شارل بودلير وجان دوفال: الحب بوصفه انتقام الذات من نفسها ومن الآخر

رأى فيها نموذجاً لمواصفات الجمال القبيح الذي يليق بالموت

لوحة «عشيقة بودلير مستلقية»  التي رسمها كلود مونيه بناءً على طلب بودلير
لوحة «عشيقة بودلير مستلقية» التي رسمها كلود مونيه بناءً على طلب بودلير
TT

شارل بودلير وجان دوفال: الحب بوصفه انتقام الذات من نفسها ومن الآخر

لوحة «عشيقة بودلير مستلقية»  التي رسمها كلود مونيه بناءً على طلب بودلير
لوحة «عشيقة بودلير مستلقية» التي رسمها كلود مونيه بناءً على طلب بودلير

- ماذا تفعل هنا يا بودلير؟
- أراقب مرور رؤوس الموتى يا عزيزي مونسيليه.
قد يكون هذا الحوار الخاطف الذي يورده لوك ديكون في كتابه عن بودلير، أحد المفاتيح الملائمة للولوج إلى عالم الشاعر الفرنسي الأشهر الذي كان يرى في الموت الحقيقة الوحيدة التي تؤول إليها مصائر الكائنات، بصرف النظر عن طبيعة الحياة التي عاشتها. إلا أن هذا الشعور العميق بالموت لم يدفع بودلير إلى التنسك أو الاستسلام يائساً لمصيره المحتوم، بل ذهب باتجاه التخوم الأخيرة للحب والمتعة والشغف بالملذات. وإذا كان في موهبته الفطرية المتوقدة وتكوينه العصبي والنفسي ما هيأه للوقوف على مفترق العصور، ولشطر المفاهيم المتعلقة بالفن والأدب ولغة الشعر إلى شطرين متغايرين، فالأرجح أن ظروف نشأته الصعبة، وافتقاره إلى الحب والتوازن العاطفي، كان لهما الأثر الأكبر في لجوئه إلى كسر المحظورات المختلفة التي اعترضت طريقه، وفي تنكبه لطرق في الكتابة جديدة تماماً وغير مسبوقة، لم تكن قصيدة النثر سوى إحدى تجلياتها الأمثل.
على أن الصدع المؤسس لانشطار بودلير النصفي، لم يقتصر على الرحيل المبكر لأبيه الرسام، بل تمثّل في مسارعة أمه الشابة كارولين إلى الزواج من رجل بالغ القسوة هو الجنرال أوبيك، الذي حوّل حياة الطفل الهش إلى جحيم خالص. وحيث بدا واضحاً تعلق الأم بفارسها الجديد، فقد شعر شارل أن العلاقة القائمة بين الطرفين هي نوع من الحب «السِّفَاح» الذي كان يتم من فوق سريره الشخصي، معرِّضاً روحه للتدمير وطفولته للاغتصاب.

بودلير

«حين يكون لامرأة ما ابنٌ مثلي، فليس عليها أن تتزوج للمرة الثانية»، يقول بودلير لأمه كارولين بعد أن شعر بأنه بات في ظل خيانتها له، وحيداً وبلا سند. ولعل حاجته الملحّة إلى الانتقام المزدوج من الأم والزوج هي التي جعلته يخوض معاركه الانتقامية عبر الانقلاب الجذري على مستويات اللغة وتقاليد الشعر والفن وقواعد السلوك. وهو ما عكسته بشكل واضح طريقة هندامه البعيدة عن المألوف، والتي حَدَت بالبعض إلى نعته بالداندي أو «الغندور»، فيما نَعَته البعض الآخر بالمنحرف الشاذ ذي الميول المثلية. أما علاقته بالمومسات، ومن بينهن اليهودية سارة التي تسببت في إصابته بالسفلس، فبدت طريقته الهوجاء في الانتقام المزدوج من أمه ومن نفسه على حد سواء. وإذ يؤكد سارتر على عقدة الأم عند بودلير، يشير في الوقت ذاته إلى تكوينه السادو مازوشي، وإلى ميله للعقاب الذاتي، كما إلى كرهه للطبيعة وولعه بالحياة المدينية والموضة والمخدرات وسائر «الفراديس المصطنعة».
لم يكن غريباً تبعاً لذلك أن تتمكن الممثلة الشابة السوداء جان دوفال التي غادرت جزيرتها البعيدة ميممةً شطر باريس، لتلعب أدواراً ثانوية في بعض المسرحيات، من الظفر بقلب الشاعر المتعطش للحب، رغم أن وجهها كان مبقعاً بعلامات الجدري، وكانت أقرب إلى البشاعة منها إلى الجمال. ومع ذلك فقد كانت بالنسبة لبودلير النقيض الصارخ لصورة أمه، ذات المظهر الأرستقراطي والأناقة الباذخة. كما كانت مطابقة إلى حد بعيد لمواصفات الجمال اللائق بالموت، أو الجمال الذي «يجمع بين النشوة والحزن، وبين الحيوية المتأججة والمرارة القادمة من الحرمان». أما دوفال فقد وجدت في الشاعر فرصتها للهروب من راعيها الجشع الذي يسلبها معظم ما تجنيه من نقود. وما شجعها على ملازمة بودلير هو وعده لها بمد يد العون، بمجرد انتهائه من المعاملات القانونية المتعلقة بحصوله على نصيبه الوافر من ميراث أبيه.
وما ضاعف من تعلق بودلير بدوفال هو استعدادها، وقد علمت بأمر مرضه الخطير والمعدي، للتضحية بكل شيء شرط ألا يتخلى عنها. ولم ينقضِ وقت طويل بعد ذلك، حتى وقعت جان فريسة المرض الذي لم ينجح بودلير في تجنيبها إياه رغم كل ما بذله من جهود. إلا أن ما كان يتهدد علاقة الطرفين المترنحين بين الوئام والتنابذ، لم يكن المرض وحده، بل التقهقر المطّرد لوضع الشاعر المادي الذي دفعه في قمة يأسه إلى محاولة انتحار فاشلة، رأى فيها البعض وسيلته الأنجع لابتزاز أمه ودفعها إلى مده بما يلزمه من المال. وإذ عمد بودلير إلى هجر دوفال لفترات غير قليلة، منخرطاً حينها في علاقة غرامية عابرة مع الممثلة ماري دوبران أو مع مدام ساباتييه، فقد كان يعود إليها مرة تلو الأخرى، كما لو أنها قدره ومآله ولعنته الدائمة. ومع ذلك فلم يكن لدوفال أن تقتنع تماماً بأن ديوان «أزهار الشر»، قد كُتب لها بالذات كما زعم بودلير، بل رأت في صوره واستعاراته وإشاراته الكثير من ملامح غريمتها البيضاء.
أما انضمام بودلير إلى ثورة الاشتراكيين «الفوضويين» ضد نظام الحكم الفاسد عام 1848، فقد بدا تصادياً رمزياً مع الفوضى العارمة التي تعصف بحياته، ومع شغفه البالغ بهدم الجدران المحيطة به، وهو حين راح يهتف على نحو هستيري في الجماهير المندفعة نحو شوارع باريس «لنعدم الجنرال أوبيك»، فلأنه عثر على الفرصة النموذجية لتصفية حسابه الباهظ مع الجنرال الذي نغّص عليه حياته برمّتها.
ومع أن وفاة الجنرال أوبيك بدت بمثابة هدية ثمينة بعثت بها السماء إلى بودلير، فإنها جاءت متأخرة كثيراً بالنسبة إلى الشاعر المثخن بالآلام والمكابدات. فبالإضافة إلى ضائقته المالية المتفاقمة ومشاحناته المتواصلة مع عشيقته، التي وصلت إلى حدود العنف الجسدي في بعض الأحيان، تعرض عمله الشعري الأشهر «أزهار الشر» لحملات شعواء قادها ضده خصومه ومنافسوه الكثر الذين طالبوا بمصادرة الديوان ومحاكمة صاحبه بدعوى «إهانة الأخلاق العامة». ورغم أن الشاعر الذي كان الباريسيون بمعظمهم يعلمون بشأن مرضه، قد بذل مع المتحمسين لتجربته الرائدة جهوداً مضنية لنيل البراءة، فإن المحكمة التي أفرجت عن العمل أصرت في المقابل على أن تُحذف منه القصائد الأكثر جرأة وصلةً بالرذيلة، فضلاً عن عقوبة مالية باهظة ما لبث الشاعر المفلس أن أُعفي منها.
وأكثر ما زاد الأمور سوءاً هو التراجع المفاجئ لوضع جان الصحي التي فقدت معظم بصرها، كما أُصيبت بنوع من الشلل جعلها تستعين في مشيتها بالعكاز، وهو ما عكسته بوضوح لوحة «عشيقة بودلير مستلقية»، التي رسمها كلود مانيه بناءً على طلب صديقه الأثير. ومع ذلك فقد استطاعت جان أن تصمد لسنوات عدة بعد رحيل بودلير الذي تدهورت حالته بشكل متسارع، وفقد القدرة على السير والنطق، قبل أن يصاب بالصرع ويفقد القدرة على الكتابة بشكل نهائي، ليشيح بوجهه صيف العام 1867 عن الحياة برمتها، ودون أن يقف على سر «ذلك الكائن الرهيب وغير المفهوم الذي يتعذر التواصل معه، ربما لأنه لا يملك ما يمكن إيصاله»، كما سبق له أن وصف المرأة في إحدى مقالاته.
وإذ يدفع الفضول مغنية الأوبرا الشابة إيما كالفيه أن تسأل جان دوفال عن علاقتها ببودلير، بعد أحد عشر عاماً من موته، تؤكد لها هذه الأخيرة أن حبها له لم تخمد نيرانه أبداً، إلا أنها تستدرك قائلة: «لا أتمنى لك يا جميلتي أن تكوني محبوبة شاعر، حتى لو كان أعظم الشعراء، لأن الحياة مع هذا الصنف من البشر عذاب حقيقي، تَلوح من ورائه في بعض الأحيان سعادة فائقة يوفرها الحب». وما قالته دوفال لم يكن بعيداً عن الحقيقة بأي حال. ولعلها في تلك اللحظة تذكرت قصيدة بودلير التي تختزل علاقته الفصامية بها وبنفسه وبالعالم، والتي يقول فيها:
إنها في صوتي، هذه الصيّاحة
إنها في دمي، هذا السم الأسود
أنا المرآة المشؤومة
حيث تنظر المرأة الشريرة إلى صورتها
أنا الجرح والسكين والصفعة والخد
أنا الأطراف ودولاب التعذيب
والضحية والجلاد


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها، إذ أصدرت محكمة حلوان (جنوب القاهرة) حكماً بتغريمه لصالحها، وفق بيان أصدره، الأحد، المحامي ياسر قنطوش المستشار القانوني للفنانة المصرية.

وأصدرت «الدائرة الثالثة» بمحكمة تجاري كلي حلوان، حكمها في الدعوى رقم 159 لسنة 2025، المقامة من شيرين عبد الوهاب، ضد شقيقها محمد عبد الوهاب، والذي قضى بإلزام المدعى عليه بسداد مبلغ 120 ألف دولار، بالإضافة إلى الفوائد القانونية من تاريخ المطالبة وحتى السداد.

وحسب بيان قنطوش، فإن «شيرين عبد الوهاب نجحت في الحصول على حكم قضائي جديد يضاف إلى سلسلة انتصاراتها القانونية الأخيرة، بما يعكس قوة موقفها، وثبوت أحقيتها أمام القضاء».

وأكد قنطوش، في بيانه أن «هذا الحكم هو الثاني لصالح شيرين خلال أيام، حيث أصدرت محكمة جنح القاهرة الاقتصادية حكمها في واقعة الاستيلاء على الحسابات (السوشيالية)، الرسمية الخاصة بها، وقضت فيه بتغريم المتهم مبلغ 50 ألف جنيه، وإلزامه بسداد تعويض مدني قدره 20 ألف جنيه، بعد ثبوت تحقيقه أرباحاً غير مشروعة من تلك الحسابات.

شيرين عبد الوهاب تعرضت لأزمات متكررة في السنوات الأخيرة (حسابها على فيسبوك)

وسبق ذلك صدور حكم في القضية رقم 1548 لسنة 2026 جنح قسم المقطم، بحبس شقيقها محمد لمدة 6 أشهر، وإلزامه بدفع كفالة مالية قدرها 2000 جنيه على خلفية اتهامه بـ«التعدي عليها».

وتعليقاً على الأزمة الحالية بين شيرين عبد الوهاب وشقيقها، قال الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين، إن «مشكلة شيرين تكمن في ظهور كل تفاصيلها العائلية أمام الرأي العام»، موضحاً أن «حصولها على حقها القانوني يؤكد وجود مشكلة بالفعل تم إثباتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أصبحت علاقة شيرين بشقيقها هكذا، بعدما كان بجانبها طوال مسيرتها، ومن الذي جعل الخلاف بينهما يصل إلى هذه الدرجة؟».

وأضاف أحمد سعد الدين لـ«الشرق الأوسط»: «جمهور شيرين لم يعد يعي ما الذي يحدث في حياتها تحديداً، وهل هي على علم بكل ما يدور»، لافتاً إلى أن «المشكلات التي تحيط بشيرين أثرت بشكل كبير على حياتها ومشوارها المهني، ووجودها الفني على الساحة، إذ نطمح أن تعود لجمهورها، وتستعيد نشاطها بشكل مختلف وثقافة واسعة وأن يكون بجانبها من يهتم بشؤونها، فالموهبة وحدها لا تكفي».

وخلال السنوات الماضية انشغل الناس بحياة شيرين عبد الوهاب، وبتفاصيل علاقتها بالفنان حسام حبيب والتي شهدت فصولاً بين الزواج والطلاق، إلى جانب حرب التصريحات الإعلامية، والقضايا والخلافات العائلية والمهنية، التي جعلتها تتصدر «الترند»، مؤخراً.

وكان أحدث ظهور للفنانة شيرين عبد الوهاب برفقة ابنتها «هنا»، أول أيام «عيد الفطر»، بعد فترة كبيرة من الغياب، وشائعات تدور حول حالتها الصحية، ولفت ظهورها المفاجئ وهي تغني لابنتها أغنية «أكتر وأكتر»، الأنظار حينها، وفي الجانب الفني كانت الأغنية الوطنية «غالية علينا يا بلدنا»، من ألحان عمرو مصطفى، هي أحدث أعمال شيرين والتي طرحتها عبر «يوتيوب».


عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
TT

عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)

قال المؤلف والسيناريست المصري عمرو محمود ياسين إن مسلسله الرمضاني «وننسى اللي كان» تعرض لحملات تشويه دُفعت فيها أموال للإساءة للعمل ولبطلته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكداً في حوار لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل حقق نجاحاً لافتاً واحتل قائمة الأكثر مُشاهدة عبر منصة «شاهد»، مشدداً على أنه لم يُغَير نهاية العمل كما ردد البعض، وإنما كان هناك عيب فني في نسخة الحلقة الأخيرة تم اكتشافه قبل عرضها واستغرق وقتاً لحل المشكلة.

وقال ياسين إن «عصر المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى، وإن أعظم الأعمال في تاريخ الدراما لو عُرضت في هذا التوقيت لواجهت من يعيب فيها»، لافتاً إلى «أنه لم يحسم وبطلته ياسمين عبد العزيز مسألة العمل معاً في رمضان القادم بعد أن جمعتهما 4 مسلسلات».

ياسمين عبد العزيز وكريم فهمي في لقطة من العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وكشف عمرو محمود ياسين أنه لم يكن ينوي تقديم عمل رمضاني هذا العام بعدما واصل العمل منذ رمضان الماضي في مسلسل «وتقابل حبيب» ثم مسلسل «2 قهوة» الذي عُرض خارج الموسم الرمضاني، وكان لديه مسلسل آخر قصير يكتبه فشعر بحاجته للتوقف في رمضان هذا العام، لكن جاء قرار تقديم عمل رمضاني مع ياسمين عبد العزيز متأخراً في أغسطس (آب) الماضي، موضحاً أنه كان لديه قصة ينوي كتابتها لتكون فيلماً عن نجمة لديها معاناة شخصية تطلب من حارسها الشخصي تخليصها من حياتها، وأنه قام بتطويرها لتكون موضوع المسلسل.

لكن هذا المسلسل أدخله في معارك عديدة يقول عنها: «هناك معارك فُرضت علينا خارج الإطار الطبيعي للمهنة، فقد تعرضنا لحملات تشويه غرضها التقليل من قيمة العمل، ومن قيمة أبطاله، ومني شخصياً، وهناك أموال دُفعت لأجل ذلك واستطعت التأكد منها، ما جعله يتصدى لها عبر مواقع (السوشيال ميديا)»، مؤكداً أنه «ليس من هواة الاختفاء والتجاهل، بل يحب الرد على الناس والتفاهم معهم؛ لأن عدم الرد على بعض الأمور أحياناً يجعل الناس تصدق كثيراً من الأكاذيب».

ياسين مع مخرج العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وحول وجود أكثر من عمل عن الوسط الفني وعن رياضة الفنون القتالية التي يؤديها بطله كريم فهمي يقول ياسين: «هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، بل تكرر في أكثر من موسم رمضاني، لكنني لم أكن أعرف شيئاً عن مسلسل (اتنين غيرنا)، وعلمت من اسم مسلسل (على كلاي) أن بطله ملاكم، لكن فوجئت أن الملاكمة تحولت لنفس اللعبة (إم إم إيه)، ووجدت الفنان محمد إمام يقوم بها أيضاً في مسلسل (الكينج)، لكن لا أحد اطلع على سيناريو الآخر، بل هو توارد خواطر مائة في المائة، ويبقى أن كلاً منا يعمل بطريقته، وأن تفاصيل كل عمل مختلفة عن الآخر».

وعن تأجيل عرض الحلقة الأخيرة من المسلسل يقول ياسين: «من أغبى ما ردده البعض أننا قمنا بتأجيل الحلقة الأخيرة من أجل تغيير نهاية المسلسل؛ لأن البعض لا يدرك أن النهاية تكون محددة منذ البداية ومعروفة لفريق العمل الأساسي، وهي أن جليلة ستتزوج بدر وسيعود ليتفوق رياضياً وستدعمه في ذلك، وبناء عليه ستكون نهاية سعيدة، لكن كيف سنذهب لهذه التفصيلة، هذا ما أبني عليه الأحداث من البداية لأصل لتلك اللحظة بشكل مقنع، وما حدث من تأخير عرض الحلقة الأخيرة أننا اكتشفنا عيباً فنياً بها استغرق وقتاً لإصلاحه».

ويقول ياسين: «يبدو أن زمن المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى مع عصر (السوشيال ميديا) وتدخلها في سباق الدراما، فقد بات لها دور، جزء منه غير حقيقي ومدفوع الأجر عبر مقالات وفيديوهات وحملات تشويه لتغيير وجهة نظر الرأي العام، مما أفسد شكل المنافسة التي تتطلب أن يعمل كل فريق دوره ويترك الحكم للجمهور».

وأوضح أنه «لو كانت (السوشيال ميديا) موجودة زمان لقامت بتشويه أعظم الأعمال الدرامية بكل سهولة وبساطة، ورغم ذلك فهناك آراء أهتم بها من جمهور مواقع التواصل، حيث أثق بموضوعيتها، ولا تكون موجهة لصالحي أو ضدي».

ويؤكد ثقته في نجاح «وننسى اللي كان» قائلاً: «نجاح المسلسل مؤكد ومثبت من جهات عديدة، وأرقامنا على قناة (إم بي سي) ممتازة، من حيث حجم الإعلانات وحجم المشاهدة على القنوات، وقد تصدرنا طوال شهر رمضان الأعلى مشاهدة على منصة (شاهد) بين جميع مسلسلات الـ30 حلقة».

من كواليس «وننسى اللي كان» (حساب ياسين على فيسبوك)

ويصف عمرو محمود ياسين مسلسلات الـ30 حلقة بأنها «شغلانة كبيرة»، ويقول: «البعض يتكلم ويدلي برأيه دون معرفة أن هناك صعوبة خاصة حين يكون العمل به نجوم وحسابات إنتاجية وتجارية»، لافتاً إلى أنه ممن بدأوا «الخمس حلقات» والـ10 حلقات، وليس لديه مشكلة في الـ30 حلقة، «لكن من المهم أن نبدأ مبكراً حتى لا نتعرض جميعاً لصراع نفسي رهيب مع الزمن، فقد كنت أواصل العمل 72 ساعة متواصلة بلا نوم، لأكتب كتابات مرنة تناسب الظروف، وأتابع أكثر من وحدة تصوير، لذا أطالب الجهات المسؤولة بضرورة الاستقرار مبكراً لبدء التصوير في وقت مناسب».

وبعد 4 مسلسلات جمعت ياسين وياسمين، وهي «ونحب تاني ليه»، «اللي مالوش كبير»، و«تقابل حبيب»، و«ننسى اللي كان»، يقول إن «كل شيء وارد حيث لم يحسم بعد تعاونه المقبل معها»، مضيفاً: «أحب العمل مع ياسمين وبيننا علاقة قوية على المستوى الإنساني، وهي صديقة مقربة، ليس عندي قرار الآن ولم نجلس لنتحدث، فقد انشغل كل منا في الحصول على فترة راحة بعد إرهاق طويل».


«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.