلها إلى خزان بشري جديد لرفد الجبهات بالمقاتلين.

وتسبب فشل الحوثيين في اقتحام مدينة تعز والسيطرة على جبل صبر، المحاذي لها، بتغيير في خطط الجماعة الميدانية وإعادة توزيع مقاتليها ونشرهم في الجبهات.

خسائر الجماعة الحوثية في جبل صبر دفعتها لاستبدال المقاتلين بعد إنهاكهم نفسياً وبدنياً (إعلام عسكري)

وسجلت التقارير الأخيرة لجوء الجماعة إلى سحب مجموعات من مقاتليها القدامى من جبهات تعز (مثل جبهتي الشقب والأقروض في جبل صبر) في تعز، بعد إصابتهم بإنهاك بدني ونفسي شديدين نتيجة البقاء الطويل في خطوط التماس، مما ضاعف حاجتها لتجنيد بدلاء من أبناء المناطق الجنوبية للمحافظة لتعويض هذا النزيف.

استمرار النزيف البشري

وانعكست آثار التجنيد المتسارع والدفع بالمقاتلين غير المدربين سريعاً على أرض الميدان؛ حيث تشهد مناطق سائلة سوق الربوع وأسفل عقبة هيجة العبد بمديرية المقاطرة شمالي محافظة لحج، والمجاورة لمديرية الشمايتين، معارك محتدمة منذ أيام أوقعت خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجماعة.

وأكدت مصادر طبية ومحلية أن مستشفى خليفة العام في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين استقبل عشرات القتلى والجرحى من عناصر وقيادات الميليشيا الحوثية، والذين سقطوا جراء الضربات المركزة للقوات الحكومية والمقاومة المحلية.

وفرضت الجماعة طوقاً أمنياً مشدداً وتكتماً إعلامياً صارماً حول المستشفى، ومنعت طواقم التصوير أو تسريب أي إحصائيات دقيقة تكشف عن حجم الخسائر البشرية الفادحة التي تلقتها، والتي شملت قيادات ميدانية بارزة.

قيادات حوثية قدِمت من صنعاء إلى مدينة التربة لتقرير مصير العملية التعليمية (إعلام حوثي)

وتكشف هذه التطورات عن أن استراتيجية التجنيد الحوثية الجديدة في مناطق الحجرية لا تستهدف فقط السيطرة الميدانية، بل محاولة خلق سياج بشري محلي مستدام لحماية خطوط إمدادها، وهو ما يهدد بتفجير الوضع الاجتماعي في تلك المناطق جراء الرفض الشعبي المتصاعد لسياسة الحشد والإقحام القسري في الصراع.

ويرفض الأهالي في مختلف مديريات تعز، التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، السماح لأطفالهم بالعودة إلى المدارس خوفاً من أنشطة التعبئة والتجنيد الحوثية.

وعلقت السلطات التعليمية الحكومية في المحافظة العملية التعليمية بعدة قرارات منذ بدء التصعيد الحوثي، محذرةً مديري المدارس والمكاتب التعليمية من الاستجابة للجماعة والسماح لها باستخدام المدارس لتجنيد الأطفال.