روسيا في سوريا... «سيف ذو حدين»

(تحليل إخباري)

رؤساء روسيا وإيران وتركيا في طهران 19 الشهر الجاري (إ.ب.أ)
رؤساء روسيا وإيران وتركيا في طهران 19 الشهر الجاري (إ.ب.أ)
TT

روسيا في سوريا... «سيف ذو حدين»

رؤساء روسيا وإيران وتركيا في طهران 19 الشهر الجاري (إ.ب.أ)
رؤساء روسيا وإيران وتركيا في طهران 19 الشهر الجاري (إ.ب.أ)

ماذا سيحصل إذا قررت أميركا الانسحاب المفاجئ من شمال شرقي سوريا؟ ماذا لو نفذت تركيا تهديداتها بالتوغل شمال سوريا؟ ماذا لو تم بالفعل، عقد صفقة يتم تداولها سراً بتسليم حقول نفط دير الزور إلى دمشق مقابل معلومات من الأخيرة عن الصحافي الأميركي المفقود أوستن تايس؟
واقع الحال أن روسيا تستعمل هذه السيناريوهات لدفع خصوم ومتحاربين إلى البحث عن ترتيبات معينة وملء الفراغ الأميركي. موسكو دائما تحاول الموازنة بين الأعداء. تستخدم سوريا منصة لأهداف تفاوضية في ملفات أخرى في الإقليم والعالم. تفعل ذلك منذ سنوات بين إيران وإسرائيل. اجترعت بعض التسويات في الجنوب السوري، دون أن تصل إلى صفقة نهائية في البلاد. لا توقف التموضعات والمسيرات الآتية من طهران عبر حدود الإمداد. ولا تشغل منظومات صواريخها ضد القصف القادم من تل أبيب. هذه المعادلة باتت معروفة، وإن شابتها تهديدات وتحديدات عدة، آخرها التوتر الحالي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد بسبب تصريحات الأخير عندما كان وزيراً للخارجية عن «جرائم حرب» روسية في أوكرانيا وضغوطات موسكو على الوكالة اليهودية في روسيا. لذلك، كان القصف الإسرائيلي الأخير ضد أهداف سورية و«مسيرات إيرانية»، بمثابة إشارة «لبيدية» بالتصميم على تنفيذ «الخطوط الحمر».
منذ التدخل المباشر نهاية 2015، كانت السياسة الروسية في سوريا عبارة عن «سيف بحدين». فيها كثير من العسكرة بين الأعداء وقليل من السياسية. تسويات مع الفرقاء الأجانب واستهتار بالفرقاء السوريين. الإعلام والسياسة، غطاء الخيار العسكري ومستلزمات الطروحات الأمنية. في «الدويلات» السورية الثلاث، القائمة تحت «المظلة الروسية»، هناك ترتيبات بين واشنطن وموسكو، وبين أنقرة وموسكو، وبين تل أبيب وموسكو، وبين طهران وموسكو. هناك أيضاً، خط سياسي وهمي بين الأطراف السورية. كان مربوطا في جنيف قبل أن تقرر موسكو قطعه لأنها غاضبة من سويسرا والغرب و«توحدهما» ضدها بسبب أوكرانيا.
جديد «سياسة الحدين»، ما تقوم به روسيا سراً بين دمشق وأنقرة وبين دمشق والقامشلي. كيف؟
بعد الارتباك الأميركي خلال الانسحاب من أفغانستان وبعد التردد خلال إدارة دونالد ترمب، باتت إدارة جو بايدن أكثر استقراراً في بقائها العسكري شمال شرقي سوريا. لكن هناك حالياً ثلاثة تطورات:
الأول، بعد الهجوم على أوكرانيا، حاول الجيش الروسي أكثر من مرة اختبار نظيره الأميركي لدفع واشنطن لحوارات سياسية وعسكرية ثنائية وفك العزلة بسبب أوكرانيا، علما بأن اتفاقا عسكرياً ينظم العلاقة بينهما في سوريا منذ 2017.
الثاني، يريد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن يستثمر تنامي أهمية دوره بسبب «مستنقع أوكرانيا» لتوجيه ضربة قاصمة لأكراد شمال سوريا.
الثالث، الرئيس بايدن وعد عائلة الصحافي تايس بالتواصل مباشرة مع فريق الرئيس بشار الأسد بحثا عن معلومات عن الصحافي المفقود منذ حوالي عقد. وبين الأفكار المتداولة تسليم نفط دير الزور لدمشق كبداية تفاوضية، علما بأن مبعوثي ترمب كانا عرضا في صيف 2019، انسحابات عسكرية من شمال شرقي سوريا مقابل إطلاق تايس.
وجدت موسكو في هذه الإشارات، فرصة. رتبت محادثات أمنية غير علنية بين دمشق وأنقرة، ترمي للوصول إلى ترتيبات وتعاون بين الطرفين ضد «حزب العمال الكردستاني» والإرهاب شمال سوريا. وأحد الخيارات المطروحة فعلاً، إحياء اتفاق أضنة الذي وقع في 1998 وسمح للجيش التركي بالتوغل بعمق خمسة كيلومترات في العمق السوري لملاحقة مقاتلين أكراد. طبعاً، سوريا تغيرت والإقليم تغير والعالم تغير. المفاوضات المدفوعة روسيا ترمي إلى البحث عن صيغة معدلة للاتفاق. ولا شك أن القمة الثلاثية في طهران التي لامستها زيارة وزير خارجية سوريا فيصل المقداد، أعطت دفعة إضافية لخط أنقرة - دمشق تحت خيمة موسكو.
اللافت وغير المفاجئ، أن موسكو تقوم بالوقت نفسه برعاية اتفاق آخر، بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يفترض أن الخط الأول من الوساطة يقوم ضدها أو على الأقل ضد المكون الأساسي فيها وهي «وحدات حماية الشعب» الكردية. هنا، رعت قاعدة حميميم محادثات لتطبيق مذكرة تفاهم كانت أنجزت في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بين قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي ومدير الأمن الوطني اللواء علي مملوك. وقتذاك، ترددت «قسد» في تطبيق كل بنود الاتفاق - المذكرة بعدما وافقت أميركا على تأجيل الانسحاب وتمديد البقاء. أما الآن، فباتت «قسد» مستعدة لتنفيذ هذه البنود، بحيث تم نشر 574 جندياً سوريا في مناطق مختلفة قرب المالكية والمثلث السوري - العراقي - التركي، وعين العرب (كوباني) وعين عيسى ومنبج في ريف حلب، بحيث تكون «رادعا» للشهوات التركية.
يواكب كل ذلك، تفكير في عواصم غربية بضرورة البدء بوضع «خطة بي» كي يكون الانسحاب العسكري الغربي منظما في حال حصوله، لعدم تكرار تجربة أفغانستان. كما تواكب ذلك، نصائح غربية لـ«قسد» بضرورة البحث عن اتفاقات وترتيبات مع دمشق «لأننا سنغادر عاجلاً أو آجلاً». أما دمشق، فإن كل المعلومات تفيد بأنها لم توافق إلى الآن على إجراء محادثات سياسية. الترتيبات العسكرية ممكنة، لكن التنازلات السياسية غير واردة. صحيح أن مفاوضات بين دمشق والقامشلي في 2018، أظهرت خلافات حول مستقبل «قسد» والإدارة الذاتية والمعابر الحدودية واللغة والرموز، لكن إلى الآن لا تزال دمشق متمنعة على جرعات اللقاح الروسي الذي تكرره موسكو في كل مناسبة.
أميركا أجرت تدريبات واستنفارات وإنزالات واغتيالات شرق الفرات. إسرائيل قصفت «مسيرات إيرانية» قرب دمشق. «مسيرات تركية» قصف أهداف كردية شمال سوريا. ومسيرات «معارضة» استهدفت قاعدة حميميم غرب البلاد. طائرات روسية قصف «المنطقة التركية» شمال غربي البلاد. كل هذا يتم في سوريا، بعد ساعات من القمة الثلاثية في طهران والوساطة التركية بين أوكرانيا وروسيا لعقد «صفقة الحبوب»، ونجاح موسكو في «وأد» مسار جنيف بين الأطراف السورية. عناصر معقدة تساهم في تعقيد شيفرة اللغز السوري بدلا من تفكيكها، وتعظيم المعاناة وسراب المآلات السورية.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

عدوان الحوثيين يحوّل تعز ولحج إلى مسرح واسع للانتهاكات

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
TT

عدوان الحوثيين يحوّل تعز ولحج إلى مسرح واسع للانتهاكات

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)

في تصعيد يعكس اتساع دائرة الاستهداف الحوثي للمدنيين والمنشآت الحيوية في جنوب غربي اليمن، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 164 جريمة وانتهاكاً ارتكبتها الجماعة خلال 48 ساعة في محافظتي تعز ولحج، شملت إطلاق نحو 450 مقذوفاً على مناطق مأهولة، ومقتل 28 مدنياً وإصابة 57 آخرين، بالتزامن مع استهداف مركز صحي في لحج وسوق شعبية في تعز، في تطور استدعى إدانات حكومية وحقوقية وأوروبية.

ويأتي هذا التصعيد الحوثي في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية على السكان، خصوصاً في محافظة تعز التي تواجه حصاراً مستمراً وقيوداً على وصول الإمدادات والمساعدات، بينما تتسع المواجهات العسكرية على امتداد جبهات جنوب المحافظة وغربها، وتتحول المنشآت المدنية والطبية إلى أهداف للهجمات.

وقالت الشبكة، في تقرير أصدرته الثلاثاء، إن حصيلة القتلى بلغت نحو 28 مدنياً، بينهم 5 أطفال و3 نساء، فيما أصيب 57 آخرون، بينهم 14 طفلاً و6 نساء، إضافة إلى 10 من العاملين في القطاع الصحي ضمن المصابين.

القصف الحوثي في تعز ولحج أودى بعشرات المدنيين (أ.ب)

وشملت الانتهاكات الحوثية، وفق التقرير، القتل والإصابة بالقصف والقنص، وارتكاب مجزرتين بحق المدنيين، والاختطاف والاحتجاز، واستهداف الأحياء السكنية والطرقات العامة وطواقم الإسعاف والمركبات الخاصة، إلى جانب استقطاب شباب من فئة المهمّشين وإخضاعهم لبرامج تجنيد.

قصف مركز صحي

كانت أبرز الحوادث التي وثقتها الشبكة الحقوقية استهداف الحوثيين مركز السقيّا الصحي في مديرية المضاربة بمحافظة لحج، الاثنين، بصاروخ باليستي، في هجوم أوقع قتلى وجرحى من العاملين في القطاع الطبي، وأثار موجة إدانات رسمية باعتباره اعتداءً مباشراً على منشأة تقدم خدمات إنسانية للمدنيين.

وأعلنت وزارة الصحة العامة والسكان أن الهجوم أسفر، في حصيلة أولية، عن مقتل 5 أشخاص، بينهم 3 من الفريق الطبي العامل في المركز، وإصابة 15 آخرين، بينهم 7 من العاملين الصحيين.

وقالت الوزارة إن استهداف المركز يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الإنسانية والدولية التي تكفل حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها والمرضى والمترددين عليها، محذرة من التداعيات الخطيرة لمثل هذه الاعتداءات على قدرة المرافق الصحية المحدودة أصلاً على الاستمرار في تقديم خدماتها.

الهجمات الحوثية أدت إلى تدمير منازل المدنيين في تعز ولحج (إعلام حكومي)

وطالبت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها «منظمة الصحة العالمية» و«اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، بإدانة الهجوم والتحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عنه، والعمل على توفير الحماية اللازمة للمرافق الصحية والطواقم الطبية والإسعافية.

وفي تعز، وثّقت الشبكة استهداف سوق شعبية، الاثنين، ضمن المجزرتين اللتين قالت إنهما وقعتا في المحافظتين، كما أشارت إلى تضرر 51 منزلاً ومنشأة صحية، بينها 10 منازل دمرت كلياً، إضافة إلى تضرر 12 مركبة خاصة.

وامتدت الأضرار، بحسب التقرير، إلى مديرية المسراخ وقرى دُبا وأدود في مديرية صبر الموادم، في حين نفذت الجماعة حملات اختطاف في مناطق الحوبان والتربة والساحل الغربي، أسفرت عن احتجاز 16 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة.

تحرك حكومي

من جانبه، وصف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني استهداف مركز السقيا بأنه «جريمة إرهابية مكتملة الأركان»، وانتهاك للقانون الدولي الإنساني، معتبراً أن الاعتداء يكشف نمطاً من استهداف المنشآت المدنية والطبية والاعتداء على حق المواطنين في الحياة والعلاج.

وقال الزنداني، خلال اتصال بمحافظ لحج مراد الحالمي، إن استهداف منشأة صحية تؤدي دوراً إنسانياً في إنقاذ الأرواح يمثل جريمة بحق المجتمع بأكمله، محذراً من أن التعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها أحداثاً عابرة، يشجع مرتكبيها على التمادي ويقوض قواعد حماية المدنيين.

دخان يتصاعد في أحياء تعز جراء القصف الحوثي (إعلام حكومي)

وربط رئيس الوزراء اليمني بين الهجوم على المركز الصحي والانتهاكات المستمرة في تعز، بما فيها استهداف المنشآت الطبية والحصار والقصف المتواصل للأحياء السكنية، مؤكداً أن تكرار الاعتداءات في لحج وتعز ومحافظات أخرى يستدعي موقفاً وطنياً ودولياً حازماً.

ووجّه السلطات المحلية والجهات الصحية والأمنية في لحج بتكثيف الرعاية الطبية للمصابين، ومتابعة احتياجات أسر القتلى، وتوثيق الجريمة وجمع الأدلة اللازمة لملاحقة المسؤولين عنها.

إدانة أوروبية

على وقع الاعتداءات الحوثية المتصاعدة، أصدر الاتحاد الأوروبي موقفاً شديد اللهجة إزاء التطورات العسكرية والإنسانية في اليمن، مطالباً الحوثيين بوقف جميع عملياتهم العسكرية فوراً، وفتح ممر إنساني عاجل في مدينة تعز، لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين المحاصرين.

وأعرب الاتحاد، في بيان أصدرته الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، نيابة عن الدول الأعضاء، عن إدانته للهجمات الحوثية على السعودية، لا سيما تلك التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية، مؤكداً تضامنه مع المملكة والحكومة اليمنية وشعبي البلدين.

دخان يتصاعد في أحياء تعز جراء القصف الحوثي (إعلام حكومي)

وأعلن عزمه زيادة مساعداته لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، بما يشمل دعم الإصلاحات وتعزيز الحوكمة ومواجهة التدهور الاقتصادي والإنساني والحقوقي، كاشفاً عن تخصيص 25 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية الطارئة، ليرتفع إجمالي الدعم الإنساني الأوروبي لليمن خلال عام 2026، إلى 110 ملايين يورو.

وحذّر البيان من أن التصعيد العسكري، إلى جانب نقص السلع الأساسية وارتفاع تكلفتها وانعدام الأمن الغذائي ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب، يفاقم الأزمة الإنسانية، مشيراً إلى أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدات.

كما طالب الحوثيين بالإفراج الفوري عن العاملين الإنسانيين المحتجزين تعسفياً، بمن فيهم 70 موظفاً أممياً في صنعاء، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني، وفتح الطرق أمام وصول الإغاثة إلى المحتاجين دون عوائق.

وفي الشق السياسي، دعا الاتحاد إيران إلى وقف تقديم أي دعم عسكري للحوثيين، معتبراً أن الحل العسكري لن ينهي الصراع، ومجدداً دعمه لجهود المبعوث الأممي للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة بقيادة وملكية يمنية، وفق قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.


مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

​في وقت تحرز فيه القوات المسلحة اليمنية تقدماً في مختلف الجبهات، وكان آخرها جبهة الجوف، يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

ويرى خبير عسكري أن هذه القرارات تتجاوز تغيير شاغلي المناصب؛ إذ تهيئ لقيادة محلية قادرة على مساندة المعركة، وحشد التأييد الشعبي في محافظتين مهمتين باتجاه صنعاء.

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

وجدد مجلس القيادة الرئاسي المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» حتى تحقق كافة أهدافها بإنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وفي هذا السياق، صدر قرار بتعيين اللواء حسين العجي العواضي محافظاً للبيضاء، بينما عُيِّن اللواء أمين علي العكيمي محافظاً للجوف وقائداً لمحورها العسكري.

وفي موازاة التغييرات المحلية، أجرى مجلس القيادة الرئاسي تعديلاً وزارياً محدوداً، شمل تعيين سالم ثابت العولقي وزيراً للإعلام، والقاضي أكرم نصيب العامري وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، وأحمد صالح العولقي وزيراً للإدارة المحلية.

وقال العميد ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعيينين يمثلان «ضرورة عسكرية في المقام الأول، وقَبَلية في المقام الثاني»، بالنظر إلى أهمية المحافظتين في مسار العمليات باتجاه العاصمة صنعاء.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة سابقة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

وأضاف أن العكيمي والعواضي يحظيان -حسب تقديره- باحترام واسع وثقل قبلي في محافظتيهما، معتبراً أن اختيار القيادتين يعكس قراءة لمزاج السكان، بما قد يساعد على تعزيز الحاضنة الشعبية للعملية العسكرية.

وقال إن هذه الحاضنة «ركيزة أساسية من ركائز صناعة القرار العسكري الذي يراعي السكان»، وإن استيعابها قد يسهل حشد الدعم للعملية.

وأشار صالح إلى الأهمية الاستراتيجية لمحافظة البيضاء، وما وصفه بوجود حاضنة سكانية رافضة للمشروع الحوثي، معتبراً أن توقيت تعيين محافظ لها يعزز الاستعداد للمرحلة المقبلة.

وتبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

وأشارت دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للبحوث)

ورأى العميد صالح أن أثر هذه القرارات سيظهر في قدرتها على دعم القوات على الأرض، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية أوسع في البيضاء، إلى جانب مساندة المعارك الدائرة في الجوف.

وجدد مجلس القيادة الرئاسي دعوته سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في القتال، ورفض التعاون مع الأنشطة العسكرية والأمنية للجماعة، وعدم الاستجابة لحملات التحشيد، مؤكداً أن «باب العودة الآمنة مفتوح» لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، وفق الإجراءات المعلنة.


الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

وسّعت الجماعة الحوثية نطاق حملات التجنيد لتعويض خسائرها البشرية المتزايدة في جبهات القتال، مستهدفة هذه المرة منتسبي الأجهزة الأمنية والسجناء والمحتجزين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات أخرى، في مؤشر على اتساع أزمة المقاتلين داخل صفوفها وتعثر محاولاتها استقطاب عناصر جديدة من المجتمع.

وفي أحدث هذه التحركات، دفعت الجماعة بمئات الضباط والأفراد من منتسبي شرطة المرور وأمن الطرق في صنعاء ومحافظتي ذمار وإب إلى جبهات القتال في تعز ولحج والساحل الغربي، بعد سحبهم من مواقع عملهم وتجميعهم في العاصمة وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى خطوط المواجهة.

وفي مسار موازٍ، حاولت الجماعة استقطاب مئات السجناء والمحتجزين في الإصلاحية المركزية بصنعاء، عبر مقايضة الإفراج عنهم بالالتحاق بصفوفها والقتال في جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، لكنها لم تحصل، وفق مصادر محلية وحقوقية، إلا على موافقة نحو 42 سجيناً من إجمالي المستهدفين، وسط رفض الغالبية العظمى للعروض والضغوط المصاحبة لها.

جبهات تعز تواصل استنزاف الجماعة الحوثية وتطارد تعزيزاتهم (إكس)

وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن قيادات أمنية حوثية أشرفت على عمليات استقطاب في أوساط منتسبي الإدارة العامة للمرور في صنعاء ومكاتبها بمحافظتي ذمار وإب، يتقدمها القيادي بكيل البراشي، الذي ينتحل صفة مدير عام شرطة المرور، ونجيب الأسدي، المعين مديراً عاماً للمرور في العاصمة المختطفة.

محاولة سد النقص

وفي ظل هذا الاستقطاب، قالت المصادر المطلعة في صنعاء إن الجماعة الحوثية سحبت مئات العناصر من مواقع عملهم في الشوارع والطرقات، قبل تجميعهم في أحد ميادين صنعاء وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم إلى جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، في محاولة لسد النقص المتزايد في صفوف مقاتليها جراء الخسائر البشرية المتلاحقة.

ولا تقتصر هذه التحركات على شرطة المرور وأمن الطرق، إذ سبق للجماعة أن دفعت، خلال الأسابيع الماضية، بدفعات من عناصر ما تُسمى «وحدات الضبط المروري»، وهي فصيل أمني مستحدث يديره القيادي عبد الكريم الحوثي، المعين وزيراً للداخلية في الحكومة غير المعترف بها، إلى جبهات الضالع ومأرب وتعز والجوف والساحل الغربي.

عناصر من وحدات الضبط المروري دفع بهم الحوثيون إلى جبهات الساحل الغربي (إكس)

وحسب المصادر، كانت الجماعة قد سخّرت هذه الوحدات في قمع المواطنين وترهيبهم وابتزاز سائقي المركبات والمارة، قبل أن تنقل منتسبيها من الشوارع إلى مواقع المواجهة، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاستنزاف، لتشمل قطاعات أمنية كانت تؤدي أدواراً مرتبطة بإحكام قبضتها على المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الخسائر البشرية التي تتكبّدها الجماعة في جبهات القتال، خصوصاً في محافظتي تعز ولحج، حيث قال مصدر مقرب من دائرة حكم الحوثيين في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات تواجه استنزافاً بشرياً غير مسبوق في مختلف الجبهات، وإن حجم خسائرها خلال الأشهر الأخيرة تجاوز قدرتها على تعويض المقاتلين، رغم حملات التجنيد والتحشيد المستمرة.

قادة حوثيون يزورون أحد السجون الخاضعة لهم في صعدة (إعلام حوثي)

وأضافت المصادر أن الجماعة بدأت الترتيب لإلحاق الموافقين بدورات عسكرية مكثفة وسريعة، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، من دون مراعاة لأوضاعهم أو مدى أهليتهم للمشاركة في القتال.

وفي محاولة لتوسيع دائرة الاستجابة، مارست عناصر حوثية ضغوطاً على الرافضين، شملت التهديد بالعقوبات وسوء المعاملة والحرمان من الزيارات، إلى جانب استغلال الأوضاع المعيشية لأسرهم عبر تقديم مساعدات مالية محدودة مقابل قبولهم الالتحاق بالجبهات، وفقاً لحقوقيين في صنعاء.

تجنيد قسري

وعدّ حقوقيون هذه الممارسات شكلاً من أشكال التجنيد القسري، مؤكدين أن استخدام الاحتجاز والحرمان من الحقوق الأساسية وسيلة لإجبار السجناء على القتال يمثّل انتهاكاً خطيراً للقواعد القانونية والإنسانية.

وقال سجين سابق في الإصلاحية المركزية بصنعاء إن المحتجزين لا يواجهون عروضاً حقيقية للإفراج عنهم، بقدر ما يتعرضون لعملية ابتزاز سبق أن طالت سجناء آخرين خلال الأشهر الماضية.

سجناء أفرج عنهم الحوثيون حديثاً في صنعاء مقابل الالتحاق بصفوفهم (فيسبوك)

وأضاف أن «الميليشيات الحوثية تريد منهم الذهاب إلى الجبهات مقابل الإفراج عنهم، ومن يرفض يواجه مزيداً من التضييق والعقوبات»، مشيراً إلى أن المحتجزين على ذمة قضايا مختلفة لا يريدون أن تتحول ملفاتهم القضائية إلى وسيلة لإجبارهم على القتال.

من جهته، أعرب أحد أقارب محتجز في السجن ذاته عن مخاوفه من أن يتحول الإفراج عن السجناء إلى بوابة للزج بهم في المعارك بدلاً من إعادتهم إلى أسرهم، وقال إن العائلات باتت تخشى خروج أبنائها من السجن إلى الجبهات بدلاً من العودة إلى منازلهم.

واعتبر ناشط حقوقي من صنعاء أن ما يجري يمثّل شكلاً خطيراً من التجنيد القسري، موضحاً أن «هذه ليست موافقات طوعية، بل قرارات تُنتزع تحت الإكراه والضغط النفسي والإنساني»، وأن مقايضة الحرية بالقتال تحوّل السجون إلى أدوات لتوفير المقاتلين وتحرم المحتجزين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.