خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدر له أخيراً كتاب «باريس في الأدب العربي الحديث»

د. خليل الشيخ
د. خليل الشيخ
TT

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

د. خليل الشيخ
د. خليل الشيخ

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية».
أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة. ترجم إلى العربية مجموعة من الأعمال النقدية والإبداعية مثل: «يوميات فرانتس كافكا» و«أوروبا والشرق من منظور واحد من الليبراليين المصريين» لبوبر يوهانزن، و«معجم المتفائلين» لفلوريان لانجن، ورواية «آدم وإيلفين» لإنجو شولتسه، ومؤلفات لشايدت وهيرتا موللر الحائزة على «جائزة نوبل» 2009 وغيرهما.

بدأنا حوارنا مع د. خليل الشيخ مع إشارته لعلاقة أنطوان غالان، مترجم «ألف ليلة وليلة» إلى الفرنسية، بحنا دياب اللبناني الذي ارتحل إلى فرنسا مبكراً في بدايات القرن الثامن عشر، بالسؤال: عن تأثير ذلك في تكوين صورة الشرق لدى الغرب؟
- الحقيقة أن الكشف عن رحلة أنطون يوسف حنا دياب إلى باريس يعد كشفاً شديد الأهمية، لأن رحلته هي الرحلة العربية الأولى، إذ وصل باريس في عام 1708، وقد وصل دياب باريس قادماً من حلب، بعد رحلة طويلة، وكان أول من قابله في باريس لويس الرابع عشر. قدم حنا دياب مع أحد مبعوثي ملوك فرنسا الذي طلب منه مرافقته ليكون مترجمه، لأن دياب كان يعرف الفرنسية والإيطالية والتركية، فضلاً عن العربية. لقد دوّن حنا دياب رحلته بالمحكية السورية، وقد صدرت عن «دار الجمل» بعنوان «من حلب إلى باريس: رحلة إلى بلاط لويس الرابع عشر». لقد توقف دياب عند معالم باريس كالكنائس والمستشفيات ودار الأوبرا والمسرح الكوميدي، ولم يكتف بذلك بل نقل حكايات من شوارع باريس تشير إلى معرفته بالواقع اليومي للمدينة. لقد أعان دياب، غالان، في فهم بعض القضايا في «ألف ليلة وليلة»، كما يشير في كتابه، كما أن بورخيس قد أوضح أن حنا دياب أسهم في وضع بعض الحكايات مثل «حكاية علاء الدين»، و«علي بابا والأربعون حرامي»، و«الأمير أحمد والساحرة»، وغيرها.
> أشرتم في كتابكم إلى أن الأدب الغربي قد رأى في باريس مدينة عالمية قادرة على استيعاب شتى الحضارات. فكيف تعامل الأدب العربي مع المدينة خصوصاً في بدايات تعرفه عليها؟
- تظهر في الأدب الغربي صورتان لباريس: واحدة ذات ملامح إيجابية وأخرى تحمل ملامح سلبية. أما في السياق العربي، فيمكننا رصد بدايتين مختلفتين إلى حدّ ما: بداية جرت تحت الرعاية الرسمية في مصر، وبداية ارتبطت بالإرسالات التبشيرية المسيحية في بلاد الشام. عدا الاهتمام الرسمي منذ غزو نابليون لها سنة 1798، فإنّ رفاعة الطهطاوي أرسى جذور الاهتمام بباريس من خلال كتابه «تخليص الإبريز في تاريخ باريس» الصادر سنة 1834. نجد طائفة من كبار مثقّفي مصر وأدبائها قد درسوا في باريس مثل: محمد حسين هيكل ومصطفى عبد الرازق ومحمد تيمور وتوفيق الحكيم وأحمد شوقي، ومن الجيل التالي أحمد ضيف ومنصور فهمي وطه حسين وغيرهم. ولعل باريس تجلت في كتابات رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وأحمد فارس الشدياق، وفرنسيس مراش وأحمد شوقي وتوفيق البكري وأحمد زكي باشا ومصطفى عبد الرازق ومحمد كرد علي ومحمد تيمور.
> لماذا تم اختيار الحرب العالمية الأولى لتكون حداً فاصلاً فيما يخص هذه الصورة الإيجابية لباريس؟ هل تغيرت صورة باريس بعد ذلك لدى المثقفين العرب؟
- الأمر بالضبط كما أشرتم، وكما وضحت في الكتاب، فقد بدأت صورة باريس بعد الحرب العالمية الأولى بالتغير، وأخذ الافتتان بها يقل نسبياً، وكان لذلك علاقة بتنامي الاهتمام بالثقافة الأنجلوسكسونية التي بدأت تزاحم الثقافة اللاتينية. ولعل المعركة الأدبية التي نشبت بين طه حسين والعقاد عام 1933م تحت عنوان «لاتينيون وسكسونيون» تشكل تجلياً واضحاً للنفوذ الجديد وتفوّق الثقافة الأنجلوسكسونية كما شهد بذلك طه حسين في آخر أيامه.
> ما هي إذن أبرز تلك الملامح الإيجابية التي أعاد كتاب «باريس في الأدب العربي الحديث» رسمها بالاعتماد على آثار كبار الكتاب في مصر والشام حتى الحرب العالمية الأولى؟
- على الرغم من أنّ كلّ واحد من هؤلاء الكبار قد رسم لباريس ملامح اعتمدت إلى حد ما على طبيعة علاقته الخاصة مع المدينة، ومواجهته الذاتية لها، ومرجعيات الشخصية ومنطلقاتها وهمومها، فإنّ ثمة ملامح عامة مشتركة ظهرت عليها باريس. وتتجلى في هذه الملامح ثلاثة وجوه لباريس فهي: مدينة الحضارة والتقدم العلمي والماديّ، ومدينة الآداب والفنون، وجنّة المتع واللذات. ومن الطبيعي أن تصبح مدينة لديها كل هذا قبلة للحضارة ونموذجاً ينبغي اقتفاؤه.
> نعرف أن أوّل من وضع كتاباً خاصاً عن باريس كان رفاعة الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، ونحن نلاحظ هذا السجع في عنوان الكتاب الذي ربما جاء من خلفية الشيخ الأزهري، فهل في رأيكم كانت هذه الخلفية الدينية عائقاً أمام رفاعة عن فهم باريس؟
ــــ لقد ذهب رفاعة الطهطاوي إلى باريس سنة 1826م بناء على رغبة محمد علي في أن يرافق البعثة الأولى إمام أزهري، وبناء على توصية شيخه شيخ الأزهر حسن العطار. لقد اهتمّ رفاعة بنقل صورة دقيقة عن تخطيط باريس، وعادات أهلها، وغذائهم، وملابسهم، ومتنزهاتهم، ونظامهم الصحي، وعنايتهم بالطب وفعل الخير عندهم، ومعتقدهم، والعلوم والفنون والتربية لديهم. وكذلك قام رفاعة - رغم كونه شيخاً أزهرياً - بترجمة الدستور الفرنسي، ورغم موضوعيته، أخذه الانبهار بجمال المدينة وحضارتها، وظلّ يتمنى أن يكون في ديار الإسلام ما يشابهها، وهو ما يتمثل في قوله شعراً:
أيوجد مثل باريس ديارٌ
شموسُ العلم فيها لا تغيبُ
وليل الكفر ليس له صباحٌ
أما هذا وحقّكمُ عجيبُ؟!
> ذكرتم أن صورة باريس لدى كثير ممن زاروها في تلك الحقبة اقترنت بصورة الجنة، وهي صورة تنزع إلى المثالية من جهة وإلى التقديس من جهة أخرى. فكيف تجلّت ملامح هذه الجنة الباريسية في كتابات تلك المرحلة؟
- لقد ظهرت صورة باريس أفضل مدن الدنيا مبكراً لدى الطهطاوي ولدى علي مبارك، لكنّ ربما يكون أول ربط للمدينة بالجنة هو ما نجده لدى أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق فيما هو الفارياق» 1855، لقد جاء الشدياق إلى باريس قادماً من لندن، وبذلك فهو يختلف عن بقية العرب الذين جاءوا إلى باريس من بلدانهم ولم تكن لديهم تجربة أوروبية سابقة، وهو ما يفترض أن يقلل الانبهار بالمدينة الجديدة. لكن الشدياق الذي جاء إلى باريس إثر متاعب أسرية عديدة فقد توفي ابنه ومرضت زوجته وفشل في الحصول على وظيفة، جاء ممتلئاً بالآمال، وهو إذ كان يعتقد أن الفرنسيين «يحبّون التملّق والإطراء» نظم قصيدة في مدح باريس اعتنى بها المستشرقون الفرنسيون وترجموها، ومطلع هذه القصيدة يربط باريس بالجنة:
أذي جنّة في الأرضِ أم هي باريسُ؟
ملائكة سكّانُها أم فرنسيسُ؟
> هل يمكننا القول بناء على ما ذكرتم أن صورة باريس لدى العرب كانت مثالية دائماً محكومة بالانبهار، أم أنّ هناك من الكتّاب من انتبه إلى ملامح سلبية في المدينة في تلك الحقبة المبكرة؟
- كما سبق أن ذكرنا، تظهر صورة سلبية لباريس عند الشدياق في «الساق على الساق» بعد فشله في تحقيق آماله فيها، لكن هذه الصورة تبقى ذاتية لا تنبني على أسس موضوعية. لكنه يعود في كتابه المتأخر «كشف المخبّا عن فنون أوروبّا» ليفضّل باريس على سائر مدن الدنيا. كذلك نجد لدى علي مبارك بداية لصياغة التناقض بين الشرق الروحاني والغرب الماديّ، ولدى محمد المويلحي ذكراً لكثير من مساوئ المدينة، وإن كان يرى أنّ على الشرقيين أن يأخذوا محاسنها ويتجنبوا مساوئها. لكنّ الصورة المثالية للمدينة ظلّت هي الطاغية في تفكير الكتّاب العرب في تلك الحقبة. ومن ثمّ فإنّ إعجاب طه حسين بباريس لم يكن مجرد انفعال عاطفي، وإنما تجسيد حي لمشروع طه حسين الثقافي الحضاري الذي يصل مصر بحضارة الإغريق.
> من خلال مطالعة الكتاب نرى الصورة المثالية التي تحضر فيها باريس في غالبية نماذج الشعر في بدايات القرن العشرين فهي الجنة المقدّسة والمثل الأعلى، فهل نجد تحوّلاً في النظرة إلى المدينة لدى شعراء الحداثة العرب؟
- الصورة الأولى التي ظهرت عليها باريس في الشعر العربي هي التي أطلقت عليها في الكتاب «باريس ذات البعد الجمالي الواحد»، ثم ظهرت بعد ذلك صورة باريس المرأة. وكذلك يسعد بنعيمها الشعراء دون مسؤولية أو رقابة كما لدى عبد الله فكري وحفني ناصف وغيرهما. أظهر نزار قباني نموذجاً آخر للمرأة الباريسية في قصيدته «وجودية»، إذ تستمد «جانين» الفرنسية، أما السياب الذي لم يزر باريس إلا أياماً قليلة أثناء فترة مرضه تعلّق خلالها بـسيدة بلجيكية اسمها لوك نوران، كانت مهتمة بترجمة شعره إلى الفرنسية، وعبرها تعلّق بباريس، وكتب فيها قصيدتين عكستا تجربة السياب الذاتية أكثر من صورة باريس. وحضور الذات القوي وجدناه في تجربة أحمد عبد المعطي حجازي مع باريس التي تعكس ضياعه وغربته. لكننا نجد بدايات التغير في النظرة إلى باريس عند عبد الوهاب البياتي الذي كتب عدة قصائد تبرز وجهاً سلبياً لباريس، ونجد تفاعلاً حضارياً مختلفاً لدى أدونيس في قصيدته النثرية «شهوة تتقدم في خرائط المادة» التي كتبها في باريس في ثمانينات القرن الماضي، وتعكس قصيدته هذه نوعاً من التصالح مع باريس، خصوصاً إذا قارناها بقصيدته «قبر من أجل نيويورك».
> لماذا أبدع الكتّاب والأدباء الأجانب في الكتابة عن باريس أمثال أرنست همنغواي وغوليان غرين وغيرهما، هل هي النظرة الانبهارية أم الرؤية المغايرة؟
- لقد حرصت فرنسا على أن تظل باريس عاصمة عالمية قادرة على جذب الأدباء والمفكرين والفنانين. وقد كان لصالوناتها الأدبية والفنية دور في هذا الجانب، وهنا أود أن أشير إلى صالون مدام دي ستايل التي كان لها دور مهم في السعي لبناء ثقافة فرنسية عابرة للحدود. مثلما كان لجامعاتها ومكتباتها ومقاهيها دور في جذب المبدعين الذين كانوا يرون أن الحياة في باريس تحقق للفنان العزلة والحياة معاً. لقد أحبها هاينريش هايني وريلكه وهمنغواي وغيرهم. كانت باريس تعني حرية التفكير والإبداع والحياة الخالية من القيود مثلما ترتبط بالجمال لهذا أحبها الشعراء، ورأوا فيها ما يساعدهم على الإبداع.
> ماذا يعني في نظركم أن يعيش المثقف العربي الآن على هامش الثقافة الفرنسية دون أن يساهم بها لأنه يكتب بلغته العربية؟
- هذه الظاهرة من آثار العولمة وانهيار المسافات بين الدول، كما أنها من آثار الذهاب إلى فرنسا لعوامل معروفة لدينا. لا ضير أن يكتب المبدع العربي بلغته فقد كتب الألمان والإنجليز بلغاتهم، لكن المهم ألا يبقى الكاتب العربي منعزلاً عن حراك الإبداع في فرنسا وغير قادر على الإفادة منه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي
يوميات الشرق «تقنيات الكتابة الروائية»

«تقنيات الكتابة الروائية»

صدر حديثاً عن «دار كنعان» كتاب «تقنيات الكتابة الروائية»، من إعداد الناقد الأميركي أبراهام شاول بوراك. نقلته إلى العربية إيفا شاهين، وصمم غلافه باسم صباغ. يقدم الكتاب، وفقاً للناشر: «نهوجاً مختلفة في كتابة الرواية لدى أربعين روائياً ناجحاً، جمعيهم يبرهنون أنه لا يوجد نهج واحد لكتابة الرواية. ففي الحقيقة، كل روائي من هؤلاء يستخدم تقنية مختلفة. بعضهم يبدأ روايته بشخصية أو مكان، فيما يميل بعض آخر إلى بدئها بحبكة، أو موضوع، بينما يقدّم آخرون موجزاً عاماً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».


أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
TT

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

بعد 4 سنوات من الغياب، يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة»، الذي يُعَول عليه لاستعادة مساره الصحيح كنجم شُباك، تصدرت أغلب أفلامه أعلى الإيرادات، وحقق من خلالها نجاحاً جماهيريا لافتاً، غير أن مجموعة من أحدث أفلامه لم تحقق الإيرادات المعتادة أو النجاح المنشود، على غرار «خيال مآتة»، و«واحد تاني» اللذين عُرضا في عاميْ 2019 و2022.

وتحدَّد يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لعرض فيلم «حدوتة» الذي تشارك في بطولته أمينة خليل وماجد المصري وخالد الصاوي، إلى جانب رحمة أحمد، وشيرين، ومحمد عبد العظيم، ويظهر به بعض نجوم التمثيل ضيوف شرف. والفيلم من إنتاج أحمد بدوي، بمشاركة صندوق «بيغ تايم» السعودي، وكتبه أحمد عبد الرحمن، وإخراج مازن أشرف.

وتدور أحداث العمل في إطار كوميدي اجتماعي، ويؤدي أحمد حلمي من خلاله شخصية رجل فقَدَ والديه منذ طفولته، وتولت تربيته أسرة بديلة، في حين يتعرض لسلسلة من المفارقات الكوميدية والإنسانية التي تؤثر في مسار حياته وتكشف عن جوانب مختلفة من شخصيته.

ويلتقي حلمي في أول تعاون له مع الفنانة أمينة خليل، كما يُعد هذا التعاون الأول بينه وبين المخرج مازن أشرف، الذي يُعد هذا العمل ثاني أفلامه بعد فيلمه الأول «5 جولات».

كان أحمد حلمي قد انتهى من تصوير فيلم آخر، هذا العام، بعنوان «أضعف خلقه»، الذي تُشاركه بطولته هند صبري، وهو من تأليف وإخراج عمر هلال، في ثاني أفلامه بعد «فوي فوي فوي»، وإنتاج محمد حفظي، ويدور في إطار الكوميديا السوداء، وتقرَّر تأجيل عرضه للصيف المقبل.

ويرى الناقد خالد محمود أن استعادة حلمي تألقه فنياً بعد فترة تراجع قد تفتح الباب ليس فحسب لعودته لما كان عليه، بل سوف تسهم كذلك في استعادة أغلب نجوم جيله مكانتهم.

ملصق الفيلم الذي يعيد أحمد حلمي للمنافسة من جديد (حساب أحمد حلمي على «إنستغرام»)

وأضاف محمود، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حلمي نجم محبوب، حقق جماهيرية لافتة عبر اختيارات ذكية، لكن أفلامه الماضية لم تحقق النجاح الجماهيري نفسه، ولم تشهد توحده مع الشخصيات التي يقدمها كأفلامه السابقة التي لم يعتمد فيها على موهبته فحسب، ولكن على ذكاء الفكرة وتفردها، مما وضعه في مكانة مختلفة تَجاوب معها الجمهور بشكل كبير.

ولفت محمود إلى أن «آفة نجوم الكوميديا المصريين عدم العمل على تطوير المشروع الذي يقدمونه وتفضيلهم المنطقة الآمنة، خوفاً من تغيير قد يصيب أو يخطئ، لكن من المهم أن يتجاوز حلمي ذلك، ويستعيد مكانته عبر اختيارات تُحسَب له، وقد يكون فيلم (حدوتة) فرصة أخرى وليست أخيرة، مثل بعض نجوم جيله؛ لأن مكانة حلمي كممثل لم يشغلها أحد، وهناك حالة جيدة تربطه بالجمهور، لكن الغياب لـ4 سنوات لم يكن في صالحه ولا صالح السينما ولا الجمهور».

في السياق نفسه، تستقبل صالات السينما، خلال الفترة المقبلة، عدداً من الأفلام الجديدة، مِن بينها فيلم «ولا كان عالبال» من بطولة نور النبوي وياسمينا العبد في أولى بطولاتها السينمائية إلى جانب أشرف عبد الباقي ومروان المسلماني، وإخراج أحمد عماد، والمقرر عرضه 28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقد جرى تصوير أغلب مشاهد الفيلم بمدينة الأقصر (جنوب مصر)، حيث البطل مرشد سياحي يقود فوجاً سياحياً ويقع في حب فتاة وسط المعابد التاريخية.

كما يُعرَض في اليوم نفسه فيلم «نصيب»، من بطولة ياسمين صبري ومعتصم النهار، وقد تأجّل عرضه لنهاية الشهر ليبعد نسبياً عن توقيت طرح فيلمها «مطلوب عائلياً» مع كريم عبد العزيز الذي انطلق عرضه في السابع من الشهر الحالي، وتصدَّر إيرادات الأفلام منذ اليوم الأول لعرضه. أما فيلم «نصيب» فتدور أحداثه من خلال فتاة جميلة تجد نفسها أمام أكثر من عريس، وتخوض رحلة بحث عن الشخص المناسب الذي يمكن أن يشاركها حياتها. الفيلم من تأليف أحمد عبد الفتاح، وإخراج أحمد خالد أمين.

ملصق فيلم «ولا كان عالبال» (الشركة المنتجة)

وأشار الناقد خالد محمود إلى أن العروض السينمائية تتواصل بشكل جيد بعد موسم الصيف الذي شهد تنوعاً لافتاً وأفلاماً ذات إنتاجات كبيرة حققت إيرادات مماثلة، على غرار فيلم «DOGS 7».

لكن الناقد أحمد سعد الدين يرى أن اختيار توقيت عرض فيلم «حدوتة» غير موفَّق، حيث يُطرَح يوم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي. وقال، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «كان يجب على صُناع الفيلم إدراك أن توجه الجمهور يكون للمهرجان الذي يعرض أفلاماً من مختلف دول العالم، مما يؤثر سلباً على الأفلام المصرية التي تُعرَض في التوقيت نفسه».

ولفت إلى أن «إيرادات الفيلم يتحدد مصيرها من الأسبوع الأول»، مشيراً إلى «أن أحمد حلمي من النجوم الذين يتوقع منهم الجمهور تقديم موضوعات شيقة، مثلما اعتادوا منه، عبر أفلام تحترم عقل المتفرج، لكن فيلميه الأخيرين لم يصادفهما الإقبال الجماهيري نفسه الذي لقيته أفلامه السابقة».

وتصدرت أفلام أحمد حلمي شُباك التذاكر بمصر مرات عدة على غرار «صايع بحر» 2004، و«زكي شان» 2005، و«مطب صناعي» 2006، و«كده رضا» 2007، و«آسف على الإزعاج» 2008، و«ألف مبروك» 2009، و«عسل أسود» 2010، و«إكس لارج» 2011، و«على جثتي» 2013.


باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)
باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)
TT

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)
باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

منذ صغره، تعلَّق باسم سعيد بالأغنية الأصيلة، إذ تربّى على أعمال أم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش، ووديع الصافي، وفيروز، وغيرهم. وتراكمت لديه خبرات في الموسيقى التراثية على مدى 30 عاماً. تنقّل بين بلدان عدّة، محقّقاً فرصاً للتعاون مع فرق موسيقية أجنبية وعربية. وبعدما لاحظ نضج هوايته نتيجة دراسته الموسيقى بشكل مفصّل، قرّر إنشاء مشروع «مودزيكا» الذي يرتكز على إعادة توزيع أغنيات قديمة بأسلوب حديث، من دون المسّ بهويتها وقالبها الأصلي.

ومن خلال مشروعه، أصدر أغنية «بتونّس بيك» للراحلة وردة الجزائرية بصوت الفنانة الشابة أنجي شيا. كما اختار أغنية «تمارا» للإعلامي الراحل حكمت وهبي، لينشدها ابنه جاد، وذلك أيضاً بتوزيع موسيقي حديث. ويوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أنه يحضّر حالياً لإصدار أغنيات أخرى، متمنّياً أن تشقّ طريقها إلى جيل الشباب. ويتابع: «لاحظتُ أنّ هذا الجيل يملك توجّهاً واضحاً نحو موسيقى تختلف عمّا تربّينا عليه. قد يكون سعيداً بها ويستمتع بسماعها، لكنني رغبتُ في وضعه من جديد على سكّة الأغنيات والموسيقى الأصيلة، ليكون لديه الخيار لإدراك الفرق بينهما. فربما بذلك أستطيع إرشاده إلى الطريق الذي يوقف تلوّث سمعه».

ويشير سعيد إلى أنّ اختيار أي عمل من مكتبة الأغنيات القديمة يتطلّب منه البحث عن معايير ومواصفات محدّدة، ليتمكّن من قولبته وتطعيمه بنمط موسيقي معيّن، مثل «فانكي» و«ديب هاوس» وغيرهما. وبذلك يمضي في مشروعه من باب تقريب الأعمال من ذائقة الشباب. ويتابع: «من الضروري أن تكون الأغنية معروفة كي تجذب أبناء جيلها أيضاً. وعندما أصدرها بصوت شبابي أكون قد وفّقت بين أجيال مختلفة. ولكن ذلك لن يمنع تعاوني مع أصوات غير شابة في المستقبل».

أنجي شيّا بصوتها تعيد إحياء «بتونّس بيك» لوردة الجزائرية (فيسبوك)

ويؤكّد أن مشروعه يستند إلى خبراته الفنية والعلمية. وعندما يختار أغنية معيّنة، يُعيد تركيبها من ألفها إلى يائها. ويقول: «اللوازم الموسيقية لا أغيّرها، بل أركن إلى تبديل في نغمة الإيقاع، وهو ما يولّد هذا التجديد في العمل من الناحية الموسيقية. وما أقدّمه يُعرف بـ(الفيوجن)، أي بخلطة موسيقية تجمع بين الشرقي والغربي. ومشروع (مودزيكا) لا يرتبط بفنان معيّن، بل يفتح أبوابه ويعطي الفرص لمجموعة من المغنّين أصحاب الموهبة».

ومن خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية، مُعلّقاً: «هناك أصوات كثيرة تخرج اليوم إلى العلن من خلال وسائل التواصل، بعضها يسيء إلى السمع وتنفر منه الأذن. وكأنّ كل شخص بات يملك قناة تلفزيونية يبثّ عبرها ما يشاء. فأعيد ترتيب الساحة بمشروع فني أصيل، يتمسّك بالحفاظ على الهوية الأساسية للأغنية التي نختارها».

ولا يكتفي بذلك، إذ ينوي في المستقبل القريب تجديد مقطع موسيقي كلاسيكي، مثل المقطع الخاص بفيلم «العرّاب» الشهير، وإعادة توزيعه بقالب موسيقي إلكتروني. وقد أَنجز خطوة مشابهة لأغنية من فيلم «بالب فيكشن» بصوت فنان يوناني، وينوي القيام بمشروع مماثل مع مغنٍّ إسباني.

ويرى باسم سعيد أن توجّه الناس إلى سماع الأغنيات القديمة لا يتوقّف. ويوضح: «ثمة حالة نوستالجيا تسكن أعماقنا كلّما استمعنا إلى عمل من الأعمال الأصيلة. ولعلّ المستوى الغنائي كان بهذا التألّق بسبب وجود مراقبة حثيثة من خبراء فنيين. فكانت الأغنية تمرّ بمراحل عدّة قبل أن يُوافق على بثّها في (إذاعة لبنان) الرسمية وترى النور. فهذه اللجان غابت، ومفهوما الأغنية والنجم بشكل عام تبدّلا».

لا ينكر سعيد، في المقابل، وجود أصوات شبابية رائعة تملك الإحساس والقوة. ويقول: «لا أخاف على الساحة الفنية في ظلّ ولادة أصوات جميلة. وأعدُّ معين شريف، وشيرين عبد الوهاب، وفضل شاكر، وناصيف زيتون، أفضل مثال على ذلك. الشامي أيضاً يملك موهبة مميّزة، ويمكننا دائماً الاستفادة من هوية صوت مختلفة عن غيرها». ويؤكّد أنه يفكّر في تجديد أغنية «ألف ليلة وليلة» لأم كلثوم. ويعتمد في تجديد أيّ عمل على المقاطع القصيرة، موضحاً: «لا أحبّ التطويل والإعادات، وإلا شَعَرَ المستمع بالملل». ويرى أنّ تجديد هذه الأغنيات «يُشبه تجديد شبابنا وإحياءه». ويختم: «أتوجّه بمشاريعي إلى جيل يجهل الأصالة، وكذلك إلى المستمع الذوّاق. فالفئتان ستستمتعان بالأغنية من خلال تحديثها وتقديمها بما يواكب العصر».