علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»

على خلفية انعقاد «قمة «مجموعة العشرين» في الأرجنتين

علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»
TT

علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»

علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»

قبيل منتصف الليلة الأولى من ديسمبر (كانون الأول) الحالي وقف قادة «مجموعة العشرين» يصفّقون بحماسة حول الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، الذي كان، إلى جانب زوجته جوليانا عواضة، يذرف دموع التأثر وهو يستمع إلى الهتافات المدّوية التي كان يطلقها الراقصون والراقصات على خشبة مسرح «كولومبوس» مرددين اسم الأرجنتين التي كانت تسدل الستار على قمّة الدول العشرين التي انعقدت طوال يومين في عاصمتها بوينس آيرس.
كان ذلك هو المشهد الأخير الذي حمله معهم قادة البلدان التي تضمّ ثلثي سكّان العالم وتنتج 85 في المائة من ثرواته وتتبادل ثلاثة أرباع تجارته. تلك الدموع التي ترقرقت بها مقلتا الرئيس الأرجنتيني، والتي دفعت بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى تقبيله، وبرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى معانقته بحرارة، وبالرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى «الاحتجاج» لأن العرض المسرحي قد انتهى مبكراً، يمكن أن تختصر ما عنته تلك القمّة من مطامح وإحباطات بالنسبة إلى الأرجنتين ولمعظم بلدان أميركا الجنوبية... هذه الدول التي تجهد منذ عقود - وتتعثّر باستمرار - لتفعيل مواردها وطاقاتها وترسيخ الدور الذي يتماشى مع هذه الطاقات والموارد على الساحة الدولية.

«قمّة العشرين»، التي هي بمثابة مجلس لإدارة الكثير من الشؤون العالمية، سلّطت الضوء على التباين بين مواقف الدول الكبرى بشأن عدد من الملفّات الاقتصادية الأساسية، وبخاصة بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، لكنها أكّدت جدواها كمنتدى للحوار وتنفيس الأزمات.
لم تخرج القمة التي استضافتها العاصمة الأرجنتينية بنتائج باهرة، لكن أحداً لم يكن يتوقّع لها ذلك في مثل هذه الظروف الاقتصادية والجيوسياسية التي يمرّ بها العالم. فالدول الكبرى، كما يستدّل من التاريخ القريب والبعيد، لن تبدّي القضايا الدولية على شواغلها الداخلية، ولن تقدّم تضحيات لتعزيز الاستقرار الدولي، ما لم تكن أمام مفترق اقتصادي بالغ الخطورة، كما حصل عامي 2008 و2009 عندما اتخذت «قمة العشرين» في واشنطن ولندن مجموعة من القرارات والإجراءات الجذرية لمنع انهيار النظام المالي العالمي واندلاع أزمة كساد كبرى ثانية.
بعد عشر سنوات على تلك الأزمة عاد قادة «مجموعة العشرين» للاجتماع في العاصمة الأرجنتينية وإن في ظروف مختلفة تماماً. ذلك أن المشهد الاقتصادي يواجه تحدّيات متزايدة، لكن ثمّة إجماعاً على أن هذه التحديات، من «بريكست» إلى الحرب التجارية، وارتفاع الدين العام، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتقلبات أسعار النفط، لن تمنع استمرار النموّ في العام المقبل... ولو بمعدلات متفاوتة.
التعاون الدولي، من جهته، ما زال يحاول استيعاب الانتكاسة التي نجمت عن انكفاء الولايات المتحدة والتكيّف مع ذلك. وليس سرّاً أن شعار «أميركا أولاً» الذي رفعه الرئيس دونالد ترمب وواجه انتقادات كثيرة، يلقى تجاوباً - ولو غير معلن - لدى بعض قادة «مجموعة العشرين» المرتاحين لهذا الخطاب الذي يلقى تجاوباً سهلاً وسريعاً على الصعيد الداخلي، ويتيح هامشاً عريضاً للتنصّل من بعض الالتزامات السابقة.

- تفاؤل حيال البيان الختامي
انطلاقاً من هذا السياق، يمكن القول إن البيان الختامي للقمّة يحمل على بعض التفاؤل. أولاً، لأن القمّة خرجت ببيان وافقت عليه كل الأطراف بعكس ما ذهبت إليه توقعات كثيرة. وثانياً، لأن أهميّة بيان يصدر بالإجماع ومن غير تحفظات، تكمن في أنه يشكّل تشخيصاً مشتركاً لمجموعة من التحديات الاقتصادية العالمية، مثل مستقبل العمالة وضرورة تعزيز الاستثمار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في عام 2030، وبخاصة في مجالات الصحة والبنى التحتية والتعليم والعناية بالأطفال، ومكافحة الفساد والتصدّي لمشكلتي الهجرة واللاجئين.
ومن النتائج الواعدة لهذه القمة التي يعلّق عليها مراقبون آمالاً كبيرة، الاتفاق حول ضرورة إصلاح منظمة التجارة العالمية للحؤول دون نشوب حرب تجارية مفتوحة في الأمد الطويل يستحيل التكهّن بعواقبها. لكن هذه الخطوة دونها عقبات عدة، أبرزها الخلاف المستحكم حالياً بين الصين والولايات المتحدة والذي يجهد الاتحاد الأوروبي للتوسّط من أجل تسويته عبر فتح قنوات للحوار بين الطرفين. ويبدو أن الوساطة الأوروبية قد عقدت أولى ثمارها في بوينس آيرس، حيث عقد لقاء ثنائي بين الرئيسين الأميركي والصيني أدّى إلى إعلان هدنة مؤقتة بين العملاقين؛ إذ قبلت الولايات المتحدة بتأجيل تطبيق ضرائب بنسبة 25 في المائة على عدد كبير من السلع الصينية لفترة ثلاثة أشهر، في حين أبدت بكّين استعدادها للتجاوب منعاً لخوض حرب تجارية مع واشنطن تسعـى إلى تحاشيها بكل الوسائل.
كثيرة كانت الآمال المعقودة على منتدى «قمة العشرين» في بداياته لتعزيز النظام المتعدد الأطراف لمواجهة التحديات العالمية الكبرى، لكن تطورات السنوات الأخيرة فرضت مقاربة أكثر واقعية وخفّضت منسوب التفاؤل، الذي وصل إلى مستوى الاكتفاء بانعقادها والتوافق حول الحد الأدنى من الخطوط العريضة واعتبار أن مجرّد انعقادها هو نجاح بحد ذاته. فاللقاء الذي كان منتظراً بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين نسفه الفصل الأخير على الجبهة الساخنة بين روسيا وأوكرانيا، والمباحثات الثنائية بين الزعيمين الصيني والأميركي لم تكن تطمح إلى أكثر من تهدئة مؤقتة تأجيلاً لصدام تخشاه الدول الأخرى أكثر مما تخشاه بكين وواشنطن، وبخاصة بعد أحداث الأيام الأخيرة في أعقاب إقدام كندا على اعتقال المديرة المالية لشركة «هواوي» الصينية، والتطورات التي أعقبت ذلك.

- اضطرابات فرنسا
ثم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حشد كل طاقاته ليتوَّج زعيماً للجبهة المناصرة للنظام المتعدد الأطراف، سرعان ما تبخّرت أحلامه عندما فاجأته أنباء الاضطرابات والاحتجاجات العنيفة في عقر داره. وحصل هذا بينما كان الاتحاد الأوروبي لا يزال منهمكاً في إخماد الحرائق المشتعلة على جبهات عدة، من «بريكست» إلى أزمة الموازنة الإيطالية وصعود الأحزاب والقوى الشعبوية التي باتت تهزّ دعائمه من أساسها.
لكن، في أي حال، ورغم هذه الصورة القاتمة، يرى مراقبون أن القوى الاقتصادية الكبرى باتت تدرك أن مواطِن الضعف في النظام الرأسمالي تكمن في الرأسماليين، بحسب ما يؤكد راغوران راجان، الخبير الاقتصادي من جامعة شيكاغو، في كتابه «كيف ننقذ الرأسمالية من الرأسماليين» الذي تعتمده شركات عالمية كبرى ومؤسسات ومنظمات دولية متعددة الأطراف أساساً للكثير من مبادراتها وبرامجها الإنمائية. ويعتبر راجان، الذي شغل لسنوات منصب كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، أن السوق الحرة هي النظام الاقتصادي الأفضل والأكثر فاعلية لتحسين ظروف العيش في المجتمعات الحديثة، لكن شريطة أن تواكبه مجموعة من البرامج والإجراءات التي توفّر المساواة في الفرص بين المواطنين وتعطي الدولة دوراً وازناً في تحديد القواعد التي تضبط السوق وتوفير البنى التحتية والخدمات الأساسية.

- «ثلاثي» أميركا اللاتينية
الأرجنتين - الدولة المستضيفة -، ومعها الدول الأخرى الكبرى في أميركا اللاتينية، مثل البرازيل والمكسيك، تدرك أن العولمة الاقتصادية هي الملعب الوحيد المتاح لتحقيق الأهداف الإنمائية التي تتماشى مع قدراتها ومواردها. وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها منذ أواخر العام الماضي، بذلت الأرجنتين جهداً استثنائياً لعقد القمة وتوفير كل الظروف الممكنة لإنجاحها، وإعطاء صورة عن دولة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى وجديرة بثقة النظام الدولي... الذي منحها أكبر قرض في تاريخ صندوق النقد لإنقاذ نظامها المالي من انهيار كان محتوماً.
لكن قصة المتاعب المالية الأرجنتينية باتت مسلسلاً من الأزمات والمفاجآت التي تحتل موقعاً بارزاً في السجل الاقتصادي العالمي، ومصدراً للعِبَر التي يستخلصها الخبراء حول الوصفات والخطط التي ينبغي تحاشيها. والقرض الذي حصلت عليه الأرجنتين لإنقاذ نظامها المالي من الانهيار، الذي بلغت قيمته 50 مليار دولار أميركي، سيعيد البلاد إلى نقطة الصفر من حيث أعباء الديون المترتّبة عليها والتي كانت التضحيات الكبيرة التي بذلت لسدادها السبب الأساسي في تدهور الأوضاع الاجتماعية. إذ أصبح 30 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وبات مؤشر التنمية البشرية فيها يقترب من مؤشر البلدان الأفريقية، بعد أن كان في مستوى البلدان الأوروبية التي كان بعضها مديوناً للأرجنتين مطالع القرن الماضي.
ويشكّك البعض في أن هذه المساعدة الضخمة التي حصلت عليها الأرجنتين من صندوق النقد الدولي ستُخرجها من محنتها الاقتصادية بعدما فقدت عملتها نصف قيمتها منذ بداية العام الحالي، وسجّلت أسعار الفائدة على الودائع بالعملة الوطنية رقماً قياسياً عالمياً، بينما بلغت نسبة التضخّم المرتبة الخامسة في العالم. واليوم، يخشى المشكّكون أن تركّز الحكومة الأرجنتينية جهودها وإجراءاتها الاقتصادية، بعد التدابير التقشفيّة الأولى التي فرضتها شروط القرض من صندوق النقد الدولي، على الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية في العام المقبل، حين يرجّح أن تميل إلى اتخاذ إجراءات تخفف الاحتقان الشديد الذي يسود الأوساط النقابية والاجتماعية، عوضاً عن مواصلة الإصلاحات الهيكلية اللازمة لإعادة الاقتصاد إلى مسار النمو وإرساء النظام المالي على قواعد متينة تحول دون تعرّضه للاهتزاز أو الانهيار عند ظهور أزمة جديدة.

- مغامرة برازيلية خطيرة
في الحقيقة، كل أميركا اللاتينية تحبس أنفاسها أيضاً أمام الفصل الجديد في مسار البرازيل، العملاق الآخر الذي يفتح صفحة سياسية غير مسبوقة في تاريخه بعد سنوات ترنّح فيها من النمو الاقتصادي الواعد إلى فترة مديدة من الركود وتداعي المؤسسات العامة بفعل الفساد والسياسات الخاطئة.
بعد أيام يتسلّم العسكري السابق جاير بولسونارو مهامه رئيساً جديداً تنذر ولايته بتحولات جذرية في سياسة البرازيل الاقتصادية، وعلاقاتها مع دول الجوار، ودورها على الساحة الدولية. وتدل المؤشرات الأولى على أن الشعبوية المتطرفة التي أظهرها بولسونارو في حملته الانتخابية الصاخبة، لن تقابلها شعبوية في سياسته الاقتصادية التي أوكلها إلى أحد التلامذة البارزين من مدرسة شيكاغو الليبرالية. لكن ثمّة خشية كبيرة من أن تكون البرازيل على موعد قريب مع موسم جديد من الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات العمالية عندما تعلن الحكومة الجديدة عن برنامجها الاقتصادي الذي يرجّح أن يلغي برامج المساعدات للطبقات الفقيرة ويفرض مزيداً من التضحيات على الطبقة المتوسطة. وتزداد الخشية في ضوء المواقف التي أعلنها بولسونارو سابقاً حول ميله إلى إطلاق يد قوى الأمن والشرطة لمواجهة العنف والفوضى، وحنينه المتكرر المعلن إلى زمن الديكتاتورية العسكرية.
مصدر آخر للمخاوف من التصعيد في المشهد السياسي البرازيلي هو وزير العدل الجديد القاضي سيرجيو مورو، الذي كان وراء محاكمة الرئيس الأسبق لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» - الخصم اللدود لبولسونارو - وزجّه في السجن ثم منعه من الترشّح للانتخابات الرئاسية. ويتوقّع مراقبون أن يصبّ مورو اهتمامه في مرحلة أولى على ملاحقة رموز وقادة حزب العمّال بتهم الفساد وسوء الإدارة من وحي الشعار الذي أطلقه المرشح بولسونارو في حملته الانتخابية عندما قال: إن «حزب العمّال سرطان لا بد من استئصاله».

- المكسيك... عكس التيار
المكسيك تفتح أيضاً صفحة سياسية جديدة، فيها من المجهول أكثر ما فيها من اليقين مع مانويل لوبيز أوبرادور اليساري الشعبوي الذي حملته إلى الرئاسة أغلبية شعبية كبيرة على متن برنامج حافل بالعناوين الكبرى والوعود الصعبة.
لن يكون من السهل على الرئيس الجديد أن يشقّ طريقه نحو تنفيذ ما وعد به من تغيير جذري وإصلاحات واسعة في ظل الموروث الثقيل من الفساد والعنف وتراجع الأداء الاقتصادي والوهن الذي تعاني منه مؤسسات الدولة. يضاف إلى ذلك، أن الرياح الجديدة التي تهبّ من الولايات المتحدة، «جارته» الشمالية الكبيرة، ستزيد من همومه ومشاغله والمفاجآت، رغم تجاوز عقبة كبيرة في الأيام الأخيرة عند التوقيع على المعاهدة التجارية الجديدة بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة على هامش اجتماعات قمة الأرجنتين في بوينس آيرس.

- «سكّري الديمقراطية»
أفاد التقرير السنوي الأخير الذي صدر عن معهد الدراسات الاستراتيجية في أميركا اللاتينية، بأن نسبة المواطنين الذين ليسوا راضين عن النظام الديمقراطي في البلدان الأميركية اللاتينية قد ارتفعت من 51 في المائة في العام الماضي إلى 71 في المائة هذا العام، في حين تراجعت نسبة الراضين من 44 في المائة إلى 24 في المائة؛ ما يفسّر «الانقلابات» الانتخابية التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة.
ويصف التقرير هذه الحالة بأنها بمثابة «سكّري الديمقراطية»، نسبة إلى مرض السكّري الذي لا تظهر عوارضه عندما يكون في طور النموّ، ولا يؤدي سريعاً إلى الوفاة، لكن يكاد يستحيل الشفاء منه بعد ظهوره. ويعزو التقرير أسباب ذلك إلى تراجع مستوى التنمية واستشراء الفساد وانعدام الثقة بالمؤسسات العامة وندرة القيادات التي تتمتع بالسلوك الديمقراطي والكفاءات اللازمة.

- إطلالة «الأرجنتينية الأولى»... وبذخها
أولت وسائل الإعلام في الأرجنتين وأميركا اللاتينية اهتماماً بالدور البارز الذي لعبته جوليانا عواضة، قرينة الرئيس الأرجنتيني، المتحدرة من أصل لبناني، وبخاصة في البرنامج الاجتماعي للقمة ومرافقة نظيراتها من قرينات رؤساء الدول الأخرى. وتوقّفت صحف عدّة عند أناقتها اللافتة وجمالها الذي غطّى، وفق كثيرين، حتى على جاذبية ميلانيا ترمب «الأميركية الأولى» التي عادة ما تخطف الأضواء في مناسبات مماثلة. لكن، في المقابل، فإن وسائل إعلام أرجنتينية انتقدت البذخ الذي رافق تحركاتها وظهورها في مثل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة للبلاد، وأشارت إلى أن ثلث موازنة القمة التي كلّفت الخزانة العامة 112 مليون دولار ذهب لتغطية نفقات لقاءات عواضة وبرنامج زياراتها مع ضيوفها... والهدايا الرسميّة التي اختارتها بسخاء.

- التغلغل الصيني الصامت
حذّرت دراسة نشرها مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين، من سياسة «التغلغل الصامت» التي تتبعها الصين في أميركا اللاتينية منذ سنوات، والتي تختلف كليّاً عن سياسة تغلغلها في القارة الأفريقية على وقع تنفيذ مشروعات البنى التحتية والقروض الميسّرة والمساعدات المالية.
وتفيد الدراسة بأن بكين ركّزت في أميركا اللاتينية على الاستثمار في قطاعات مثل الإعلام ومؤسسات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والفني؛ بهدف الترويج لصورة إيجابية عن الصين، واستقطاب النخب المثقّفة تمهيداً لتغلغل اقتصادي أعمق وأوسع في قارة تزخر بالمواد الأولية التي هي في أمسّ الحاجة إليها، وتشكّل سوقاً استهلاكية واسعة ذات قدرة شرائية متنامية.
وتتحدث الدراسة عن برنامج كبير لزيارات يقوم بها مفكّرون وفنّانون من أميركا اللاتينية إلى الصين بدعوة من الحكومة الصينية، يحظون خلالها بمعاملة ترقى إلى معاملة كبار الزوار.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.