أماندا ليتل
TT

الحل لمشكلة المياه تدويرها

يتوقع عدد غير قليل من الحالمين البائسين مستقبلاً تجري فيه إعادة تدوير مياه الصرف الصحي لاستخدامها كمياه شرب مرة أخرى. فكما تخيلها فرانك هربرت في روايته عام 1965 «الكثبان الرملية»، يتعيَّن على البشر الذين يسكنون كوكباً جافاً غير ممطر ارتداء «ملابس ثابتة» (طبقة جلد ثانية مطاطية تحتفظ بالعرق والمخلفات) لتعيد تدويرها لتصبح مياه شرب.
اليوم أصبحت عناصر هذه الرؤية حقيقة واقعة. فعلى الرغم من عدم وجود نماذج مناخية تتنبأ بمستقبل من دون هطول أمطار على الأرض، فإنها جميعاً تظهر اضطرابات شديدة في الهيدرولوجيا؛ زيادة هطول الأمطار والفيضانات في بعض المناطق، وتفاقم الجفاف في مناطق أخرى. وها قد أصبحت كاليفورنيا الآن مثالاً رائداً على ذلك حيث تعاني المرافق خلال فترة الجفاف الطويلة، وتعتمد بشكل متزايد على الصرف الصحي لتوليد احتياجات المياه في الولاية.
يُعرف مصدر المياه هذا في لغة الصناعة باسم «مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها»، وفي المصطلحات العادية باسم «من المرحاض إلى الصنبور»، ويؤدي هذا المصدر المائي بشكل مفهوم إلى حدوث رد فعل منتفض لدى الناس، وهذا ما لا ينبغي أن يحدث. فسرعان ما أصبحت مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها العنصر الوحيد الأكثر أهمية في إمدادات المياه المقاومة للجفاف في عصر تغير المناخ، وهي نقية ولذيذة مثل أي مياه قد تشتريها من ينابيع جبال الألب السويسرية.
في الواقع، يشرب بعض سكان جنوب كاليفورنيا بالفعل مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها منذ سنوات، وذلك بفضل مشروع تجريبي في مقاطعة «أورانج». وتركز حزمة الاستجابة للجفاف، البالغة 5.1 مليار دولار، التي أعلن عنها الحاكم غافين نيوسوم مؤخراً، بشدة على جعل هذا المصدر المستدام متاحاً على نطاق أوسع. لكن هذا لا ينبغي أن يظل مجرد تجربة أخرى في كاليفورنيا حيث يتعين على إعطاء الأولوية للإنفاق على البنية التحتية لمرافق إعادة تدوير المياه العادمة.
أحد الخيارات التي تم استكشافها هو تحلية المياه، وهي طريقة ترشيح تجرد مياه المحيط من الملح. ومع ذلك، فإن إعادة تدوير مياه الصرف الصحي أرخص بكثير حيث تكلف المياه المحلاة نحو 3000 دولار لكل آكر قدم (آكر القدم وحدة قياس في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تعادل 43560 قدماً مكعبة)، بينما تكلف مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها 1800 دولار لكل آكر قدم.
تتم معالجة كلا النوعين من المياه ميكانيكياً؛ حيث يتم ضخهما من خلال عملية ترشيح متعددة الخطوات، تنتهي بمرحلة أغشية التناضح العكسي التي تسحب الشوائب، بما في ذلك الجزيئات المرئية والفيروسات ومسببات الأمراض والمواد الكيميائية المسببة لاضطراب الهرمونات والملح.
أصعب أنواع العوالق التي تصعب إزالتها في الواقع هي الملح (الذي لا يعلق في الماء، بل يذوب)، لذلك تعتبر مياه الصرف الصحي أسهل وأرخص في الترشيح من المحلول الملحي للمحيطات، ببساطة لأنه يحتوي على نسبة ملوحة أقل بكثير، وبالتالي يتطلب طاقة أقل للمرور والضخ من خلال الأغشية. كذلك تعتبر تحلية مياه الصرف متاحة عالمياً بشكل أكبر، نظراً لأنه ليس كل مدينة تطل على محيط، لكن كل شخص لديه مياه صرف صحي.
في عام 2008، افتتحت محطة مياه «أورانج كاونتي» مرفقاً لتحلية مياه الصرف الصحي بقيمة 490 مليون دولار بجوار محطة الصرف الصحي بالمقاطعة وبدأت في تغيير النموذج، وضخّت 70 مليون غالون من مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها في الخزانات الجوفية التي تزود صنابير مقاطعة أورانج. حقق المصنع نجاحاً كبيراً حيث تم توسيع الإنتاج إلى 100 مليون غالون يومياً في عام 2018، ما جعله أكبر مصنع لمياه الصرف الصحي المعاد تدويرها في العالم، وتم الإعلان مؤخراً عن توسعة أخرى إلى 130 غالوناً يومياً. وبذلك ستتفوق مقاطعة أورانج قريباً على لوس أنجليس، التي اقترحت منشأة سعة 150 غالوناً يومياً يمكن أن تصبح متاحة بحلول عام 2023.
تقوم سنغافورة وإسرائيل، من بين دول أخرى ذات موارد محدودة من المياه العذبة، بإعادة تدوير مياه الصرف الصحي منذ عقود، بينما قاومت الولايات المتحدة ذلك المنحى. وقبل 20 عاماً، بعدما أنفقت مقاطعة لوس أنجليس ملايين على محطة مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها، أغلقتها في غضون أسابيع من افتتاحها بعد صرخة من السكان الذين اعترضوا على فكرة شرب مياه الصرف الصحي الخاصة بهم. لقد تحسنت التكنولوجيا أيضاً؛ حيث أخرجت لنا منتجاً ممتازاً.
لقد شربت المياه المتدفقة من محطات «كارلسباد» و«أورانج كاونتي» التي كانت قبل ساعات من المياه المالحة للمحيطات ومياه الصرف الصحي. كلاهما بطعم نظيف، ولا يحويان أي أثر يدل على أصولهما.
لم يشكك أي خبير أجريت معه مقابلة، في نجاعة فكرة أن إمدادات المياه الجديدة في المستقبل ستعتمد على مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها.