مارغريت فرنكلين
الرئيسة والرئيسة التنفيذية لـ«معهد المحللين الماليين المعتمدين»
TT

كيف نستقطب الكفاءات النسائية؟

لقد أرغمتنا الجائحة العالمية على النظر إلى القوى العاملة بمنظور جديد، وعلى النظر في كيفية تهيئتهم للمستقبل وجعلهم يتحلون بالمرونة وسرعة التحرك بصورة أكبر. وفي رأيي الشخصي؛ فمن المؤكد أن عالم العمل، وكذلك جوانب أخرى كثيرة من حياتنا، لن يعود كما كان عليه قبل أن تحل جائحة «كورونا» وتقلب مواقع أعمالنا رأساً على عقب. وبالمناسبة؛ فإن ذلك أمر جيد.
لقد أدى ذلك إلى زيادة الزخم في توفير مزيد من المرونة في موقع العمل، خصوصاً للنساء، مما يجعلني متفائلة بأننا سنشهد تقدماً ملموساً في رحلة السعي للمساواة بين الجنسين. وبصفتي امرأة تعمل في قطاع يسيطر عليه الرجال، فإنني أعتقد أننا وصلنا بالفعل إلى نقطة تحول.
لقد استُحدثت مبادرات جديدة في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصاً في سياق تشجيع النساء على تحسين مسارهن الوظيفي والتقدم نحو المناصب التنفيذية.
شهدنا؛ على سبيل المثال، دولة الإمارات العربية المتحدة تتوجه نحو الاستثمار في النساء من خلال تشجيع القطاع الخاص على ترقيتهن إلى مناصب المستوى التنفيذي، وفي القطاع العام من خلال تعيين النساء الشابات الناجحات في مناصب وزارية. كما ظهرت مبادرات تستحق الإشادة، مثل مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين وسنّ القوانين التي تشجع النساء على الانضمام إلى القوى العاملة. فليس من باب المصادفة أن يقوم «المنتدى الاقتصادي العالمي» بتصنيف دولة الإمارات العربية المتحدة واحدةً من الدول الرائدة في المساواة بين الجنسين في منطقة الشرق الأوسط، وأنها قد أيدت بشكل فعال التعامل مع المساواة بين الجنسين بصفته أولوية وطنية.
ولكن في الواقع، لا تزال النساء تشكل جزءاً صغيراً جداً من استثمار القوى العاملة في الإدارة، خصوصاً في المستويات الوظيفية العليا. نعم؛ لا بد أن نشيد بحقيقة أن جين فريزر قد تسلمت للتو مهامها رئيساً تنفيذياً لمجموعة «سيتي غروب» دون أن ننسى أنها قد أصبحت المرأة الأولى التي تقود مصرفاً عالمياً كبيراً.
يجب علينا بوصفنا قادة أن نبذل جهوداً واعية للإسهام في تغيير تلك الإحصائية الهزيلة؛ إذ لا يكمن التحدي أمامنا فقط في زيادة عدد النساء اللاتي يلتحقن بالمهن الوظيفية ويسعون إلى النمو في وظائفهن، وإنما أيضاً في تعزيز الثقافة من الداخل التي تحافظ على النساء وتعرفنا على العوائق الحقيقية التي تقف في طريقهن.
عادة ما نشهد اضطرار النساء، خصوصاً اللاتي لا يزلن في المراحل الأولى والمتوسطة من الوظيفة، إلى ترك العمل وذلك بشكل كبير بسبب أعباء المسؤوليات الشخصية والمنزلية التي غالباً ما تقع على عاتق النساء بشكلٍ غير متكافئ مع الرجال. وبالتالي، تفقد الشركات كفاءات نسائية ذات إمكانات عالية كانت قد استثمرت فيهن بشكل كبير. وللأسف؛ فإن هذا الاتجاه قد تسارعت وتيرته خلال فترة الجائحة.
لقد حان وقت التركيز على الداخل، والتدقيق فيما إذا كانت الأقوال تقترن بالأفعال من ناحية الجهود التي بُذلت بشكل مناسب لدعم التنوع والاحتواء والمساواة بين الجنسين ضمن مؤسساتنا. وتتجسد الطريقة الوحيدة التي ستتيح لنا إيجاد حلول مجدية ودائمة في أن نتحمل المسؤولية تجاه هذا الأمر.
أعتقد أننا أمام لحظة فريدة لاستقطاب الكفاءات الجديدة والمتنوعة، ولإعادة النظر في هياكل اليد العاملة التي لم تعد منطقية بعد الآن، وربما لم تكن كذلك من الأساس. إن سهولة العمل من المنزل التي اعتدنا عليها خلال العام الماضي، قد أظهرت لنا أن العقبات المادية للموقع والتي حدّت من قدرة العديد من الشركات على توسيع نطاق البحث عن الكفاءات، يمكن إعادة النظر فيها الآن.
سوف يقودنا توسيع آفاقنا من حيث الموقع وإعادة النظر في مهارات وخصائص المتقدم الناجح، إلى إنشاء فِرق أكثر تأثيراً وفاعلية. وبينما ستلعب المهارات التقنية بشكل دائم دوراً مهماً في قدرة الشخص على أداء دور مالي، فإننا نشهد أهمية متزايدة لنمو المهارات الشاملة، مثل القدرة على إقامة التواصل وتطوير التفكير الجانبي، وعادة ما تتوفر هذه المهارات لدى المفكرين الاستراتيجيين والأكثر نجاحاً في المؤسسة.
تستطيع فرق العمل حل المشكلات بشكل أكثر كفاءة وفاعلية عندما تضم أشخاصاً من خلفيات مختلفة من حيث وجهات النظر والخبرات وطرق مواجهة المشكلات. ولا يظهر الدليل على ذلك فقط في طريقة عمل الفرق بشكل جماعي، وإنما أيضاً في النتائج التي تحققها هذه الفرق للعملاء. في الواقع، توصل تقييم قامت به شركة «ويليس تاورز واتسون» حول التنوع ونتائج الأداء، إلى نتيجة مفادها بأن استثمار الفرق التي تتصف بالتنوع يؤدي إلى الحصول على مردودات أفضل.
حالما تحصل على الكفاءات المناسبة، يصبح إنشاء بنية تحتية وأنظمة اجتماعية قوية ضمن الشركات لدعم التواصل الحقيقي وتعزيز النمو جزءاً مهماً من معادلة الحفاظ على هذه الكفاءات. يتجسد أحد أكبر التحديات في العالم الافتراضي في غياب اللحظات العفوية وغير المخطط لها والتي تساعد فعلاً الموظفين الشباب، خصوصاً النساء منهم، على التواصل والنجاح في موقع العمل. وتقع على عاتق القادة مسؤولية إنشاء هذا التواصل المفقود بأساليب جديدة.
لقد شهدتُ شعوراً متجدداً بالالتزام بالاستثمار في الكفاءات بهذه الطريقة؛ سواء من الزملاء في قطاع الخدمات المالية، وفي «معهد المحللين الماليين المعتمدين». كما شهدنا في الشرق الأوسط تضمين التنوع والاحتواء بشكل أكثر عمقاً في الدول التي تتخذ خطوات قوية نحو المساواة بين الجنسين وتمكين النساء. فعندما تتوفر لدينا الرغبة في الاستفادة من هذه الفرص الفريدة للتواصل، فسوف تجني مؤسساتنا الفوائد المرجوة.