الغلوتين في الحبوب يتسبب في اضطرابات مَرضية متعددة

كثيراً ما يتم تشخيصها خطأً بالقولون العصبي لتشابه الأعراض

الغلوتين في الحبوب يتسبب في اضطرابات مَرضية متعددة
TT

الغلوتين في الحبوب يتسبب في اضطرابات مَرضية متعددة

الغلوتين في الحبوب يتسبب في اضطرابات مَرضية متعددة

قد يشكو أحدهم لسنوات من أعراض مزعجة في جهازه الهضمي، ويظل يتنقل من طبيب إلى طبيب ربما لسنوات دونما جدوى في الوصول إلى تشخيص طبي. أو أن يتم تشخيصه في آخر الأمر بـ«القولون العصبي»، ثم يتنبه أحد الأطباء بعناية للحالة، ويكون الأمر بسبب الغلوتين في القمح، وليس القولون العصبي.

إن معاناة البعض بعد تناول القمح أو أي أطعمة أو مشروبات تحتوي عليه، كالخبز أو المعجنات أو المعكرونة أو خلّ القمح أو البيرة (بخلاف المشروبات الكحولية المقطرة الصافية المستخلصة من القمح Wheat، مثل الفودكا أو الجن أو الويسكي)، هي غالباً بسبب وجود بروتين الغلوتين Gluten. وهو بروتين يوجد أيضاً في الشعير Barley والجاودر Rye.

تفاعلات الغلوتين

والواقع، أن الاضطرابات المَرضية التي يتسبب بها تناول الغلوتين، هي بالفعل ذات أهمية لأربعة أسباب رئيسية، وهي:

* الأطعمة المشتقة من القمح هي، وببساطه شديدة، من أكثر المنتجات الغذائية تناولاً، والغلوتين يشكل نسبة 80 في المائة من البروتينات في الخبز والمعكرونة. وكما يقول أطباء كليفلاند كلينك: «الغلوتين موجود في عدد لا يحصى من الأطعمة والمشروبات، وغيرها من المنتجات».

* الأمراض المرتبطة بالقمح شائعة لدرجة تقارب أو تفوق انتشار أمراض شرايين القلب أو ارتفاع الكوليسترول أو مرض السكري (كما سيأتي). ومع ذلك، قلما يُلتفت إلى احتمالات تسببه بأي مشاكل صحية أو تداعياتها، على الرغم من تنبه الأطباء القدماء جداً إلى هذا الأمر، مثل إشارة أريتايوس القبادوقي (واحد من أشهر الأطباء الإغريق القدماء) في عام 250 بعد الميلاد، إلى حالة كوييلياكوس Koiliakos (كويليا Koelia كلمة يونانية تعني البطن) مرتبط بتناول القمح.

* تفاعل الجسم سلبياً مع دخول الغلوتين يختلف بين الناس، ويأخذ طيفاً واسعاً من الحالات المرضية المختلف بعضها عن بعض. وبالتالي، يتخذ هيئات مرضية «مُربكة» في التصنيف الطبي (مع عدم وجود اتفاق طبي واضح في تصنيفاتها)، وكذلك في التشخيص الإكلينيكي وكيفية التيقن من ذلك. وهذا كله نتيجة «وضوح» جوانب و«غموض» جوانب أخرى في آليات الفسيولوجيا المَرضية Pathophysiology التي تحصل في أجسام بعض الناس بعد تناول أي نوع من الأطعمة المحتوية على الغلوتين.

* تشابه أعراض الجهاز الهضمي بعد تناول القمح، لدى البعض الذين لديهم «مشكلة» مع تناول الغلوتين، يجعل الكثير منهم يُصنفون مرضى مُصابين بـ«القولون العصبي»، وهم ليسوا كذلك بالفعل (كما سيأتي توضيحه).

حالات الغلوتين المرضية

وما هو معروف طبياً حتى اليوم من هيئات الحالات المرضية التي يتسبب بها تناول القمح المحتوي على الغلوتين هو:

- إما على هيئة مرض سيليك Celiac Disease لنوعية محددة من «حساسية» الغلوتين.

- أو على هيئة «حساسية غير سيليك للغلوتين» NCGS، كنوع من حساسية الطعام العامة.

- أو على هيئة حالة «عدم تحمل» بروتين الغلوتين Gluten Intolerance، دون وجود تفاعلات حساسية بالمعنى الدقيق.

- أو على هيئة ترنح الغلوتين Gluten Ataxia.

- أو على هيئة التهاب الجلد الحلئي الشكل Dermatitis Herpetiformis.

وفي إحدى المراجعات العلمية (المكتبة الوطنية الطبية الأميركية National Library of Medicine، أكتوبر/ تشرين الثاني 2022) لكتاب طبي بعنوان «المشاكل الطبية المرتبطة بالغلوتين»، كتبه باحثون من جامعة ولاية ميشيغان وجامعة نيفادا، أفادوا بالقول: «الغلوتين هو موضوع حديث، يحظى باهتمام وأبحاث كبيرة. والغلوتين مهم للأطباء؛ لأنه يحتوي على مجموعة من الأمراض المرتبطة به. ولقد أصبح محبوباً من قِبل وسائل الإعلام على مدى السنوات القليلة الماضية؛ وذلك لمجموعة متنوعة من الأسباب الطبية وغير الطبية. وقد أدى الاهتمام إلى ظهور مجموعة كبيرة من المؤلفات والمعلومات التي تكون مربكة ومضللة في بعض الأحيان. وتحتاج الأمراض المرتبطة بالغلوتين إلى تصنيف بناءً على الحقائق الطبية المؤكدة».

وبالتالي، يشكل هذا «الارتباك»، إشكالية في التشخيص والمتابعة الطبية، ودرجة إجراء الفحوص، وأيضاً في طريقة المعالجة، والمضاعفات والتداعيات المستقبلية.

وفي مراجعة طبية بعنوان «حساسية غير سيليك للغلوتين: العرض الإكلينيكي والمسببات والتشخيص التفريقي»، (عدد أغسطس/ آب - سبتمبر/ أيلول الماضيين من مجلة «طب الجهاز الهضمي والكبد» Gastroenterology & Hepatology) أفاد باحثون من إسبانيا بأن: «حساسية غير سيليك للغلوتين هي أحدث الأمراض المدرجة في مجموعة الاضطرابات المرتبطة بالغلوتين». وبعد استعراضهم ما هو متوافر من معلومات علمية وإكلينيكية حتى اليوم عن هذه الحالة الحديثة الوصف طبياً، قال الباحثون: «هناك حاجة إلى مزيد من البحوث حول حساسية غير سيليك للغلوتين؛ لتحسين فهم مسبباتها المرضية والسمات الإكلينيكية».

وأكد على هذا الواقع من عدم الوضوح لدى الأوساط الطبية، باحثون من كليفلاند كلينك في دراستهم بعنوان «الاضطرابات المرتبطة بالغلوتين من المقعد (في المختبر) إلى السرير (في غرفة المريض)»، والمنشورة ضمن عدد أكتوبر الماضي من مجلة «علم أمراض الكبد والجهاز الهضمي الإكلينيكي» Clin Gastroenterol Hepatol. وقال فيها الباحثون الأميركيون: «يشكل كل من مرض سيليك، وحساسية غير سيليك للغلوتين، وحساسية القمح، ثلاث من الحالات الرئيسية التي يحفز الأعراض فيها (تناول) الأطعمة التي تحتوي على القمح والغلوتين. إن التميز بين هذه الحالات قد يكون أمراً شاقاً».

انتشار الإصابات وصعوبة التشخيص

واللافت في الأمر، أن هذه الحالات بعمومها ليست نادرة، ولكن لا يتم بشكل واضح تشخيصها. وبلغة الإحصاء والأرقام، فان إجمالي معدلات الإصابات بين الناس بها، كما تفيد بعض المصادر الطبية، تفوق في الواقع معدلات انتشار الإصابات بأمراض شرايين القلب. وتشير بعض المصادر الطبية إلى أن انتشار كل أنواع المعاناة من الغلوتين، قد تصل إلى 13 في المائة من الناس في بعض المجتمعات.

وفي التفصيل، فإن معدل انتشار مرض سيليك في عموم الناس من بعض مناطق العالم (بناءً على نتائج اختبارات تحاليل الدم المصلية Serologic Test) يبلغ ما بين 1.5 في الولايات المتحدة و2 في المائة كل من إيطاليا وفنلندا. ولكن، ووفق ما تفيد به مؤسسة مرض سيليك في كاليفورنيا Celiac Disease Foundation: «يتم تشخيص نحو 30 في المائة فقط منهم بشكل صحيح». وأن 83 في المائة يتم تشخيصهم بشكل خاطئ بأمراض أخرى في الجهاز الهضمي، وخاصة القولون العصبي. وتضيف الإحصائيات الأميركية، أن المريض بسيليك يُمضى ما بين 6 و8 سنوات وهو يتنقل بين الأطباء، كي يصل إلى طبيب يُشخص حالته بشكل صحيح. وأن الواحد من هؤلاء الذين لم يتم بعد تشخيصهم بمرض سيليك، يُنفقون على صحتهم مبلغ 5 آلاف دولار سنوياً أكثر من غيرهم، مقارنة بالناس الأصحاء. وأن معدل الانتشار العالمي لمرض سيليك يتراوح ما بين 5 و10 في المائة بين المجموعات المعرضة بشكل أعلى للإصابة به، أي الذين لديهم إما متلازمة داون Down Syndrome أو متلازمة تيرنر Turner Syndrome، أو مرض السكري من النوع 1 T1DM، وأمراض الغدة الدرقية الناجمة عن اضطرابات المناعية الذاتية. وتشير بعض الدراسات الشرق أوسطية إلى أن معدل انتشار مرض سيليك بين المصابين بمرض السكري من النوع 1 هي 12 في المائة، أي ضعف معدل الانتشار العالمي البالغ 6 في المائة.

وفي معدلات انتشار حالات عدم تحمل الغلوتين، يقول أطباء كليفلاند كلينك على موقعها الإلكتروني: «يعاني نحو 6 في المائة من سكان الولايات المتحدة حالة عدم تحمّل الغلوتين».

مرض سيليك... آليات مَرَضية واضحة

يحدث مرض سيليك نتيجة رد فعل مناعي في الأمعاء الدقيقة، تجاه تناول بروتين الغلوتين في القمح، نتيجة وجود استعداد جيني لدى الشخص.

وعندما يتفاعل الجهاز المناعي للجسم بشكل مفرط مع الغلوتين الموجود بالطعام، فإن هذا التفاعل يتلف النتوءات الشعرية الصغيرة، الزغابات، التي تبطّن الأمعاء الدقيقة. والزغابات هي المكان الذي تُمتص فيه الفيتامينات والمعادن والعناصر المغذية الأخرى من الطعام الذي نأكله.

وفي حال تضرر وضمور الزغابات Villous Atrophy، لن يمكننا الحصول على ما يكفينا من العناصر المغذية، بغض النظر عن مقدار ما نتناوله من الأطعمة المحتوية عليها. وبالتالي، كما تفيد الكثير من مصادر طب الجهاز الهضمي والمناعة، يتسبب هذا التلف المعوي غالباً في ظهور أعراضٍ لها علاقة من جوانب عدة بسوء الامتصاص Malabsorption، مثل الإسهال، أو التعب، أو فقدان الوزن، أو الانتفاخ، أو فقر الدم، أو فقدان كثافة العظام، أو تنميل ووخز في القدمين واليدين، أو الإصابة بمشكلات محتملة في التوازن، أو ضعف الإدراك. ويمكن أن يؤدي أيضاً إلى مضاعفات أبعد (مثل العقم)، في حال عدم علاجه أو السيطرة عليه.

وثمة طريقة طبية منهجية واضحة الخطوات، في تشخيص هذه الحالات، وصولاً إلى التشخيص بشكل يقيني.

وعلى الرغم من عدم وجود علاج دوائي محدد يشفي من مرض سيليك، فمن الممكن أن يساعد اتباع نظام غذائي «صارم» و«خالٍ تماماً» من الغلوتين، في علاج الأعراض وتعافي الأمعاء لدى معظم المصابين.

بين «حساسية غير سيليك» ضد الغلوتين وعدم تحمله

إضافة إلى مرض سيليك ذي التصنيف الطبي الواضح، يوضح أطباء كليفلاند كلينك، أن المرء قد يكون مصاباً بحالة «عدم تحمل الغلوتين» Gluten Intolerance إذا شعر بالتعب أو الغثيان أو الانتفاخ بعد تناول الأطعمة المحتوية على الغلوتين، وخاصة الخبز أو المعكرونة. أي بأعراض شبيهة بتلك التي تصاحب «القولون العصبي».

كما أن البعض الآخر قد تظهر لديه، بعد تناول الغلوتين، حالة ثالثة، هي «حساسية غير سيليك للغلوتين» NCGS.

وأضافوا: «يسبب عدم تحمل الغلوتين والحساسية من الغلوتين، الكثير من الأعراض نفسها التي يسببها مرض سيليك، ولكنهما ليسا الحالة نفسها. والأشخاص الذين يعانون عدم تحمل الغلوتين ليس لديهم حساسية فعلية للغلوتين، وليس لديهم جين غير طبيعي، ولا تظهر في دمائهم أجسام مضادة ضد الغلوتين».

والأسباب الدقيقة لعدم تحمل الغلوتين ليست مفهومة جيداً. وتظهر بعض الأبحاث أن هؤلاء الأشخاص قد لا تكون لديهم مشكلة مع بروتين الغلوتين نفسه، ولكن تجاه أنواع أخرى من الكربوهيدرات الموجود في الكثير من الأطعمة التي يتواجد فيها الغلوتين. وأجسادهم لا تهضم وتمتص هذه الكربوهيدرات كما ينبغي. وبالتالي؛ عندما تصل تلك الكربوهيدرات إلى الأمعاء الغليظة (القولون) وتتخمر فيها، تظهر أعراض هضمية مزعجة. ولذا؛ يتم في الغالب تشخيصهم خطأً بمرض القولون العصبي.

وحول سؤال: هل عدم تحمل الغلوتين هو حساسية الغلوتين؟، أفاد أطباء كليفلاند كلينك بالقول: «عدم تحمل الطعام وحساسية الطعام ليسا الشيء نفسه. تحدث حساسية الطعام، مثل حساسية القمح، عندما يبالغ جهازك المناعي في رد فعله بعد تناول طعام معين. وقد تسبب الحساسية الحكة أو القيء أو ضيق التنفس».

الـ«حساسية» من طعام معين تختلف عن «عدم تقبل» الجسم له

إن ظهور تفاعلات ومظاهر الـ«حساسية» في الجسم بعد تناول طعام معين، هو نتيجة تفاعل الجهاز المناعي.

أما ظهور أعراض ومظاهر «عدم تقبل» الجسم لتناول طعام معين، فهو نتيجة تفاعل الجهاز الهضمي.

ومظاهر «الحساسية» يمكن أن تظهر إما في الجهاز الهضمي أو على مناطق مختلفة من الجسم خارج الجهاز الهضمي. ولكن مظاهر «عدم التقبل» تظهر غالباً في الجهاز الهضمي وحده.

والحساسية بالأصل، ردة فعل يُبديها جهاز المناعة تجاه مركبات كيميائية معينة موجودة في الطعام. وغالب تلك المركبات الغذائية هي «بروتينات». مثل الحساسية من الفول السوداني أو البيض أو الأسماك أو السمسم أو الموز، وغيرها. ولذا؛ فإن تناول، ولو كميات صغيرة من ذلك الطعام الذي يحتوي على المركبات المسببة للحساسية، يمكن أن يؤدي إلى ظهور مجموعة مختلفة من الأعراض، والتي يمكن أن تكون حادة أو مهددة للحياة.

ولكن في المقابل، تعكس أعراض حالات «عدم تحمل» طعام معين، معانة المرء من صعوبة تواجه الجهاز الهضمي في إتمام عمليات هضم ذلك الطعام المعين أو مجموعة غذائية معينة فيه.

ومن أشهر أمثلة ذلك، عدم تحمل سكر اللاكتوز Lactose Intolerance. وسكر اللكتوز هو السكر الرئيسي في الحليب؛ ما يعني أن الأشخاص الذين لديهم حالة «عدم تحمل اللكتوز» سيواجهون صعوبة في هضم الحليب ومشتقات الألبان (ما عدا لبن الزبادي).


مقالات ذات صلة

صحتك تناول الشوفان قد يكون له تأثير مفيد على ضغط الدم (بيكسلز)

هل يساعد الشوفان على خفض ضغط الدم؟ وما الكمية المناسبة؟

يُعد الشوفان من الأطعمة التي يمكن أن تجد طريقها بسهولة إلى النظام الغذائي الداعم لصحة القلب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك البطيخ يساعد بشكل أساسي في الترطيب (رويترز)

8 أسباب تشجعك على تناول المزيد من البطيخ هذا الصيف

ليس هناك ما هو أكثر إنعاشاً في يوم صيفي حار من شريحة بطيخ باردة. وبصرف النظر عن كونه لذيذاً، يعد البطيخ غذاءً صحياً وعنصراً أساسياً للترطيب وتعافي العضلات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص الأم الفلسطينية ميساء أبو دقة وابنها حبيب مريضان بالسكرى ويواجهان صعوبة في توفير العلاج (الشرق الأوسط) p-circle 03:17

خاص مرضى السكري في غزة يواجهون حرباً بلا هدنة

يواجه مرضى السكري في قطاع غزة، حربين مختلفتين بلا هدنة؛ الأولى مثَّلتها الحرب الضارية الإسرائيلية منذ 3 سنوات، والأخرى يخوضونها لتدبير أدويتهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

زيادة وزن ترمب تثير مخاوف بشأن صحته

أثارت الزيادة الملحوظة في وزن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاوف عدد من الأطباء، بالتزامن مع تساؤلات أخرى حول حالته الصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأولى من نوعها في العالم: صمامات قلب اصطناعية تسهِم في علاج أمراض القلب

د.هولي فوغز الباحثة مع الطفلة إيميلي المصابة بعيب خلقي في القلب (موقع معهد مردوخ الأسترالي لأبحاث الأطفال)
د.هولي فوغز الباحثة مع الطفلة إيميلي المصابة بعيب خلقي في القلب (موقع معهد مردوخ الأسترالي لأبحاث الأطفال)
TT

الأولى من نوعها في العالم: صمامات قلب اصطناعية تسهِم في علاج أمراض القلب

د.هولي فوغز الباحثة مع الطفلة إيميلي المصابة بعيب خلقي في القلب (موقع معهد مردوخ الأسترالي لأبحاث الأطفال)
د.هولي فوغز الباحثة مع الطفلة إيميلي المصابة بعيب خلقي في القلب (موقع معهد مردوخ الأسترالي لأبحاث الأطفال)

تمكن باحثون من معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، من إنتاج أول نسيج ثلاثي الأبعاد لصمامات القلب البشرية في العالم باستخدام الخلايا الجذعية. وتحاكي هذه الصمامات إلى حد كبير الصمامات الحقيقية الموجودة في جسم الإنسان. ونُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة الخلايا الجذعية Cell Stem Cell في النصف الأول من شهر أغسطس (آب) من العام الحالي.

تطور في زراعة الأنسجة

وقالت الدكتورة هولي فوغزHolly Voges الباحثة الرئيسية في هذه الدراسة، إن هذا الإنجاز الكبير سوف يسهِم بشكل فعال في تطوير زراعة الأنسجة، سواء في الأطفال أو البالغين، خاصة الأنسجة التي تقوم بوظائف دقيقة مثل الصمامات في القلب، كما أنه يُعزّز فهم الكيفية التي تنمو بها هذه الأنسجة البشرية وكيف يتم نضجها مع التقدم في العمر؛ ما يؤدي إلى التوصل إلى طرق أفضل للوقاية من هذه الأمراض والتوصل إلى علاج فعال لها.

من المعروف أن أمراض القلب التي تؤثر بالسلب على الصمامات تُعدّ مشكلة صحية عالمية رئيسية؛ إذ إنها تُصيب نحو 28 مليون شخص، وتحدث نتيجة لتلف في خلايا الصمام يؤدي إلى عدم فتح أو غلق واحد أو أكثر من صمامات القلب بشكل صحيح؛ ما يؤثر بشكل سلبي على تدفق الدم ويُحدِث خللاً في الجهاز الدوري. وإذا تم ترك هذا التلف دون علاج، يؤدي إلى إجهاد القلب على المدى الطويل، ويمكن أن يصبح مهدداً للحياة.

تلف خلايا صمامات القلب

العيوب الخلقية في الأطفال في الأغلب تكون السبب الأساسي في حدوث تلف في خلايا صمامات القلب، ولكن هناك بعض الأسباب الأخرى المكتسبة، ومن أهمها التهابات القلب الروماتيزمية التي تحدث نتيجة لمضاعفات طويلة الأمد للحمى الروماتيزمية التي تسببها عدوى المكورات العقدية Streptococcus إذا لم يتم علاجها بشكل جيد، وهذه الأسباب المكتسبة يمكن تلافيها من خلال الرعاية الطبية الجيدة والوقاية من الآثار السلبية للعدوى.

وفي الدول المتقدمة تكون العيوب الخلقية هي السبب الرئيسي لأمراض القلب لدى الأطفال بنسبة تتجاوز 90 إلى 95 في المائة، وفي المقابل تمثل الأسباب المكتسبة مثل الالتهابات الروماتيزمية نسبة لا تتجاوز 5 في المائة؛ وذلك بسبب الرعاية الصحية المتطورة، والوقاية من مضاعفات العدوى.

ولكن في الدول النامية تصل نسبة الالتهابات الروماتيزمية إلى نسب تتراوح بين 40 و60 في المائة من إجمالي مشاكل أمراض القلب لدى الأطفال، بسبب عدم معالجة العدوى بشكل فعال؛ ما يؤدي إلى التعرض للمضاعفات الخطيرة.

تجنّب إجراء جراحة استبدال الصمام

النموذج الحالي الذي تم ابتكاره سوف يساعد في تجنب إجراء جراحة استبدال الصمام؛ لأن هذه الجراحات لها آثار جانبية خطيرة مثل ارتفاع خطر الإصابة بجلطات الدم، واحتمالية خضوع الأطفال لاحقاً لعمليات جراحية عدة خلال حياتهم. لذا؛ فإنه سيوفر الحماية من إصابات أمراض القلب الروماتيزمية ويحمي من المخاطر الصحية خاصة في الدول التي تفتقر إلى الرعاية الصحية الجيدة.

إعادة بناء التركيب المعقد لأنسجة الصمامات البشرية بدقة متناهية

وتأتي أهمية هذا الاكتشاف في أنه يُمكّن العلماء من اختبار وتطوير طرق فعالة لعلاج أمراض الصمامات على الأنسجة التي تم ابتكارها من أجل هذه التجارب من دون الخوف من الأعراض الجانبية التي يمكن أن تؤثر بالسلب على حياة المرضى إذا تمت تجربتها على الأنسجة البشرية.

في النهاية، أكد الباحثون أن الخلايا الجذعية مكَّنتهم من إعادة بناء التركيب المعقد لأنسجة الصمامات البشرية بدقة متناهية، وفي المستقبل يمكن استخدام هذه التقنية لعمل نماذج للصمامات بدقة أكبر، ودعم تطوير صمامات بديلة تنمو وتتكيف مع جسم المريض.


هل يساعد الشوفان على خفض ضغط الدم؟ وما الكمية المناسبة؟

تناول الشوفان قد يكون له تأثير مفيد على ضغط الدم (بيكسلز)
تناول الشوفان قد يكون له تأثير مفيد على ضغط الدم (بيكسلز)
TT

هل يساعد الشوفان على خفض ضغط الدم؟ وما الكمية المناسبة؟

تناول الشوفان قد يكون له تأثير مفيد على ضغط الدم (بيكسلز)
تناول الشوفان قد يكون له تأثير مفيد على ضغط الدم (بيكسلز)

يُعدّ الشوفان من الأطعمة التي يمكن أن تجد طريقها بسهولة إلى النظام الغذائي الداعم لصحة القلب، ليس فقط لأنه غني بالألياف، وإنما لاحتوائه على مجموعة من العناصر الغذائية التي قد تساعد في دعم مستويات ضغط الدم.

وتشير أبحاث علمية إلى أن تناول الشوفان، خصوصاً الغني بالألياف القابلة للذوبان، قد يكون له تأثير مفيد على ضغط الدم، مع أهمية اختيار النوع المناسب وطريقة تناوله.

دور الشوفان في خفض الضغط

أظهرت مراجعة علمية نشرها موقع «بب ميد» (PubMed) شملت 21 تجربة عشوائية وأكثر من 1500 مشارك أن تناول الشوفان ارتبط بانخفاض ملحوظ في ضغط الدم الانقباضي بمتوسط يقارب 2.8 درجة. وكان التأثير أكثر وضوحاً لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم.

ويشير الباحثون إلى أن هذا التأثير يرجع لاحتوائه على الألياف القابلة للذوبان مثل «بيتا-غلوكان»، إلى جانب المغنسيوم والبوتاسيوم.

ألياف «بيتا-غلوكان»

ألياف «بيتا-غلوكان» هي ألياف ترتبط بعدد من الفوائد الصحية، من بينها دعم صحة القلب والمساعدة في التحكم بالشعور بالشبع وسرعة الهضم.

وأظهرت دراسة سريرية قديمة على أشخاص يعانون ارتفاع ضغط الدم نشرها «بب ميد» (PubMed) أن تناول ألياف «بيتا-غلوكان» ارتبط بانخفاض ضغط الدم الانقباضي والانبساطي.

المغنسيوم والبوتاسيوم

لا تقتصر القيمة الغذائية للشوفان على الألياف، فهو من الحبوب الكاملة التي توفر مجموعة من المعادن، ومنها المغنسيوم والبوتاسيوم.

وتوضح جمعية القلب الأميركية أن البوتاسيوم يساعد في تقليل تأثير الصوديوم في الجسم، كما يُسهم في إرخاء جدران الأوعية الدموية، وهو ما يدعم التحكم في ضغط الدم.

أما المغنسيوم فيلعب دوراً مهماً في تنظيم ضغط الدم والحفاظ على صحة الأوعية الدموية.

ما الكمية المناسبة من الشوفان يومياً؟

يمكن اعتبار نحو نصف كوب من الشوفان الجاف، أي قرابة 40 غراماً، حصة غذائية مناسبة يمكن إدخالها يومياً ضمن نظام غذائي متوازن، حسبما نقله موقع «مايو كلينيك».

لكن من المهم عدم اعتبار هذه الكمية جرعة علاجية لارتفاع ضغط الدم، فالدراسات التي بحثت تأثير الشوفان في الضغط استخدمت كميات وتركيبات مختلفة، وبالتالي لا توجد كمية واحدة يمكن اعتبارها علاجاً للمرض.

الشوفان الكامل أفضل من الأنواع المحلاة

تنصح كلية هارفارد للصحة العامة باختيار الشوفان الكامل غير المُحلى وتجنّب الإضافات الغنية بالسكر والملح التي تضر بصحة القلب وضغط الدم.

وتضع جمعية القلب الأميركية الشوفان الكامل ضمن خيارات الحبوب الكاملة التي يمكن إدخالها في النظام الغذائي الصحي، كما تُوصي بالاعتماد على الحبوب الكاملة الغنية بالألياف.

ويمكن تحضير الشوفان بالماء أو الحليب قليل الدسم، وإضافة الفواكه الطازجة والمكسرات غير المملحة والقرفة بدلاً من كميات كبيرة من السكر.

هل يمكن للشوفان أن يحل محل أدوية الضغط؟

رغم النتائج المشجعة لا ينبغي التعامل مع الشوفان باعتباره علاجاً بديلاً لأدوية ارتفاع ضغط الدم. فالأدلة تشير إلى أنه قد يكون جزءاً من نمط غذائي صحي يساعد في التحكم بالضغط، وليس بديلاً عن العلاج الذي يصفه الطبيب.


تأثير تناول الزبادي على مرضى السكري

يُفضل اختيار الزبادي الطبيعي غير المحلى لمرضى السكري (أرشيفية - أ.ف.ب)
يُفضل اختيار الزبادي الطبيعي غير المحلى لمرضى السكري (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تأثير تناول الزبادي على مرضى السكري

يُفضل اختيار الزبادي الطبيعي غير المحلى لمرضى السكري (أرشيفية - أ.ف.ب)
يُفضل اختيار الزبادي الطبيعي غير المحلى لمرضى السكري (أرشيفية - أ.ف.ب)

يرتبط تناول الزبادي الطبيعي غير المُحلى بانتظام بانخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، كما قد يساعد في دعم استقرار مستويات السكر في الدم.

ويُعد الزبادي غير المُحلى خياراً مناسباً لمرضى السكري، خصوصاً الأنواع الغنية بالبروتين، إذ يتميز عادةً بمؤشر غلايسيمي منخفض نسبياً، ما يعني أنه لا يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستويات سكر الدم.

وقد يساعد البروتين والدهون الموجودان في الزبادي على إبطاء هضم وامتصاص الكربوهيدرات، بما يدعم التحكم في سكر الدم. ومع ذلك، يُفضّل اختيار الزبادي الطبيعي غير المُحلى وتجنّب الأنواع المضاف إليها السكر، مع مراعاة الكمية ضمن النظام الغذائي اليومي.

دراسات علمية عن الزبادي والسكري

تشير مجموعة من الدراسات السابقة إلى أن الزبادي، خصوصاً الزبادي الطبيعي غير المُحلى، قد يكون خياراً مفيداً ضمن النظام الغذائي لمرضى السكري أو للوقاية من السكري من النوع الثاني، لكن تأثيره لا يُعد علاجاً للمرض بحد ذاته.

تشير دراسات عدة إلى أن تناول الزبادي قد يرتبط بفوائد تتعلق بالسكري من النوع الثاني. فقد وجدت دراسة تحليلية نُشرت في مجلة «BMC Medicine» عام 2014، وشملت بيانات من دراسات متابعة طويلة الأمد، أن تناول منتجات الألبان، خصوصاً الزبادي، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

كما خلصت مراجعة منهجية وتحليل «تلوي» نُشرا في مجلة «Nutrients» عام 2021 إلى أن تناول الزبادي ومنتجات الألبان المخمرة قد يرتبط بتحسن بعض المؤشرات المتعلقة بسكر الدم وحساسية الإنسولين، وإن كانت النتائج متفاوتة بين الدراسات.

ووفقاً لما نشره موقع جامعة هارفارد، فإن إدارة الغذاء والدواء الأميركية أعلنت في مارس (آذار) 2024 أنها ستسمح لمنتجي الزبادي بالإشارة إلى أن الاستهلاك المنتظم لمنتجاتهم قد يقي من داء السكري من النوع الثاني، شريطة أن تتضمّن الملصقات أيضاً توضيحاً بأن هذا الادعاء يستند إلى «أدلة علمية محدودة».

وفي مقال نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 5 مارس، ذكر فرانك هو، أستاذ التغذية وعلم الأوبئة ورئيس قسم التغذية في كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة، أن هناك بعض الأبحاث التي تدعم هذا الادعاء. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجراها هو وزملاؤه عام 2014 ارتباطاً بين الاستهلاك المنتظم للزبادي -دون غيره من منتجات الألبان- وانخفاض خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. وأوضح هو في المقال أن البكتيريا الحية الموجودة في الزبادي قد تُقلل من الالتهابات ومقاومة الإنسولين.

فوائد الزبادي على مرضى السكري

انخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني: وجدت دراسات أن تناول الزبادي بانتظام يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بمحتواه من البروتين والكالسيوم وبعض المركبات الناتجة عن التخمير.

تأثير محدود على سكر الدم بعد تناول الطعام: يتميز الزبادي الطبيعي عادةً بمؤشر غلايسيمي منخفض نسبياً، كما يمكن للبروتين والدهون فيه أن يبطئا هضم وامتصاص الكربوهيدرات، ما قد يساعد على الحد من الارتفاع السريع في سكر الدم.

دعم التحكم في سكر الدم: تشير بعض التجارب والدراسات إلى أن إدخال منتجات الألبان المخمرة، ومنها الزبادي، ضمن نظام غذائي متوازن قد يرتبط بتحسن بعض مؤشرات التحكم في الجلوكوز، وإن كانت النتائج بين الدراسات غير متطابقة.

دور محتمل للبروبيوتيك: يحتوي بعض أنواع الزبادي على بكتيريا نافعة (بروبيوتيك)، وقد بحثت دراسات تأثيرها في حساسية الإنسولين ومستويات السكر. وتشير بعض التحليلات إلى فوائد محتملة، لكنها ليست كبيرة أو مؤكدة بما يكفي لاعتبار البروبيوتيك علاجاً للسكري.

المساعدة في الشبع وإدارة الوزن: يوفر الزبادي البروتين، وقد يساعد تناوله ضمن وجبة متوازنة على زيادة الشعور بالشبع. والحفاظ على وزن صحي مهم خصوصاً في حالة السكري من النوع الثاني، لأنه قد يحسّن حساسية الإنسولين والتحكم في سكر الدم.

قد يكون أفضل من بعض الوجبات السكرية: استبدال الحلويات أو الوجبات الخفيفة الغنية بالسكر بزبادي طبيعي غير محلى يمكن أن يقلل كمية السكريات المضافة والكربوهيدرات سريعة الامتصاص في النظام الغذائي.

ما يجب اختياره وتجنّبه:

اختر الزبادي اليوناني أو الآيسلندي العادي: يحتوي هذان النوعان على نسبة بروتين أعلى ونسبة كربوهيدرات أقل من الأنواع العادية أو النباتية.

تحقّق من الملصق للتأكد من خلوه من السكر: اختر المنتجات التي تحتوي على 5 غرامات أو أقل من السكر لكل حصة، وخالية تماماً من السكريات المضافة.

تجنّب الأنواع المنكهة: غالباً ما تخفي أنواع الزبادي بنكهة الفاكهة والمُحلاة كميات كبيرة من السكريات المضافة، مما يجعلها أشبه بالحلوى وليست وجبة خفيفة صحية.

أضف إضافات صحية: عزّز مذاق الزبادي العادي بأمان باستخدام التوت الطازج أو المكسرات غير المملحة أو بذور الشيا بدلاً من الغرانولا السكرية أو الشراب.