مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

وثائق عن بعض أمراء المؤمنين

استمع إلى المقالة

لمّا رجع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس ليعرف أخبار رعيته، فمرَّ بعجوز في خباء لها فقصدها، فسألته: ما فَعَلَ عمر؟ قال: قد أقبل من الشام سالماً، فقالت: يا هذا، لا جزاه الله خيراً عنّي، فقال: ولمَ؟ قالت: لأنه ما أنالني من عطائه منذ وُلِّي أمر المسلمين ديناراً ولا درهماً، فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله، والله ما ظننت أن أحداً يلي على الناس، ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها.

فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: وا عمراه، كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر، ثم قال لها: يا أمة الله، بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من النار؟ فقالت: لا تهزأ بنا يرحمك الله، فقال عمر: لست أهزأ بكِ، ولم يزل حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين ديناراً، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعت العجوز يدها على رأسها وقالت: وا سوأتاه، شتمتُ أمير المؤمنين في وجهه؟ فقال لها عمر: لا بأس عليك، يرحمكِ الله، ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ وُلِّي الخلافة إلى يوم كذا، بخمسة وعشرين ديناراً، ثم دفعها إلى ولده وقال له: إذا أنا متُّ فاجعلها في كفني ألقى بها ربي.

ومن مواقفه: أُحضر الهرمزان بين يدي أمير المؤمنين عمر مأسوراً فدعاه إلى الإسلام، فأبى، فأمر بضرب عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين قبل أن تقتلني اسقني شربة من الماء، ولا تقتلني ظمآناً، فأمر له عمر بقدح مملوء ماء، فلما صار القدح في يد الهرمزان، قال: أنا أأمن حتى أشربه؟ قال: نعم لك الأمان، فألقى الهرمزان الإناء من يده فأراقه، ثم قال: الوفاء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: دعوه حتى أنظر في أمره.

فلما رفع السيف عنه، قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله.

قال عمر: لقد أسلمت خير الإسلام فما أخّرك؟ قال: خشيت أن يقال إني أسلمت خوفاً من السيف، فقال عمر: إنك لفارس حكيم، استحققت ما كنت فيه من الملك. ثم إن عمر، بعد ذلك كان يشاوره في إخراج الجيوش إلى أرض فارس ويعمل برأيه.