عندما التحقت جوان روبنسون بجامعة كامبريدج عام 1929، لم يتوقع أحد أن تصبح واحدة من أهم خبراء الاقتصاد في القرن العشرين، ناهيك من القرن الحادي والعشرين. وكانت قد أمضت السنوات الثلاث الماضية من عمرها البالغ آنذاك 26 عاماً في الهند، حيث عاشت من دون مسؤوليات مهنية، بينما كان زوجها أوستن، وهو خبير اقتصادي يكبرها بست سنوات، يتولى التدريس.
عندما عاد أوستن إلى بريطانيا للانضمام إلى كلية الاقتصاد بجامعة كامبريدج، شعرت جوان التي كانت قد درست الاقتصاد في الجامعة أن طموحاتها الخاصة تتأجج، لكنها دخلت في بيئة معادية للمرأة؛ على مدى 40 عاماً، سيطر ألفريد مارشال على الاقتصاد في كامبريدج الذي لم ينافس إنجازاته الفكرية فيه سوى كراهية النساء، حيث تزوج ماري بالي، أول امرأة تلقي محاضرة في الاقتصاد في الجامعة، ثم سرعان ما دمر حياتها المهنية، وسحب كتابها من الأسواق. وقد لاحظت جوان المحبطة أن مارشال عامل زوجته على أنها «خادمة منزل أو سكرتيرة».
لكن جوان ثأرت لها بشكل قوي، حيث واصلت ابتكار نظرية جديدة قلبت الإرث الفكري لمارشال، وأحدثت تغييراً جذرياً في فهمنا للعلاقة بين المنافسة وقوة العمل. والآن، هذه الابتكارات الآيديولوجية تشكل النقاش المتجدد حول إصلاح مكافحة الاحتكار.
كان اقتصاد مارشال عالماً من التناظرات الجميلة، ووصل العرض والطلب بشكل طبيعي إلى حالة من التوازن، وحصل العمال على القيمة الدقيقة لما ساهموا به في الإنتاج. وطالما كان على الشركات التنافس على سعر وجودة سلعها، فمن الممكن للمستهلكين إجبار المنتجين على إجراء تحسينات، من خلال شراء سلع أرخص وأعلى جودة من منافسيهم. وسوف تستجيب السوق للمستهلكين، وتزداد ثروة المجتمع.
كانت الأفعى التي تسللت إلى جنة عدن هي الاحتكار. فإذا حصل منتج واحد على حصة كافية من السوق، فيمكنه تحصين نفسه من المنافسة، وإجبار المستهلكين على الاستجابة لتفضيلاته: أسعار أعلى، وجودة رديئة، وابتكار مكبوت. أدرك مارشال أن معظم الأسواق لم تكن تنافسية تماماً، ولكن شأنه شأن غيره من المفكرين في عصره، كان يعتقد أن هذه عيوب عابرة، وأن الأسواق لديها ميل طبيعي للمنافسة. كانت السوق دائماً تحسن نفسها من تلقاء نفسها، فقد كانت ظروف الاحتكار الخالص هي ما يمكن أن يعرقل هذا الاتجاه التقدمي.
قلبت جوان إطار عمل مارشال رأساً على عقب، إذ قالت في كتابها التاريخي عام 1933 إن «اقتصاديات المنافسة غير الكاملة» لم تكن تحولاً بين الاحتكار الخالص والمنافسة الخالصة. لم تكن السوق التنافسية هي الوضع الطبيعي، بل كانت «حالة خاصة» نادرة، فقد وصلت الأسواق عادة إلى حالة من «التوازن» توقفت فيها التحسينات التقدمية لمارشال، مع إظهار كثير من عيوب النظام الاحتكاري.
وعند النظر إليها اليوم، تبدو حجج جوان أشبه بعمل فيلسوف أكثر من كونها عملاً اقتصادياً. ففي وقتها، لم يكن من الممكن الانتهاء من الإحصاءات المالية التفصيلية -الناتج المحلي الإجمالي والإنتاجية ومؤشرات الأسعار- لعدة سنوات. وشأن غيرها من الاقتصاديين البارزين في عصرها، لم تتوصل جوان إلى استنتاجاتها من خلال دراسة صناعات محددة بالتفصيل، بل من خلال صياغة مجموعة من الافتراضات حول سلوك العمل، ثم إخضاع تلك الافتراضات لتحليل رياضي صارم من أجل تطوير بعض القواعد العامة. وفي الثلاثينات من القرن الماضي، اعتمدت قوة هذه الحجج على مدى فائدة تلك القواعد في الواقع الحقيقي، وعلى جاذبيتها الحدسية.
كان السهم الأكثر فاعلية في التأرجح المفاهيمي لجوان فكرة جديدة أطلقت عليها اسم «احتكار الشراء». كان يُفهم دائماً أن الاحتكار يشمل بائعاً واحداً يفرض أسعاره على مشترين لا حول لهم ولا قوة، مثل صناعة النفط الأميركية في مطلع القرن، لكن جوان لاحظت أن المشترين يمكنهم الاستمتاع أيضاً بثمار المنافسة غير الكاملة المحظورة: إذا كان هناك مشترٍ واحد فقط لسلعة ما، فيمكن لهذا المشتري أن يحدد سعره، بغض النظر عن عدد البائعين الذين قد يتنافسون على مشترياته؛ كان هذا احتكار الشراء.
وجادلت جوان بشكل حاسم بأن العمال، بصفتهم بائعين لعملهم الخاص، يواجهون دائماً استغلال احتكار الشراء من أصحاب العمل؛ أي الجهة التي تشتري عملهم. وكانت لهذه النقطة الفنية ميزة سياسية: وفقاً لجوان، كان العمال يتقاضون أجوراً منخفضة بشكل دائم، حتى وفقاً لمعايير الإنصاف التي وضعها كبار كهنة السوق الحرة.
وفي ظل المفاهيم الكلاسيكية للاحتكار، غالباً ما يفسر خبراء الاقتصاد والمحامون النقابات العمالية على أنها حواجز غير عادلة أمام المنافسة. وبدلاً من السماح لأصحاب العمل بالتنافس بحرية على العمال الأفراد، فقد ذهب منطقهم، وأجبرتهم النقابات على التفاوض مع التكتلات الاحتكارية. وفي عشرينات القرن الماضي، أعلن الخبير الاقتصادي النمساوي المؤثر لودفيج فون ميزس أن الوظيفة الكاملة للنقابات العمالية هي منع المنافسة العادلة للأجور من خلال التهديد بـ«العنف البدائي» ضد مفسدي الإضرابات.
ولكن في إطار عمل جوان، لم تكن النقابات هي التي تسببت في مشكلات المنافسة في سوق العمل؛ وبدلاً من ذلك، كانت أسواق العمل مناهضة للمنافسة بطبيعتها، إلا في حالات خاصة نادرة. وفي الواقع، أعادت تصور سياسة المنافسة بصفتها قضية تتعلق بحقوق العمال. فلم تكن المشكلات التي كشفتها هي تجاوزات عدد قليل من الشركات العملاقة الفائقة التي تم حلها ببضع حالات تفكك وانفصال. وتجادل جوان بأن «الاحتكار» مستوطن في سوق العمل، وهو يتطلب استجابة تنظيمية مستمرة في جميع أركان الاقتصاد.
وبحلول الوقت الذي نشرت فيه جوان كتابها التاريخي، كانت قد دخلت بالفعل في شراكة مع عبقري آخر في كامبريدج، هو جون مينارد كينز، حول ما أصبح «النظرية العامة للتوظيف والفائدة والمال» الذي نُشر في عام 1936. وعلى الرغم من أن الخط الثانوي ذهب إلى كينز، كان الكتاب نتاج تعاون بينه وبين أقرب مساعديه ريتشارد خان وجوان. ولسوف يحدث ثورة في الاقتصاد، ويقدم تبريراً فكرياً جديداً لعجز الميزانية الحكومية ومساعدات الإغاثة والإنفاق على الوظائف. وشأن عمل جوان في المنافسة، فقد شددت على أن التوظيف الكامل، وهو مثال آخر للاقتصاد الكلاسيكي، لم يكن منتجاً عادياً للسوق، لكنه بالأحرى حالة خاصة نادرة. وقد جادل كل من كينز وجوان بأنه يتعيَّن على الحكومات أن تنفق الأموال وتعالج العجز لضمان حصول كل من يريد وظيفة على وظيفة في معظم الأوقات.
ونظراً لأن «النظرية العامة» وجهت صانعي السياسة خلال القرن العشرين، فقد وصل عمل جوان في المنافسة إلى جمهور عريض، لكن من خلال تأثيرها على جون كينيث غالبريث الذي دمج أفكارها في كتبه الأكثر مبيعاً. ولكن مع صعود ميلتون فريدمان في السبعينات، بدأت مهنة الاقتصاد مرة أخرى في التذرع بالتناغم الطبيعي للسوق الحرة بصفته علاجاً للشر الاجتماعي.
وقد توفيت جوان في عام 1983، من دون أن تتمتع بالاعتراف العام الذي تلقاه أصدقاؤها الذكور!
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»
8:32 دقيقه
TT
امرأة تحدَّت خبراء الاقتصاد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
