يعرف الجميع أن الحياة على كوكب الأرض اختل توازنها. ونعرف اليوم بالفعل أن السلوك البشري، ليس فقط ما يخص حرق الوقود الحفري، وإنما كذلك إنتاج الغذاء وتشرذم المناطق البرية وتدمير مناطق السكن الطبيعية للكائنات الحية الأخرى والارتفاع الشديد في أعداد السكان، من بين عناصر أخرى تسهم في تدمير الكوكب، عرّض كل شيء للخطر، من التنوع البيئي حتى الطقس الفعلي من حولنا. ومع ذلك، تجاهل الرأي العام في الجزء الأكبر منه تحذيرات العلماء والنشطاء البيئيين، حتى عندما نتكبد ثمناً فادحاً مقابل ذلك.
أقسى ما آلمني صورة مجموعة حيوانات منك في الدنمارك، كانت على وشك التعرض للذبح. في الصورة، ظهرت الحيوانات تطل برؤوسها من داخل أقفاصها بعيون يملؤها الفضول، بينما مالت أذانهم نحو الأمام، وتشبثت أيديهم بأسلاك أبواب الأقفاص، في الوقت الذي كانوا يتفحصون ما حولهم بأعينهم. الواضح أنهم كانوا يحاولون فهم ما يجري.
إنها قصة ذبح جماعي ومقابر جماعية تدمي القلب. وركزت موجة الانتقادات الحادة التي اشتعلت داخل الدنمارك، أكبر منتج في العالم لجلود المنك، في الجزء الأكبر منها على الأساس القانوني الضعيف الذي يقوم عليه قرار الحكومة، وعلى الخراب المالي الذي سيسببه لمزارعي الفرو. ومع ذلك، فإن التساؤل الحقيقي هنا؛ لماذا توجد مثل هذه المزارع من الأساس؟!
إن هذه الحيوانات الحيوانات يجري الإبقاء عليها داخل أقفاص حتى يجري قتلها وسلخها للحصول على جلودها لصالح صناعة الفرو»، وفي إطار ذلك، يحدث اتصال بين بعض الأشخاص وحيوانات المنك. ولذلك، فإنه لدى تواتر أنباء عن ظهور فيروس «كوفيد 19» داخل مزارع المنك ثارت حالة من الفزع العام، لا شك أنها كانت لتظهر لو أن متنزهات الكلاب تحولت إلى بؤر لنشر الفيروس هي الأخرى ذات يوم.
أما ما يجعل هذه الأنباء القادمة من أوروبا مثيرة للقلق على نحو خاص فهي أن فيروس «كوفيد 19» باستطاعته التحور في خضم قفزه بين البشر وحيوانات المنك ثم عودته من جديد إلى البشر. حتى هذه اللحظة، لم تتمكن هذه التحورات من جعل الفيروس أكثر قدرة على الانتقال أو أكثر احتمالاً للتسبب في عدوى أشد. ومع ذلك، فإنه نظراً لاحتمالية، على الأقل نظرياً، أن تتسبب مجموعة واحدة من التحورات في صورة واحدة من الفيروس في تقليص فعالية أي لقاح لـ«كوفيد 19»، اتخذ المسؤولون الدنماركيون قراراً استثنائياً بقتل جميع حيوانات المنك في البلاد، نحو 17 مليون حيوان.
ونعلم منذ عقود ما يحدث عندما نضع ضغوطاً على عاتق الحيوانات البرية من خلال حرمانها من مساكنها الطبيعية، والإخلال بالأنظمة الطبيعية التي تعيش فيها، وإبقائها داخل أقفاص أو خذلها بأي صورة أخرى. جدير بالذكر في هذا الصدد أن مرض نقص المناعة و«لايم» والطاعون الدملي والجمرة الخبيثة والإيبولا، جميعها كانت من بين كثير من مسببات الأمراض الحيوانية التي أصبحت اليوم تصيب البشر. ويعتبر وباء فيروس «كورونا» أحدث مثال على ما كانت تخبرنا به الطبيعة منذ أمد طويل.
وعادة ما تستفز المناقشات حول الحفاظ على البيئة الأشخاص الذين يهتمون بالعالم الطبيعي، في مواجهة الأشخاص الذين يقولون إن الطبيعة رائعة طالما أنها لا تتعارض مع خططهم لبناء مشروع جديد أو شراء هامبرغر رخيص أو قيادة سيارة دفع رباعي عملاقة أو الاستمتاع بأكل التوت على مدار السنة. باختصار طالما أن الطبيعة لا تزعجهم بأي شكل من الأشكال.
اليوم، تتكبد الأرض ثمن راحتنا. وعند إلقاء نظرة عامة، نجد أن العناوين الرئيسية في الأسابيع القليلة الماضية تضمنت تقارير عن اتفاقية باريس للمناخ، واستمرار تدهور أوضاع الشعاب المرجانية، وموسم أعاصير مدمر، والتلوث البلاستيكي الساحلي الذي يسببه الأميركيون، وقرار إدارة ترمب إزالة الذئاب الرمادية من قائمة الأنواع المحمية.
وكان من أخطائنا الاعتقاد بأن العالم الطبيعي ملكنا، وكذلك الإخفاق في فهم أننا أنفسنا جزء من العالم الطبيعي. إذا علّمنا هذا الوباء أي شيء فهو أننا لا نستطيع الهروب من العالم الذي شكلناه. يجب أن نبدأ الآن في جعل الحفاظ على التنوع البيولوجي أولوية نصب أعيننا، وكذلك جعل حماية موائل الحياة البرية، والعمل على ضمان العيش في انسجام أوثق مع جيراننا من الكائنات البرية. إن الحفاظ على أنفسنا في مأمن من مستقبل الأوبئة المتجددة باستمرار، سيعني إعادة صياغة الطريقة التي نفكر بها في العالم الطبيعي بالكامل.
في هذا السياق، كتبت عالمة الطبيعة البريطانية هيلين ماكدوناد في مجموعة جديدة من مقالاتها بعنوان «رحلات فيسبر» أنه «من غير المفترض أن تتولى الحيوانات تعليمنا، لكن هذا ما فعلته دوماً، والعجيب أن معظم ما تعلمنا إياه ما نعتبر أننا نعرفه بالفعل عن أنفسنا».
على امتداد فترة طويلة، ظن البشر أنهم منحوا الهيمنة على الأرض بأسرها. اليوم، تعلمنا حيوانات المنك المذبوحة في الدنمارك، وجميع المخلوقات التي تموت في خضم موجة الانقراض المتسارعة الراهنة التي تسبب فيها الإنسان، ما نحتاج إليه لإنقاذها وإنقاذ أنفسنا... يجب أن نغير أسلوب حياتنا.
- خدمة «نيويورك تايمز»
9:26 دقيقه
TT
درس للإنسانية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
