عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

جهد شارك في جمع مادته فريق من الباحثين المساعدين والمصورين

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر
TT

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة.
ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية. فاز تصميم الشاهد لجناح مصر في بينالي لندن عام 2018 بجائزة البينالي الأولى، كما فار بجائزة الدولة التشجيعية عام 2021 عن كتابه الصادر بالإنجليزية عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة «القاهرة منذ 1900... دليل معماري CAIRO SINCE 1900 AN ARCHITECTURAL».
الكتاب جهد بحثي كبير شارك في جمع مادته فريق الباحثين المساعدين والمصورين يزيد على العشرين شخصاً يشكرهم المؤلف في مقدمته، وقد ساهموا في اختيار النماذج المعمارية التي تضمنها الكتاب لتمثيل مختلف أحياء القاهرة وقاموا بتصويرها والبحث عن وثائقها، في ظل الإهمال وضعف التوثيق المزمن، وصعوبة التصوير المستحدثة أمنيّاً.
قدمت للكتاب الدكتورة مرسيدس فيوليت، التي تتذكر دهشتها عندما سمعت لأول مرة عام 1984 بمجلة العمارة، وبدأت تتصفح أعدادها في دار الكتب. كانت المجلة الأولى في مجالها، التي تصدر باللغة العربية عام 1939، وقدمت نافذة استثنائية لأعمال المعماريين المصريين، وعززت مقترحاتهم العربية والمصرية عندما كانوا في قلب دوائر الحداثة الدولية، وتأسف لأن طلاب كليات الهندسة الكثيرة في مصر لم يسمعوا بوجود تلك المجلة ذات يوم. وتصف كتاب الشاهد بأنه «إعادة بناء قصة الحداثة المعمارية المفقودة في القاهرة». وتلاحظ أن عمارة الخمسينات والستينات أقرب إلى قلب المؤلف من أمثلة أوائل القرن العشرين، لكنه غطى باختياراته عمارة القاهرة على مدار القرن، دون أن يحاول إجبار المدينة على اعتناق عقيدة العمارة الطليعية.
من جانبه، اعتبر الشاهد القاهرة مدينة ملهمة ومقلقة له شخصيّاً، ويقول في مقدمته إنه أقدم على البدء في تأليف الكتاب الذي نشر عام 2020. في فترة عصيبة عليه شخصيّاً، حيث فقد والديه بفارق بضعة أشهر بينهما، في وقت عصيب على القاهرة ذاتها حيث تتخلص بسرعة من طبقات العمارة والعمران، التي بناها وسكنها جيل والديه، آملاً أن ينجح الكتاب في إلهام السكان والزوار نظرة مختلفة إلى عمارة القاهرة الحديثة التي صنعت شخصيتها.
الأثر العاطفي لرحيل الوالدين لم يجعل من دليل القاهرة كتاباً عاطفياً دافعه الفقد والحنين، بل كتاباً معرفياً توثيقيّاً يعيد بناء قصة من المجد المعماري لأكبر مدن الشرق الأوسط، ولم تكن عمارتها منفصلة عن عمارة العالم من الهند إلى البرازيل، ولم تكن منعزلة عن الأحداث العالمية الكبرى، مثل الحربين العالميتين، وإن اختلف تأثيرهما على القاهرة عن الأثر الذي تركتاه على مدن تعرضت للتدمير الكامل، وأتاحت للمعماريين حرية إعادة بنائها بالكامل.
يلتزم الكتاب بتغطية المائة عام الأخيرة، ويقدم صوراً وتحليلات لنماذج من العمارة تُمثل دليلاً على حقبتها التاريخية ومكانها، حيث يتتبع الكتاب أحياء القاهرة من الفاطمية إلى الخديوية الحديثة ومن برجوازية مصر الجديدة والزمالك وجاردن سيتي إلى حي إمبابة الشعبي ومدينة نصر.
يُنبه الشاهد: «لا ينبغي الاستخفاف بعبء اختيار 226 مبنى لتمثيل ما يقرب من 120 عاماً من التطورات المعمارية في واحدة من أكبر مدن العالم وأكثرها كثافة حضرية». يؤكد أن كتابه - دليله لم يسعَ إلى تقديم مسح شامل، بل إبراز عينات تمثيلية من جميع أنحاء المدينة، لذلك فالمباني المدرجة بالكتاب ليست بالضرورة من الروائع، بعكس ما جرت عليه العادة في اختيار المباني بمثل هذه الأدلة، كما يأخذ على المؤرخين والمرشدين السياحيين أنهم يرسخون بشكل تعسفي القيمة التراثية لهذا المبنى أو ذاك.
ويشير إلى خطورة قانون التراث المعمول به إلى اليوم، إذ لا يعتبر المبنى أثراً إلا عندما يتجاوز عمره المائة عام. هذا الارتكان إلى العمر ليس ظالماً لمبانٍ ذات قيمة لم تبلغ المائة فحسب، بل يجده المؤلف مدمراً كذلك، حيث يمكن فهم التوقيت باعتباره موعداً نهائيّاً للملاك لإتلاف منشآتهم السليمة.
في مقابل ذلك، لا يحقق إدراج المبنى في قائمة التراث أي نفع مادي للملاك، لهذا يعمل الكثير منهم على تسريع انهيار مبانيهم القديمة عمداً قبل أن تكمل المائة عام، سواء بتركها لتتآكل بفعل تسرب المياه أو حقن هياكلها الخرسانية بالأحماض لتفتيتها، وقد أدى ذلك إلى نشوء نشاط تجاري قائم على هذا الإتلاف واستخراج تصاريح الهدم.
كما يشير المؤلف إلى ثغرة إجرائية مهمة، فالتصريح بالهدم بيد السلطات المحلية سريعة الحركة، بينما يتم تسجيل الآثار مركزياً على المستوى الوطني ويشوبه البطء البيروقراطي، الذي لا يستطيع ملاحقة التلاعب.
ويبدو حضور تقاليد العمارة وغناها وحيوية المجتمع المعماري خطاً بيانياً صاعداً من بداية القرن حتى الستينات، وبعد ذلك بدت تقاليد العمارة وكأنها تبخرت!
يشترك في صنع قصة المجد في العمارة القاهرية مهندسون من أحفاد المهاجرين السوريين واللبنانيين، ويهود أوروبا الشرقية، وإيطاليون، وفرنسيون، بالإضافة إلى أبناء البلد الذين سافروا إلى ليفربول وإلينوي وروتردام وزيوريخ وروما لإكمال تعليمهم، وشاركوا بنشاط ضمن الثقافات المعمارية في تلك المناطق ثم عادوا بخبراتهم إلى القاهرة، فلم يكونوا مجرد وكلاء لاستيراد الطرز المعمارية. وبحلول الثلاثينات كانت جامعة القاهرة توفر تعليماً معمارياً بالغ التميز.
نادراً ما كان العمل الذي ينتجه المصريون ملتزماً بأسلوب معماري نقي. كان المهندس الواحد قادراً على الانتقال بمرونة بين الخطوط الفنية والأساليب. وقد عكس هذا المزج مكانة مصر في شرق البحر الأبيض المتوسط كمفترق طرق، جعل منها إسفنجة تمتص النفوذ وتجدده بأشكال جديدة.
ينوه الشاهد بأن الحالة المعمارية الحالية للمباني المختارة في الكتاب هي نتاج سنوات عديدة من الرعاية أو الإهمال، والصيانة للأصل أو التعديلات المقحمة التي تصل أحياناً إلى حد إخفاء الطراز الأصلي للمبنى، مثل تغيير المساحات الداخلية وطمس الطراز من خلال إجراءات مثل تلبيس الأعمدة لإخفاء التيجان الكورنثية من أجل إضفاء طابع حداثة على المبنى، أو بإضافة زخارف على الواجهة كما حدث في تجديد مبنى نادي السيارات.
بالنسبة للقاهريين فإن الاحتياجات الوظيفية وتحولاتها تتقدم قدسية التصميم، لهذا تستمر تحولات العمارة، وكان من الضروري بذل جهد مضاعف لفرز طبقات تغييراتها للوصول إلى إعادة هيكلة المبنى ذهنياً، وصولاً إلى السردية التي قدَّمها الكتاب.
دخل التطوير العقاري القرن العشرين مزدهراً حتى عام 1907. وظهرت عمارة تستعير خطوط العمارة الأوروبية كالروكوكو والكلاسيكية الجديدة وغيرها، بالإضافة إلى خطوط العمارة الإسلامية الحديثة «الفاطمي الجديد» كمبنى وزارة الأوقاف بوسط القاهرة (1898 - 1929 تصميم صابر صبري ومحمود فهمي). وبعد الحرب العالمية الأولى جاءت ثورة 1919 الشعبية فظهرت سمات تناسب طبقة تشكلت في تلك الثورة وتريد إبراز مفاهيم جديدة للطبقة والهوية والحداثة في مساكنها، وفي المنشآت العامة ذهب معماريون إلى ما قبل العمارة الإسلامية وبرز اسم مصطفى فهمي بمحاولاته الصريحة لإحياء أصول العمارة الفرعونية مع تجديد الخامات، مثال ذلك ضريح سعد زغلول (1931) ومحطة قطار الجيزة (نحو 1932) واستراحة الملك فاروق بالهرم عام 1937.
وسيتمثل أثر الحربين العالميتين على عمارة القاهرة في إبعاد وتجميد أموال المهندسين المنتمين لأعداء الإنجليز؛ رعايا الإمبراطورية النمساوية المجرية في الحرب الأولى، والإيطاليون في الثانية.
وقد شهدت الفترة بين الثلاثينات والخمسينات ازدهاراً كبيراً، وبرزت فيها أسماء عملاقة مثل سيد كريم، الذي أصدر مجلة العمارة، وظل فاعلاً حتى أواخر الخمسينات بتخطيط مدينة نصر، التي أصدر عبد الناصر قراراً بإنشائها، لكن النظام الناصري هو الذي سيضع النهاية المهنية لسيد كريم بعد ذلك بسنوات قليلة.
بلغ عدد المهندسين المدربين في قاهرة الستينات، ثمانية عشر ألف مهندس معماري، معظمهم يمارسون العمل كجزء من جهاز الدولة التنموي وليس بأسمائهم كأعلام. وبعد ذلك سيبدو الوضع كأن هذه المدينة لم تعرف التقاليد المعمارية مطلقاً، وكأن المهندسين المصريين الذين كانوا معروفين في العالم ولهم بصماتهم في مدن المنطقة العربية قد تبخروا في الهواء، ورغم وجود ميراثهم المعماري في المدينة فإنه مغيب عن الصورة تماماً. ومنذ ذلك الحين يتعرض التراث المعماري للمدينة لخسائر كبيرة، وخاصة الإنشاءات الحديثة، التي يُنظر إليها على أنها تمتلك القليل من القيمة الثقافية، مقابل محو العديد من المباني دون توثيق.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق «تقنيات الكتابة الروائية»

«تقنيات الكتابة الروائية»

صدر حديثاً عن «دار كنعان» كتاب «تقنيات الكتابة الروائية»، من إعداد الناقد الأميركي أبراهام شاول بوراك. نقلته إلى العربية إيفا شاهين، وصمم غلافه باسم صباغ. يقدم الكتاب، وفقاً للناشر: «نهوجاً مختلفة في كتابة الرواية لدى أربعين روائياً ناجحاً، جمعيهم يبرهنون أنه لا يوجد نهج واحد لكتابة الرواية. ففي الحقيقة، كل روائي من هؤلاء يستخدم تقنية مختلفة. بعضهم يبدأ روايته بشخصية أو مكان، فيما يميل بعض آخر إلى بدئها بحبكة، أو موضوع، بينما يقدّم آخرون موجزاً عاماً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».