خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدر له أخيراً كتاب «باريس في الأدب العربي الحديث»

د. خليل الشيخ
د. خليل الشيخ
TT

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

د. خليل الشيخ
د. خليل الشيخ

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية».
أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة. ترجم إلى العربية مجموعة من الأعمال النقدية والإبداعية مثل: «يوميات فرانتس كافكا» و«أوروبا والشرق من منظور واحد من الليبراليين المصريين» لبوبر يوهانزن، و«معجم المتفائلين» لفلوريان لانجن، ورواية «آدم وإيلفين» لإنجو شولتسه، ومؤلفات لشايدت وهيرتا موللر الحائزة على «جائزة نوبل» 2009 وغيرهما.

بدأنا حوارنا مع د. خليل الشيخ مع إشارته لعلاقة أنطوان غالان، مترجم «ألف ليلة وليلة» إلى الفرنسية، بحنا دياب اللبناني الذي ارتحل إلى فرنسا مبكراً في بدايات القرن الثامن عشر، بالسؤال: عن تأثير ذلك في تكوين صورة الشرق لدى الغرب؟
- الحقيقة أن الكشف عن رحلة أنطون يوسف حنا دياب إلى باريس يعد كشفاً شديد الأهمية، لأن رحلته هي الرحلة العربية الأولى، إذ وصل باريس في عام 1708، وقد وصل دياب باريس قادماً من حلب، بعد رحلة طويلة، وكان أول من قابله في باريس لويس الرابع عشر. قدم حنا دياب مع أحد مبعوثي ملوك فرنسا الذي طلب منه مرافقته ليكون مترجمه، لأن دياب كان يعرف الفرنسية والإيطالية والتركية، فضلاً عن العربية. لقد دوّن حنا دياب رحلته بالمحكية السورية، وقد صدرت عن «دار الجمل» بعنوان «من حلب إلى باريس: رحلة إلى بلاط لويس الرابع عشر». لقد توقف دياب عند معالم باريس كالكنائس والمستشفيات ودار الأوبرا والمسرح الكوميدي، ولم يكتف بذلك بل نقل حكايات من شوارع باريس تشير إلى معرفته بالواقع اليومي للمدينة. لقد أعان دياب، غالان، في فهم بعض القضايا في «ألف ليلة وليلة»، كما يشير في كتابه، كما أن بورخيس قد أوضح أن حنا دياب أسهم في وضع بعض الحكايات مثل «حكاية علاء الدين»، و«علي بابا والأربعون حرامي»، و«الأمير أحمد والساحرة»، وغيرها.
> أشرتم في كتابكم إلى أن الأدب الغربي قد رأى في باريس مدينة عالمية قادرة على استيعاب شتى الحضارات. فكيف تعامل الأدب العربي مع المدينة خصوصاً في بدايات تعرفه عليها؟
- تظهر في الأدب الغربي صورتان لباريس: واحدة ذات ملامح إيجابية وأخرى تحمل ملامح سلبية. أما في السياق العربي، فيمكننا رصد بدايتين مختلفتين إلى حدّ ما: بداية جرت تحت الرعاية الرسمية في مصر، وبداية ارتبطت بالإرسالات التبشيرية المسيحية في بلاد الشام. عدا الاهتمام الرسمي منذ غزو نابليون لها سنة 1798، فإنّ رفاعة الطهطاوي أرسى جذور الاهتمام بباريس من خلال كتابه «تخليص الإبريز في تاريخ باريس» الصادر سنة 1834. نجد طائفة من كبار مثقّفي مصر وأدبائها قد درسوا في باريس مثل: محمد حسين هيكل ومصطفى عبد الرازق ومحمد تيمور وتوفيق الحكيم وأحمد شوقي، ومن الجيل التالي أحمد ضيف ومنصور فهمي وطه حسين وغيرهم. ولعل باريس تجلت في كتابات رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وأحمد فارس الشدياق، وفرنسيس مراش وأحمد شوقي وتوفيق البكري وأحمد زكي باشا ومصطفى عبد الرازق ومحمد كرد علي ومحمد تيمور.
> لماذا تم اختيار الحرب العالمية الأولى لتكون حداً فاصلاً فيما يخص هذه الصورة الإيجابية لباريس؟ هل تغيرت صورة باريس بعد ذلك لدى المثقفين العرب؟
- الأمر بالضبط كما أشرتم، وكما وضحت في الكتاب، فقد بدأت صورة باريس بعد الحرب العالمية الأولى بالتغير، وأخذ الافتتان بها يقل نسبياً، وكان لذلك علاقة بتنامي الاهتمام بالثقافة الأنجلوسكسونية التي بدأت تزاحم الثقافة اللاتينية. ولعل المعركة الأدبية التي نشبت بين طه حسين والعقاد عام 1933م تحت عنوان «لاتينيون وسكسونيون» تشكل تجلياً واضحاً للنفوذ الجديد وتفوّق الثقافة الأنجلوسكسونية كما شهد بذلك طه حسين في آخر أيامه.
> ما هي إذن أبرز تلك الملامح الإيجابية التي أعاد كتاب «باريس في الأدب العربي الحديث» رسمها بالاعتماد على آثار كبار الكتاب في مصر والشام حتى الحرب العالمية الأولى؟
- على الرغم من أنّ كلّ واحد من هؤلاء الكبار قد رسم لباريس ملامح اعتمدت إلى حد ما على طبيعة علاقته الخاصة مع المدينة، ومواجهته الذاتية لها، ومرجعيات الشخصية ومنطلقاتها وهمومها، فإنّ ثمة ملامح عامة مشتركة ظهرت عليها باريس. وتتجلى في هذه الملامح ثلاثة وجوه لباريس فهي: مدينة الحضارة والتقدم العلمي والماديّ، ومدينة الآداب والفنون، وجنّة المتع واللذات. ومن الطبيعي أن تصبح مدينة لديها كل هذا قبلة للحضارة ونموذجاً ينبغي اقتفاؤه.
> نعرف أن أوّل من وضع كتاباً خاصاً عن باريس كان رفاعة الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، ونحن نلاحظ هذا السجع في عنوان الكتاب الذي ربما جاء من خلفية الشيخ الأزهري، فهل في رأيكم كانت هذه الخلفية الدينية عائقاً أمام رفاعة عن فهم باريس؟
ــــ لقد ذهب رفاعة الطهطاوي إلى باريس سنة 1826م بناء على رغبة محمد علي في أن يرافق البعثة الأولى إمام أزهري، وبناء على توصية شيخه شيخ الأزهر حسن العطار. لقد اهتمّ رفاعة بنقل صورة دقيقة عن تخطيط باريس، وعادات أهلها، وغذائهم، وملابسهم، ومتنزهاتهم، ونظامهم الصحي، وعنايتهم بالطب وفعل الخير عندهم، ومعتقدهم، والعلوم والفنون والتربية لديهم. وكذلك قام رفاعة - رغم كونه شيخاً أزهرياً - بترجمة الدستور الفرنسي، ورغم موضوعيته، أخذه الانبهار بجمال المدينة وحضارتها، وظلّ يتمنى أن يكون في ديار الإسلام ما يشابهها، وهو ما يتمثل في قوله شعراً:
أيوجد مثل باريس ديارٌ
شموسُ العلم فيها لا تغيبُ
وليل الكفر ليس له صباحٌ
أما هذا وحقّكمُ عجيبُ؟!
> ذكرتم أن صورة باريس لدى كثير ممن زاروها في تلك الحقبة اقترنت بصورة الجنة، وهي صورة تنزع إلى المثالية من جهة وإلى التقديس من جهة أخرى. فكيف تجلّت ملامح هذه الجنة الباريسية في كتابات تلك المرحلة؟
- لقد ظهرت صورة باريس أفضل مدن الدنيا مبكراً لدى الطهطاوي ولدى علي مبارك، لكنّ ربما يكون أول ربط للمدينة بالجنة هو ما نجده لدى أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق فيما هو الفارياق» 1855، لقد جاء الشدياق إلى باريس قادماً من لندن، وبذلك فهو يختلف عن بقية العرب الذين جاءوا إلى باريس من بلدانهم ولم تكن لديهم تجربة أوروبية سابقة، وهو ما يفترض أن يقلل الانبهار بالمدينة الجديدة. لكن الشدياق الذي جاء إلى باريس إثر متاعب أسرية عديدة فقد توفي ابنه ومرضت زوجته وفشل في الحصول على وظيفة، جاء ممتلئاً بالآمال، وهو إذ كان يعتقد أن الفرنسيين «يحبّون التملّق والإطراء» نظم قصيدة في مدح باريس اعتنى بها المستشرقون الفرنسيون وترجموها، ومطلع هذه القصيدة يربط باريس بالجنة:
أذي جنّة في الأرضِ أم هي باريسُ؟
ملائكة سكّانُها أم فرنسيسُ؟
> هل يمكننا القول بناء على ما ذكرتم أن صورة باريس لدى العرب كانت مثالية دائماً محكومة بالانبهار، أم أنّ هناك من الكتّاب من انتبه إلى ملامح سلبية في المدينة في تلك الحقبة المبكرة؟
- كما سبق أن ذكرنا، تظهر صورة سلبية لباريس عند الشدياق في «الساق على الساق» بعد فشله في تحقيق آماله فيها، لكن هذه الصورة تبقى ذاتية لا تنبني على أسس موضوعية. لكنه يعود في كتابه المتأخر «كشف المخبّا عن فنون أوروبّا» ليفضّل باريس على سائر مدن الدنيا. كذلك نجد لدى علي مبارك بداية لصياغة التناقض بين الشرق الروحاني والغرب الماديّ، ولدى محمد المويلحي ذكراً لكثير من مساوئ المدينة، وإن كان يرى أنّ على الشرقيين أن يأخذوا محاسنها ويتجنبوا مساوئها. لكنّ الصورة المثالية للمدينة ظلّت هي الطاغية في تفكير الكتّاب العرب في تلك الحقبة. ومن ثمّ فإنّ إعجاب طه حسين بباريس لم يكن مجرد انفعال عاطفي، وإنما تجسيد حي لمشروع طه حسين الثقافي الحضاري الذي يصل مصر بحضارة الإغريق.
> من خلال مطالعة الكتاب نرى الصورة المثالية التي تحضر فيها باريس في غالبية نماذج الشعر في بدايات القرن العشرين فهي الجنة المقدّسة والمثل الأعلى، فهل نجد تحوّلاً في النظرة إلى المدينة لدى شعراء الحداثة العرب؟
- الصورة الأولى التي ظهرت عليها باريس في الشعر العربي هي التي أطلقت عليها في الكتاب «باريس ذات البعد الجمالي الواحد»، ثم ظهرت بعد ذلك صورة باريس المرأة. وكذلك يسعد بنعيمها الشعراء دون مسؤولية أو رقابة كما لدى عبد الله فكري وحفني ناصف وغيرهما. أظهر نزار قباني نموذجاً آخر للمرأة الباريسية في قصيدته «وجودية»، إذ تستمد «جانين» الفرنسية، أما السياب الذي لم يزر باريس إلا أياماً قليلة أثناء فترة مرضه تعلّق خلالها بـسيدة بلجيكية اسمها لوك نوران، كانت مهتمة بترجمة شعره إلى الفرنسية، وعبرها تعلّق بباريس، وكتب فيها قصيدتين عكستا تجربة السياب الذاتية أكثر من صورة باريس. وحضور الذات القوي وجدناه في تجربة أحمد عبد المعطي حجازي مع باريس التي تعكس ضياعه وغربته. لكننا نجد بدايات التغير في النظرة إلى باريس عند عبد الوهاب البياتي الذي كتب عدة قصائد تبرز وجهاً سلبياً لباريس، ونجد تفاعلاً حضارياً مختلفاً لدى أدونيس في قصيدته النثرية «شهوة تتقدم في خرائط المادة» التي كتبها في باريس في ثمانينات القرن الماضي، وتعكس قصيدته هذه نوعاً من التصالح مع باريس، خصوصاً إذا قارناها بقصيدته «قبر من أجل نيويورك».
> لماذا أبدع الكتّاب والأدباء الأجانب في الكتابة عن باريس أمثال أرنست همنغواي وغوليان غرين وغيرهما، هل هي النظرة الانبهارية أم الرؤية المغايرة؟
- لقد حرصت فرنسا على أن تظل باريس عاصمة عالمية قادرة على جذب الأدباء والمفكرين والفنانين. وقد كان لصالوناتها الأدبية والفنية دور في هذا الجانب، وهنا أود أن أشير إلى صالون مدام دي ستايل التي كان لها دور مهم في السعي لبناء ثقافة فرنسية عابرة للحدود. مثلما كان لجامعاتها ومكتباتها ومقاهيها دور في جذب المبدعين الذين كانوا يرون أن الحياة في باريس تحقق للفنان العزلة والحياة معاً. لقد أحبها هاينريش هايني وريلكه وهمنغواي وغيرهم. كانت باريس تعني حرية التفكير والإبداع والحياة الخالية من القيود مثلما ترتبط بالجمال لهذا أحبها الشعراء، ورأوا فيها ما يساعدهم على الإبداع.
> ماذا يعني في نظركم أن يعيش المثقف العربي الآن على هامش الثقافة الفرنسية دون أن يساهم بها لأنه يكتب بلغته العربية؟
- هذه الظاهرة من آثار العولمة وانهيار المسافات بين الدول، كما أنها من آثار الذهاب إلى فرنسا لعوامل معروفة لدينا. لا ضير أن يكتب المبدع العربي بلغته فقد كتب الألمان والإنجليز بلغاتهم، لكن المهم ألا يبقى الكاتب العربي منعزلاً عن حراك الإبداع في فرنسا وغير قادر على الإفادة منه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي
يوميات الشرق «تقنيات الكتابة الروائية»

«تقنيات الكتابة الروائية»

صدر حديثاً عن «دار كنعان» كتاب «تقنيات الكتابة الروائية»، من إعداد الناقد الأميركي أبراهام شاول بوراك. نقلته إلى العربية إيفا شاهين، وصمم غلافه باسم صباغ. يقدم الكتاب، وفقاً للناشر: «نهوجاً مختلفة في كتابة الرواية لدى أربعين روائياً ناجحاً، جمعيهم يبرهنون أنه لا يوجد نهج واحد لكتابة الرواية. ففي الحقيقة، كل روائي من هؤلاء يستخدم تقنية مختلفة. بعضهم يبدأ روايته بشخصية أو مكان، فيما يميل بعض آخر إلى بدئها بحبكة، أو موضوع، بينما يقدّم آخرون موجزاً عاماً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
TT

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)

يراهن «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المغرب، في دورته الـ23، على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى، عبر اختيارات تتتبَّع أثر الأزمات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، ويتوزع هذا الاهتمام بين أفلام تقترب من السكان العالقين تحت الحصار، وأخرى تلاحق أحلام اللاجئين وعلاقات الأسر التي فرقتها الهجرة.

ويجمع المهرجان، المقرر إقامته من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، 76 فيلماً من 39 بلداً، بينها 10 أفلام تُعرض للمرة الأولى عالمياً، بينما استفاد 12 فيلماً من دعم «ورشات الأطلس»، برنامجه المخصص للصناعة السينمائية وتطوير المواهب، وفق بيان أصدره المهرجان الاثنين.

وتتوزع الاختيارات على المسابقة الرسمية والعروض الاحتفالية وأقسام «آفاق» و«القارة الحادية عشرة» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ والأسرة»، إضافة إلى أفلام التكريمات.

ويبرز الحضور المصري مع اختيار فيلم «أضعف خلقه» للمخرج المصري عمر هلال، للعرض للمرة الأولى عالمياً ضمن العروض الاحتفالية. ويجمع الفيلم أحمد حلمي وهند صبري للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة، إلى جانب محمود حافظ وكريم قاسم ومحمد رضوان وليلى عز العرب، في مغامرة تمزج الكوميديا السوداء بالتشويق، بإنتاج مشترك بين بريطانيا ومصر والسعودية.

ويمتد الحضور المصري إلى المسابقة الرسمية عبر فيلم «في ظلال القاهرة»، لراني وسالم مصالحة، الذي يشهد أيضاً عرضه العالمي الأول. وتدور أحداث الفيلم في قلب المجتمع القبطي المصري، ضمن عمل تشويقي حميمي يشارك في بطولته حسن مالك، وتارا عماد، وكامل الباشا، وحمزة العيلي، وجهاد حسام الدين، وكريم أدريانو.

ويضم قسم «آفاق» فيلم التشويق النفسي «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، فيما تشارك المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص بفيلم «البرانية» في قسم «القارة الحادية عشرة». ويحتضن القسم الأخير أيضاً الوثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة الدنماركية الأميركية مايكن بيرد.

وتضم المسابقة الرسمية 14 فيلماً طويلاً تمثل الأعمال الأولى أو الثانية لمخرجيها، وتتنافس على النجمة الذهبية أمام لجنة تحكيم ترأسها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. وتكشف موضوعاتها عن انشغال جيل جديد من السينمائيين بعالم تتراجع فيه مساحات الأمان، وتترك فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في العلاقات والاختيارات الشخصية.

يعرض فيلم «وقائع زمن الحصار» ضمن الفعاليات (الشركة المنتجة)

ويقدم المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب فيلم «وقائع زمن الحصار»، مقترباً من تفاصيل الحياة اليومية للسكان العالقين وسط الحرب.

ويمتد أثر العنف إلى الذاكرة ومحاولات الترميم في «بنيمانا»، للمخرجة الرواندية ماري كليمونتين دوسابيجامبو، الذي يتناول جبر الضرر بعد الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا.

وتحضر الهجرة من زوايا متعددة، تبدأ من مأساة العبور وتصل إلى الحياة التي تتشكل بعده. ففي «فتى الكونغو» للمخرج الكونغولي رافيكي فاريالا، يتطلع لاجئ شاب في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن يصبح موسيقياً. ويمنح الحلم الفني الشخصية أفقاً خاصاً، ويفسح المجال أمام طموحها وقدرتها على تخيل المستقبل، بما يوسع تناول تجربة اللجوء لتشمل الرغبات التي تستمر رغم قسوة الظروف.

وفي «بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، ينتقل الاهتمام إلى أم تحاول الحفاظ على صلتها بأبنائها الذين رحلوا إلى أوروبا. وتتيح الحكاية الاقتراب من أثر الهجرة في الذين بقوا.

وتتقاطع الهجرة مع ظروف العمل في «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، الذي يتناول حياة العاملات الموسميات في إسبانيا، ويُعرض ضمن العروض الاحتفالية. ويتسع حضور النساء مع فيلم «ورود مراكش» الذي تجمع فيه المخرجة الإيطالية جينيفرا إلكان بين فاني أردان ونسرين الراضي، في حكاية عن التضامن بين النساء صُوّرت في المغرب. بينما تقدم المخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق، في «المحطة»، رؤية نسوية لعالم متخيل قاتم في اليمن.

ويجد الانهيار الاقتصادي موقعه في المسابقة عبر «غضب» للمخرج اللبناني رامي قديح، الذي ينطلق من عملية سطو على بنك في قلب الأزمة اللبنانية.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن اختيارات النسخة الجديدة من المهرجان تعكس اهتماماً بقيمة الأفلام وخصوصية تجاربها، والقدرة على استقطاب أعمال مهمة من دول وثقافات مختلفة، بما يمنح البرنامج تنوعاً ثرياً في الموضوعات وأساليب التعبير. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجمع بين التجارب الأولى والأعمال الجديدة لمخرجين بارزين يخلق مساحة للتفاعل بين أجيال سينمائية متعددة، ويتيح للجمهور اكتشاف أصوات تمتلك رؤيتها الخاصة، وتقدم زوايا مختلفة لفهم التحولات التي يعيشها العالم».

ويلفت العياد إلى أن حضور حكايات الحرب والمنفى والهجرة يتكامل مع اهتمام البرنامج بالتفاصيل الإنسانية لهذه التجارب، من خلال شخصيات تحاول الحفاظ على أحلامها وعلاقاتها وقدرتها على الاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التوجه تتصل بتعدد المعالجات الفنية، ومنح كل تجربة فرصة للتعبير عن بيئتها وخصوصيتها.

Your Premium trial has ended


علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.


فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
TT

فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)

شهدت الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في مصر مشاهد غير مألوفة؛ حيث فضلت بعض الفرق الميدانية التابعة لوزارة الصحة في عدد من المحافظات الإعلان عن الحملة عبر العودة إلى أدوات تقليدية، من مكبرات صوت الباعة الجائلين إلى التنقل بالعربات «الكارو»، للوصول إلى أكبر عدد من الأهالي، وبلوغ المناطق المستهدفة في القرى، والأحياء السكنية.

وبدأت وزارة الصحة والسكان المصرية الحملة القومية المجانية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتنتهي يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وتستهدف نحو 21 مليون طفل من عمر 9 شهور وحتى 10 سنوات، من المصريين وغير المصريين، لحمايتهم من المرض ومضاعفاته، ولتعزيز المناعة ضده.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مقاطع فيديو ولقطات توثق بعضاً من الوقائع واللقطات التي شهدتها الحملة، وتشير إلى اللجوء إلى الأدوات التقليدية للإعلان عنها، كان أبرزها في محافظة البحيرة، حيث لجأ أحد مندوبي الإدارة الصحية بمدينة رشيد لاستخدام مكبر صوت مثبّت على «تروسيكل» يخص أحد الباعة الجائلين، لكي يعلن عن التطعيم ضد مرض الحصبة، وأهميته، ويحث المواطنين على التطعيم.

مراقب صحي بمدينة رشيد يستعين بمكبر صوت أحد الباعة الجائلين للترويج لحملة التطعيم (الإدارة الصحية برشيد)

وهو الأسلوب الذي لجأ إليه أيضاً مراقب صحي بمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية، حيث استعان بميكروفون بائع متجول مثبت على سيارته النصف نقل، للإعلان عن انطلاق الحملة في أحد الشوارع الجانبية بالقرية، ويوجه رسالته للأهالي لحثهم على تطعيم أطفالهم، في محاولة للوصول لهم بالطريقة التقليدية البسيطة.

وفي السياق ذاته، تم تداول لقطات لإحدى الممرضات بوحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بمحافظة كفر الشيخ، خلال مشاركتها في أعمال التطعيم، وهي تستقل عربة «كارو» (يجرها حمار) برفقة مستلزمات التطعيم، لتسهيل الوصول إلى إحدى القرى المستهدفة، وهو المشهد الذي لقي تفاعلاً كبيراً، وثناء على بطلته.

وفي محافظات أخرى، لجأت مديريات الصحة لإذاعة التنبيهات الخاصة بمواعيد وأماكن وجود فرق التطعيم عبر ميكروفونات المساجد الكبرى، ومن خلال الرسائل التوعوية خلال خطب الجمعة، والدروس الدينية.

وترى الدكتورة سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، أن الاستعانة بمكبرات الصوت والباعة الجائلين وعربات الكارو في الترويج للحملة يعكس جانباً لأحد أهم مبادئ الاتصال الجماهيري، وهو أن فاعلية الرسالة لا تتوقف على مضمونها فقط، بل ترتبط أيضاً باختيار الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور المستهدف.

وأوضحت، لـ«الشرق الأوسط»، أن الوسيلة الأحدث ليست بالضرورة الأكثر تأثيراً، إذ تظل النداءات المباشرة ومكبرات الصوت في القرى والمناطق الشعبية أكثر قدرة على جذب الانتباه، والوصول للمواطنين مقارنة بالمنشورات، والحملات الرقمية، معتبرة أن «ما جرى يمثل نموذجاً للاتصال المتوافق مع السياق الاجتماعي والثقافي للجمهور، وطبيعة البيئة التي يعيش فيها».

وتؤكد عثمان أن «إعلام الشارع» لا يزال يحتفظ بقدرة كبيرة على التأثير في السلوك، لأنه لا يقتصر على نقل المعلومات فقط، بل يسهم في خلق حالة من الانتباه، والتفاعل المباشر مع الرسالة الإعلامية، مشيرة إلى أن هذا النوع من التواصل يستمد قوته من حضوره داخل الحياة اليومية للناس، واعتماده على أدوات مألوفة في البيئة الاجتماعية.

وأكدت أن الاتصال الرقمي، رغم اتساع انتشاره، فإنه لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً للتواصل المباشر، خصوصاً في البيئات الشعبية، والريفية، التي لا يزال للاتصال الشفهي والعلاقات الاجتماعية فيها دور مؤثر في تداول المعلومات، وتشكيل السلوك.

أما الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، فإنه يرى أن مشاهد استخدام مكبرات الصوت وعربات الكارو والتروسيكلات للإعلان عن الحملات والمبادرات المجتمعية تكشف عن حقيقة مهمة في علم الإدارة المحلية، وهي أن الإدارة الناجحة لا تقتصر على إصدار القرارات من المكاتب، أو نشر البيانات عبر المنصات الإلكترونية، وإنما تبدأ من فهم طبيعة السكان، وثقافتهم، وسلوكهم، واحتياجاتهم اليومية، والنزول إلى الشارع، والقرية، والحي، للتواصل معهم بصورة مباشرة.

جانب من فعاليات الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية بإحدى المدارس (مديرية الشؤون الصحية بكفر الشيخ)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مكبرات الصوت وعربات الكارو والتروسيكلات ليس عودة إلى الوراء، وإنما توظيف لوسائل بسيطة للوصول إلى أهداف تنموية حديثة، شريطة أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والتواصل الميداني»، مؤكداً أن «الإدارة التي تفهم المواطن تستطيع الوصول إليه، والإدارة التي تصل إليه تستطيع بناء الثقة معه، والثقة المجتمعية تمثل أحد أهم مقومات نجاح التنمية المحلية».

وأشار إلى أن هناك فجوة في الاتصال الحكومي لا تزال قائمة في بعض المناطق، حيث لا يتابع جميع المواطنين صفحات المحافظات، أو المواقع الإلكترونية، خصوصاً في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، وهو ما يجعل استخدام وسائل الاتصال التقليدية وسيلة مكملة للتكنولوجيا الحديثة، وليس بديلاً عنها.