د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

«رجال الدين» في بيئة العمل

عندما يتحدث أشهر مدير في القرن العشرين الذي حصل على أكبر مكافأة نهاية خدمة في التاريخ الحديث (تجاوزت 400 مليون دولار)، فإن الأمر يستحق الإنصات بتجرد. يقول جاك ويلش الرئيس التنفيذي لشركة «جنرال إلكتريك» إن مسؤولي إدارة الموارد البشرية هم بمثابة «رجال الدين» في أي بيئة عمل خاصة أو عامة؛ لأنهم لا يقولون سوى ما تمليه عليهم النصوص وضميرهم المهني. ولا يحاول المهنيون منهم الدخول في منازعات مع العاملين، وعندما يعترضون فإنهم يقولون كلمة «لا» بلباقة وحجة يتقبلها الجميع، حتى ولو كان المخطئ أحد أقرب المقربين لهم.
وقد أبدى جاك إعجابه حينما اكتشف مدير الموارد البشرية عام 1989 رشوة بمصنع محركات الطائرات في «جنرال إلكتريك». ووقعت أزمة كبيرة بعدما قدم موظفون الرشوة لجنرال بالقوات الجوية، لتوقيع عقد بشراء محركات نفاثة. فاضطر المدير إلى تقديم توصيات بفصلهم ومعاقبتهم، مع أن منهم أصدقاءه، وفعل ذلك «بدبلوماسية وحزم» أعجب بها جاك ويلش.
شخصياً، أدرس أيضاً مادة HR في الجامعة، وعايشتها طويلاً في القطاعات التي عملت بها، ورأيت أن من أكثر الأقسام المظلومة في قطاعات عديدة هو قسم الموارد البشرية: «لأنه مهنة من لا مهنة له». غير أن المفترض أن هذا القسم هو من يمحص في اختيار الموظفين، ويتحرى دقة ما يزعمونه في سيرهم الذاتية، ويتواصل مع من عملوا معهم سابقاً. فكم من موظف صعقنا جميعاً بأنه غير سوي أو قلب موازين العمل، وأشعل نار الفتنة بين الناس. وكم من مدير تبين لنا أنه لا يستحق أن تمنحه حرية إدارة مزرعتك، ناهيك عن إدارتك أو مؤسسة بهذه الضخامة.
ولهذا، فإن «أفضل نماذج مسؤولي الموارد البشرية هم من يشبهون رجال الدين والآباء، من حيث أسلوب المعاملة»، بحسب جاك ويلش في كتابه «الفوز»؛ ذلك أن المفترض برجال الدين أنهم لا يرشون أحداً، ولا يمشون بالغيبة والنميمة، ولا يكشفون أسرار العاملين. وهم مثل الآباء، لا يضربون الأبناء بعضهم ببعض. وإذا نصحوا لم يثقلوا على مسامع المتلقي، ويقدمون حلولاً وسطاً. وإذا ما تعسف المدير بطرد موظف، فإنهم يحاولون إنهاء العقود بما لا يخل بكرامة الإنسان وحفظ حقوقه. ولديهم قرون استشعار لقرب حدوث مشكلة كبيرة بين الموظفين، فيهرعون لإطفاء نيرانها؛ بل من مصلحتهم تألق الجميع؛ لأن في ذلك رفعة لمؤسستهم. ولذلك غيرت شركات اسم «الموارد البشرية» إلى إدارة «رأس المال البشري» فالمميزون بحق هم رأس مال المؤسسة.
وهذا ما دفع جاك ويلش للقول بضرورة منح هذا القسم «سلطات واسعة ورئيسية». فهم لديهم مقدرة مهنية على حسن التعامل مع الآخر. وقد قيل في الحديث الشريف: «الدين المعاملة».