تقول الأغنية العراقية: «إيش جابرك على المرّ إلا الأمرّ منه»؟ والمرّ في حالة فئة واسعة من العراقيين هو المكوث في الوطن. والأمرّ منه هو المغادرة بتأشيرة صحيحة أو مزورة، بأوراق هجرة وبمباركة مفوضية شؤون اللاجئين أو بمساعدة مهرب محتال يسلبهم ما ادخروا وما استدانوا. الهدف هو اللجوء إلى أي بقعة أخرى في العالم، ولو بركوب قارب يغرق في عرض البحر.
بعد ثمانية عشر عاماً من الحرية، بلغ الأمر بالعراقيين أن يهربوا من الموت إلى الموت. وما جرى خلال الأيام الماضية على حدود بيلاروسيا ليس سوى فصل مختصر من مسيرات الذل والعذاب. مئات العائلات تجرجر أطفالها في غابة صقيعية تحت المطر، وهي تأمل بلوغ (فردوس) الاتحاد الأوروبي. مشهد تخجل منه الحكومات في البلاد الطبيعية فتستقيل.
كانت صوراً كارثية تلك التي نقلتها وكالات الأنباء. رجال ونساء يكومون على أجسادهم كل ما لديهم من ثياب درءاً للبرد، بعضهم يتحدث بإنجليزية صحيحة، أبناء عز سابق، ينطبق عليهم القول: عزيز قوم ذُلّ. لماذا يُذلّ مواطنو بلد من أغنى دول الشرق، ومن أرض عامرة بالثروات والكفاءات، يقفون بين عساكر بيلاروسيا وكلابهم البوليسية من جهة، وبين قوات بولندية تهددهم بمكبرات الصوت وتصدهم بالسلاح وترعبهم بالطائرات العمودية تحلق فوق رؤوسهم؟
يقول المراسلون إنهم جاءوا من أربيل في كردستان العراق. وهي منطقة آمنة كما يفترض. لكن الأمان أمان القلب. لا عيشة كريمة دون الاطمئنان على الأرواح ومستقبل الأبناء. من أين يتحقق الاطمئنان في بلد تآكلته الطائفية واستشرى فيه الجهل وانتشر السلاح الفالت، ناهيك عن غلاء اللقمة وافتقاد فرص العمل. وطن تتناهب ميليشياته مواقع القوة ومصادر الثروة ولا أمل في أن تتوقف الصراعات فيما بينها.
خرج العراقيون ذات تشرين إلى ساحة التحرير. طفح بهم الكيل فنصبوا الخيام وافترشوا الأرصفة تحت جدارية الحرية لجواد سليم. داعبت الآمال قلوبهم وهم يهتفون: نريد وطناً. كانت لحظة باهرة وسط الواقع المرّ، واجه فيها «التوكتوك» مدرعات السلطة، وانكمش أهل المنطقة الخضراء وراء أسوارهم. ثم بدأت الاغتيالات. وراح قناصة يفقأون أعين المتظاهرين. واستشهد خيرة الشباب وضاعت دماؤهم هدراً. مَن القتلة؟ الكل يعرف والمجرمون طلقاء.
أرسل العراق طائرة لاستعادة المئات من مواطنيه التعساء العالقين على حدود بيلاروسيا. (طوعاً لا قسراً). كأن هناك خياراً للمستجير من الرمضاء بالنار. أرض خصبة ثرية طيبة معطاء غاب عنها نور العقل وانقطعت الكهرباء وباتت طاردة لأبنائها ومضجعاً للغريب. ولم يكن الحال بأفضل قبل الاحتلال والحرية الخرافية. فقد انطلقت وتيرة الهجرات الكبرى منذ ثلاثة عقود ولم تتوقف. كان أمل العراقي: «سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئات المنى». ثم تبدد الأمل وخرجت منى تطلب «فيزا».
9:11 دقيقه
TT
عراقيون على الحدود
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
