عندما تدق طبول الحرب يدفعنا صوتها للبوح بما لا نستطيع الخوض فيه في العادة.
المملكة العربية السعودية، اليوم، تقود حربا عربية إسلامية، بدعم دولي، ضد جماعة الحوثي في اليمن، والتي تدرجت في تمردها منذ أن ركبت موجة الاحتجاجات على رفع الدعم عن الوقود العام الماضي، وانتهاء باحتلال صنعاء وقصف مجمع الرئاسة. ومع ارتفاع الأصوات المؤيدة للتحرك السعودي، يعلو صوت الفئات المعادية للمملكة وهرجها، وهنا مربط الفرس. من هم هؤلاء.. ولماذا يكرهون السعودية؟
كارهو السعودية أنواع مختلفة، ومتناقضة في مجملها. أولهم، جماعة إيران وحزب الله. هؤلاء مجموعة يصعب فهمها واستيعاب متطلباتها. يرددون في الغالب مقولات حسن نصر الله حرفيا، ويتابعون الإعلام الإيراني، الذي هو من حيث الهدف والمبدأ إعلام موجه ضد السعودية. لا يمتلكون برهانا أو حجة على أي شيء. هم، كما نصر الله، يكتفون بتعليق كل مشكلة في رقبة السعودية، ويمضون إلى النقطة التالية. يتحدثون جزافا عن توافق السعودية مع الأميركان وإسرائيل ضد الفلسطينيين، من دون أي برهان أو دليل، ولن أحاول هنا أن أوضع مدى إفلاسهم، لأن ادعاءاتهم لا تستحق الرد من الأساس، ولأن أصحاب القضية، العقلاء من الفلسطينيين، يعرفون ماذا قدمت لهم السعودية. ولأن الإسرائيليين أنفسهم يعون أن السعودية هي التي تعمل بصمت ضدهم في واشنطن وغيرها. بعد الأزمة في سوريا توجه تركيز هذه الفئة إلى أن السعودية تدعم الإرهاب، أيضا من باب رمي التهم جزافا وبعيدا عن الواقع.
ثاني مجموعات الكارهين هم المتطرفون. هذه المجموعة تشمل بالتأكيد تنظيم القاعدة، والمتعاطفين معه من حيث يدرون أو لا. «القاعدة» أسست نفسها وأدبياتها على كره السعودية ومهاجمتها. هذا الفكر هو نفسه فكر «داعش»، الذي هاجم حدود السعودية، ويهددها كل يوم بالقصائد والفيديوهات. ينضوي تحت لواء هؤلاء أشخاص متطرفون، وليس بالضرورة إرهابيين، يتداولون شعارات الإرهابيين من حيث لا يعلمون، ويخدمون أجندتهم. تجدهم يهاجمون ما يسمونه بالمشروع التغريبي في المملكة، ودعم المرأة، وحتى الحوار الوطني مع الأقليات في السعودية، ويدسون السم في العسل.
ثالثهم المثقفون، أو هكذا يدعون، فاقدو الصلة بالواقع. هؤلاء تجد بعضهم في مراكز الأبحاث في أوروبا، أو في الإعلام الأميركي، يتهجمون على السعودية من منطلق حقوق الإنسان. كثير منهم لم يزر السعودية من قبل، ويتحدثون عن مصطلحات لا يفقهونها، تجدهم يلتقطون ما تقوله المجموعتان أعلاه ويعيدون تدويره بأسلوب أكثر سلاسة، وبمنهجية تبدو عليها العلمية والمهنية. ينضوي تحت لواء هؤلاء بعض العرب الذين «يشوفون حالهم» على السعودية والخليج، والذين يرددون ما تقوله مراكز الأبحاث وكأنه حق مسطر، ويستشهدون بمقولاتهم وكأنها منتهى العلم والمنطق الذي لا يقبل الاعتراض. جماعة المغرورين هؤلاء، في غالبيتهم، متعلقون بأساطير الماضي، ولا يعرفون السعودية التي يتحدثون عنها اليوم.
المجموعة الرابعة، وهم السواد الأعظم من الكارهين، ليس لهم أي تصنيف. هم مجرد حاقدين على السعودية، وإن كان بعضهم من المغرر بهم. هؤلاء يهاجمون السعودية من أي منطلق كان. يجمعون كل المتناقضات في سبيل الهجوم على السعودية. يأخذون قليلا من كلام الإعلام الإيراني بأن السعودية ضد فلسطين، ثم «يبهرونه» بكلام الإرهابيين بأن السعودية لا تحارب التطرف الشيعي، ثم يضيفون قليلا يتحدثون عن حقوق الإنسان فيها، ثم يقولون بأن السعودية تجامل أميركا على حساب الأحكام الشرعية. هم في غالبهم كذلك. أفكارهم مشردة، لا يجمعها أي منطق سوى كره السعودية، ولو دخلت في نقاش معهم لوجدتهم يسحبونك من مكان لآخر، من تناقض إلى تناقض. ينجح هؤلاء في أن يلجموك عن الحديث، لأنهم ليسوا أصحاب مبدأ، ويكتفون بالهجوم والافتراء.
هذه مشكلة السعودية. في كل موقف تتخذه تجد أعداءها مثل المسعورين في هجماتهم، فتجتمع كل التناقضات عليها، لتظهر زيفها. عندما تستجيب لطلب الشعب اليمني في مواجهة انقلاب الحوثي، واستيلائه على طائرات مقاتلة وصواريخ وشرعية، تنتفض كل جماعة من الكارهين للهجوم بنبرة مختلفة ومتناقضة. جماعة إيران يلعبون كارت الطائفية، والإرهابيون يتحدثون عن أميركا، وآخرون يتحدثون عن حقوق الإنسان، ولا مانع لدى بعضهم من جمع كل هذه الهجمات في جملة واحدة. وهنا أتذكر خطاب نصر الله الأخير، الذي أزعجنا فيه بانسياق السعودية وراء أميركا، ثم قال إنها تخاصمت مع أميركا من أجل مبارك، وعاد لوعيه قائلا: «هيك بيقولوا». هم يتلقفون كل ما يقال ضد السعودية ويستغلونه لطرفهم، حتى لو كان ذلك على حساب قناعاتهم. فبالأساس، لا قناعة جوهرية لدى مجملهم سوى كره السعودية، والباقي متغير.
السعودية، منذ تأسيسها، قدمت الكثير للجميع، دعمت القضايا العربية والإسلامية، لم تسع لمحاربة أي أحد، وركزت على بناء نفسها من الداخل، لأنها دولة تحب الرخاء والاستقرار. لكن المشكلة أن خطاب هذه المجموعات تمكن من خلق صور نمطية راسخة وخاطئة في العالم العربي. مثلا، أصبح الحديث عن أموال السعودية، أو الخليج بشكل عام، منقصا من قدرها. الجميع يتحدث بأن الخليج يملك المال، وكأن المال عيب. كل نجاح علمي للسعودية، ووصول طلابها لنهائيات الأولمبياد العلمي في العالم، والمراكز المتقدمة لباحثاتها في الولايات المتحدة، وطلابها الذين يملأون أرقى الجامعات العالمية، وشبابها الذين باتوا يقودون مؤسسات تقنية واستشارية عالمية تعمل في كل مكان، كل ذلك بنظرهم بسبب المال.
نظرية المؤامرة سهلة، لا تحتاج إلى تفكير. هي مثل الشماعة لكل شيء. لا تحتاج مبررا، أو إقناعا، أو توقعات مستقبلية، أو أرقاما. مهما شرحت لمن تشرب بنظرية المؤامرة لن يستمع لك، سينظر إليك نظرة الرحمة، ويأخذك إلى سحابة أخرى من المؤامرات. لكن الحقائق والواقع أشد حجة. لا يمكن لدولة مثل السعودية أن تصل إلى ما وصلت إليه من غير عمل راسخ ومدروس، وجهد غير عادي. الموضوع ليس بالمال والنفط، فلدى إيران ودول عربية أخرى نفط. كما أن الموضوع لا يتمحور حول العلاقة مع أميركا، فما أكثر حلفاء أميركا في المنطقة والعالم. الموضوع لم يأت تحصيل حاصل. لكن هؤلاء المشككين لا يستطيعون أن يستوعبوا أن هذا المواطن السعودي، الذي كان يعيش في الصحراء منذ عقود، حقق كل هذا من نفسه، وبعلاقاته الذكية مع دول العالم. لا يستطيعون استيعاب هذه الفكرة لأنها تعني أنهم فشلوا. ومن يعترف منهم بهذا الكلام يوصف فورا بأنه مأجور، فكيف لشيء غير المال يجعلنا نقول هذا الكلام؟ المال والتبعية هما اللذان يحددان كل شيء لديهم، أما الحقائق فلا معنى لها.
هكذا هم كارهو السعودية، يقللون من أهمية الواقع، ويرفعون من قيمة الشعارات والصوت العالي. ينسون أن السعودية فيها الحرمان الشريفان، وأنها مهد الإسلام، ومنطلق العروبة. الشعارات لديهم أهم من كل هذا، والجميع يستطيعون أن يسردوا ما يشاؤون ضد السعودية، لكنها ستظل باقية في أمان واستقرار وتنمية.
هنيئا للسعودية أن تكون مشكلتها في صفاقة أعدائها وتناقضاتهم، التي هي كفيلة بتعرية مواقفهم وكشفهم.
* كاتب سعودي
13:30 دقيقه
TT
مشكلة السعودية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
