سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

خواطر في الصحراء: مفكرة... استنكار الحاضر

قرأت «جدة التي أحببتها» لليلى النعماني علي رضا، في جلسة واحدة. أولاً؛ متعة السرد وجمال ما مضى، وعلاقتي الشخصية مع تلك المرحلة، يوم جدة فندقاً واحداً يضم المراسلين الذين أتوا صيف 1965 يغطون الحدث الذي يرونه ولا يصدقونه: جمال عبد الناصر يصل على يخت «المحروسة» إلى ميناء جدة للمصالحة مع المملكة، وإلى جانبه محمد حسنين هيكل، متضايقاً بكل وضوح، من دلالة المشهد.
لكن كان على الجميع أن يصدقوا؛ خصوصاً عشرات الصحافيين، المنقسمين هم أيضاً من أنحاء العالم. وذاب «فندق قصر الكندرة» في غبار الذاكرة لكي تقوم مكانه على البحر فنادق شاهقة، مثل نيويورك أو شيكاغو. أليس كل هذا زمناً جميلاً؟ هل أزقة جدة الضيقة وشوارعها الترابية، وحدها «زمناً جميلاً»
لماذا نميل دائماً إلى وصف الماضي بالجمال، وكأننا نستنكر الحاضر؟ لأنه قد مضى. ولن يعود. ولأنه كان يحتوي شبابنا. والشباب زهو وانتصار، والمشيب تحسُّر. وليت الشباب يعود يوماً لأخبره بما فعل المشيب. ماذا فعل المشيب؟ رفع عدد الوصفات الطبية وخفض عدد الأدوية في صيدليات لبنان. «لا تخف»؛ تقول لك الدولة. إنها حرب المافيات، بين بعضها بعضاً. وفي يوم أو شهر أو سنة، سوف يعود كل شيء إلى ما كان عليه: البنزين إلى المحطات، والدواء إلى الصيدليات، واللبنانيون إلى أوطان الآخرين.
لن يذكروا أطفال لبنان اليوم زمناً جميلاً. ولا شبابه سيصنعون ذكريات يشعرون بالحنين إليها ذات يوم، من زمان، لم يعد هناك زمن جميل في لبنان. هناك بشاعات وفقر وتماسيح سياسية واقتصادية ومالية. هناك دولة بلقاء العينين تتطلع في وجوه الناس كل يوم وتسأل: من المسؤول؟
جدة مدينة مذهلة على البحر الأحمر. قبل 50 عاماً كانت مدينة فيها رجل يدعى «الكابتن». و«الكابتن» مهمته إرشاد السفن في الشُعُب المرجانية. واليوم جدة من أكبر الموانئ في العالم. كان زمنها جميلاً لأنه كان بطيئاً. أما اليوم فأي مجال للبطء في مؤسسة مساحتها مليون متر مربع؟
«جدة التي أحببتها». حكاية من حكايات النجاح والتوسّع. ومن حظوظها أيضاً أنها رزقت مؤرخة؛ سيدة تتأمل ميناء في حجم لوس أنجليس، وتشعر بالحنين إلى «يخت» طوله 6 أمتار في أبحُر.
إلى اللقاء...