علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»

على خلفية انعقاد «قمة «مجموعة العشرين» في الأرجنتين

علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»
TT

علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»

علامات استفهام حول توجهات «ثلاثي أميركا اللاتينية العملاق»

قبيل منتصف الليلة الأولى من ديسمبر (كانون الأول) الحالي وقف قادة «مجموعة العشرين» يصفّقون بحماسة حول الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، الذي كان، إلى جانب زوجته جوليانا عواضة، يذرف دموع التأثر وهو يستمع إلى الهتافات المدّوية التي كان يطلقها الراقصون والراقصات على خشبة مسرح «كولومبوس» مرددين اسم الأرجنتين التي كانت تسدل الستار على قمّة الدول العشرين التي انعقدت طوال يومين في عاصمتها بوينس آيرس.
كان ذلك هو المشهد الأخير الذي حمله معهم قادة البلدان التي تضمّ ثلثي سكّان العالم وتنتج 85 في المائة من ثرواته وتتبادل ثلاثة أرباع تجارته. تلك الدموع التي ترقرقت بها مقلتا الرئيس الأرجنتيني، والتي دفعت بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى تقبيله، وبرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى معانقته بحرارة، وبالرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى «الاحتجاج» لأن العرض المسرحي قد انتهى مبكراً، يمكن أن تختصر ما عنته تلك القمّة من مطامح وإحباطات بالنسبة إلى الأرجنتين ولمعظم بلدان أميركا الجنوبية... هذه الدول التي تجهد منذ عقود - وتتعثّر باستمرار - لتفعيل مواردها وطاقاتها وترسيخ الدور الذي يتماشى مع هذه الطاقات والموارد على الساحة الدولية.

«قمّة العشرين»، التي هي بمثابة مجلس لإدارة الكثير من الشؤون العالمية، سلّطت الضوء على التباين بين مواقف الدول الكبرى بشأن عدد من الملفّات الاقتصادية الأساسية، وبخاصة بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، لكنها أكّدت جدواها كمنتدى للحوار وتنفيس الأزمات.
لم تخرج القمة التي استضافتها العاصمة الأرجنتينية بنتائج باهرة، لكن أحداً لم يكن يتوقّع لها ذلك في مثل هذه الظروف الاقتصادية والجيوسياسية التي يمرّ بها العالم. فالدول الكبرى، كما يستدّل من التاريخ القريب والبعيد، لن تبدّي القضايا الدولية على شواغلها الداخلية، ولن تقدّم تضحيات لتعزيز الاستقرار الدولي، ما لم تكن أمام مفترق اقتصادي بالغ الخطورة، كما حصل عامي 2008 و2009 عندما اتخذت «قمة العشرين» في واشنطن ولندن مجموعة من القرارات والإجراءات الجذرية لمنع انهيار النظام المالي العالمي واندلاع أزمة كساد كبرى ثانية.
بعد عشر سنوات على تلك الأزمة عاد قادة «مجموعة العشرين» للاجتماع في العاصمة الأرجنتينية وإن في ظروف مختلفة تماماً. ذلك أن المشهد الاقتصادي يواجه تحدّيات متزايدة، لكن ثمّة إجماعاً على أن هذه التحديات، من «بريكست» إلى الحرب التجارية، وارتفاع الدين العام، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتقلبات أسعار النفط، لن تمنع استمرار النموّ في العام المقبل... ولو بمعدلات متفاوتة.
التعاون الدولي، من جهته، ما زال يحاول استيعاب الانتكاسة التي نجمت عن انكفاء الولايات المتحدة والتكيّف مع ذلك. وليس سرّاً أن شعار «أميركا أولاً» الذي رفعه الرئيس دونالد ترمب وواجه انتقادات كثيرة، يلقى تجاوباً - ولو غير معلن - لدى بعض قادة «مجموعة العشرين» المرتاحين لهذا الخطاب الذي يلقى تجاوباً سهلاً وسريعاً على الصعيد الداخلي، ويتيح هامشاً عريضاً للتنصّل من بعض الالتزامات السابقة.

- تفاؤل حيال البيان الختامي
انطلاقاً من هذا السياق، يمكن القول إن البيان الختامي للقمّة يحمل على بعض التفاؤل. أولاً، لأن القمّة خرجت ببيان وافقت عليه كل الأطراف بعكس ما ذهبت إليه توقعات كثيرة. وثانياً، لأن أهميّة بيان يصدر بالإجماع ومن غير تحفظات، تكمن في أنه يشكّل تشخيصاً مشتركاً لمجموعة من التحديات الاقتصادية العالمية، مثل مستقبل العمالة وضرورة تعزيز الاستثمار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في عام 2030، وبخاصة في مجالات الصحة والبنى التحتية والتعليم والعناية بالأطفال، ومكافحة الفساد والتصدّي لمشكلتي الهجرة واللاجئين.
ومن النتائج الواعدة لهذه القمة التي يعلّق عليها مراقبون آمالاً كبيرة، الاتفاق حول ضرورة إصلاح منظمة التجارة العالمية للحؤول دون نشوب حرب تجارية مفتوحة في الأمد الطويل يستحيل التكهّن بعواقبها. لكن هذه الخطوة دونها عقبات عدة، أبرزها الخلاف المستحكم حالياً بين الصين والولايات المتحدة والذي يجهد الاتحاد الأوروبي للتوسّط من أجل تسويته عبر فتح قنوات للحوار بين الطرفين. ويبدو أن الوساطة الأوروبية قد عقدت أولى ثمارها في بوينس آيرس، حيث عقد لقاء ثنائي بين الرئيسين الأميركي والصيني أدّى إلى إعلان هدنة مؤقتة بين العملاقين؛ إذ قبلت الولايات المتحدة بتأجيل تطبيق ضرائب بنسبة 25 في المائة على عدد كبير من السلع الصينية لفترة ثلاثة أشهر، في حين أبدت بكّين استعدادها للتجاوب منعاً لخوض حرب تجارية مع واشنطن تسعـى إلى تحاشيها بكل الوسائل.
كثيرة كانت الآمال المعقودة على منتدى «قمة العشرين» في بداياته لتعزيز النظام المتعدد الأطراف لمواجهة التحديات العالمية الكبرى، لكن تطورات السنوات الأخيرة فرضت مقاربة أكثر واقعية وخفّضت منسوب التفاؤل، الذي وصل إلى مستوى الاكتفاء بانعقادها والتوافق حول الحد الأدنى من الخطوط العريضة واعتبار أن مجرّد انعقادها هو نجاح بحد ذاته. فاللقاء الذي كان منتظراً بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين نسفه الفصل الأخير على الجبهة الساخنة بين روسيا وأوكرانيا، والمباحثات الثنائية بين الزعيمين الصيني والأميركي لم تكن تطمح إلى أكثر من تهدئة مؤقتة تأجيلاً لصدام تخشاه الدول الأخرى أكثر مما تخشاه بكين وواشنطن، وبخاصة بعد أحداث الأيام الأخيرة في أعقاب إقدام كندا على اعتقال المديرة المالية لشركة «هواوي» الصينية، والتطورات التي أعقبت ذلك.

- اضطرابات فرنسا
ثم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حشد كل طاقاته ليتوَّج زعيماً للجبهة المناصرة للنظام المتعدد الأطراف، سرعان ما تبخّرت أحلامه عندما فاجأته أنباء الاضطرابات والاحتجاجات العنيفة في عقر داره. وحصل هذا بينما كان الاتحاد الأوروبي لا يزال منهمكاً في إخماد الحرائق المشتعلة على جبهات عدة، من «بريكست» إلى أزمة الموازنة الإيطالية وصعود الأحزاب والقوى الشعبوية التي باتت تهزّ دعائمه من أساسها.
لكن، في أي حال، ورغم هذه الصورة القاتمة، يرى مراقبون أن القوى الاقتصادية الكبرى باتت تدرك أن مواطِن الضعف في النظام الرأسمالي تكمن في الرأسماليين، بحسب ما يؤكد راغوران راجان، الخبير الاقتصادي من جامعة شيكاغو، في كتابه «كيف ننقذ الرأسمالية من الرأسماليين» الذي تعتمده شركات عالمية كبرى ومؤسسات ومنظمات دولية متعددة الأطراف أساساً للكثير من مبادراتها وبرامجها الإنمائية. ويعتبر راجان، الذي شغل لسنوات منصب كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، أن السوق الحرة هي النظام الاقتصادي الأفضل والأكثر فاعلية لتحسين ظروف العيش في المجتمعات الحديثة، لكن شريطة أن تواكبه مجموعة من البرامج والإجراءات التي توفّر المساواة في الفرص بين المواطنين وتعطي الدولة دوراً وازناً في تحديد القواعد التي تضبط السوق وتوفير البنى التحتية والخدمات الأساسية.

- «ثلاثي» أميركا اللاتينية
الأرجنتين - الدولة المستضيفة -، ومعها الدول الأخرى الكبرى في أميركا اللاتينية، مثل البرازيل والمكسيك، تدرك أن العولمة الاقتصادية هي الملعب الوحيد المتاح لتحقيق الأهداف الإنمائية التي تتماشى مع قدراتها ومواردها. وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها منذ أواخر العام الماضي، بذلت الأرجنتين جهداً استثنائياً لعقد القمة وتوفير كل الظروف الممكنة لإنجاحها، وإعطاء صورة عن دولة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى وجديرة بثقة النظام الدولي... الذي منحها أكبر قرض في تاريخ صندوق النقد لإنقاذ نظامها المالي من انهيار كان محتوماً.
لكن قصة المتاعب المالية الأرجنتينية باتت مسلسلاً من الأزمات والمفاجآت التي تحتل موقعاً بارزاً في السجل الاقتصادي العالمي، ومصدراً للعِبَر التي يستخلصها الخبراء حول الوصفات والخطط التي ينبغي تحاشيها. والقرض الذي حصلت عليه الأرجنتين لإنقاذ نظامها المالي من الانهيار، الذي بلغت قيمته 50 مليار دولار أميركي، سيعيد البلاد إلى نقطة الصفر من حيث أعباء الديون المترتّبة عليها والتي كانت التضحيات الكبيرة التي بذلت لسدادها السبب الأساسي في تدهور الأوضاع الاجتماعية. إذ أصبح 30 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وبات مؤشر التنمية البشرية فيها يقترب من مؤشر البلدان الأفريقية، بعد أن كان في مستوى البلدان الأوروبية التي كان بعضها مديوناً للأرجنتين مطالع القرن الماضي.
ويشكّك البعض في أن هذه المساعدة الضخمة التي حصلت عليها الأرجنتين من صندوق النقد الدولي ستُخرجها من محنتها الاقتصادية بعدما فقدت عملتها نصف قيمتها منذ بداية العام الحالي، وسجّلت أسعار الفائدة على الودائع بالعملة الوطنية رقماً قياسياً عالمياً، بينما بلغت نسبة التضخّم المرتبة الخامسة في العالم. واليوم، يخشى المشكّكون أن تركّز الحكومة الأرجنتينية جهودها وإجراءاتها الاقتصادية، بعد التدابير التقشفيّة الأولى التي فرضتها شروط القرض من صندوق النقد الدولي، على الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية في العام المقبل، حين يرجّح أن تميل إلى اتخاذ إجراءات تخفف الاحتقان الشديد الذي يسود الأوساط النقابية والاجتماعية، عوضاً عن مواصلة الإصلاحات الهيكلية اللازمة لإعادة الاقتصاد إلى مسار النمو وإرساء النظام المالي على قواعد متينة تحول دون تعرّضه للاهتزاز أو الانهيار عند ظهور أزمة جديدة.

- مغامرة برازيلية خطيرة
في الحقيقة، كل أميركا اللاتينية تحبس أنفاسها أيضاً أمام الفصل الجديد في مسار البرازيل، العملاق الآخر الذي يفتح صفحة سياسية غير مسبوقة في تاريخه بعد سنوات ترنّح فيها من النمو الاقتصادي الواعد إلى فترة مديدة من الركود وتداعي المؤسسات العامة بفعل الفساد والسياسات الخاطئة.
بعد أيام يتسلّم العسكري السابق جاير بولسونارو مهامه رئيساً جديداً تنذر ولايته بتحولات جذرية في سياسة البرازيل الاقتصادية، وعلاقاتها مع دول الجوار، ودورها على الساحة الدولية. وتدل المؤشرات الأولى على أن الشعبوية المتطرفة التي أظهرها بولسونارو في حملته الانتخابية الصاخبة، لن تقابلها شعبوية في سياسته الاقتصادية التي أوكلها إلى أحد التلامذة البارزين من مدرسة شيكاغو الليبرالية. لكن ثمّة خشية كبيرة من أن تكون البرازيل على موعد قريب مع موسم جديد من الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات العمالية عندما تعلن الحكومة الجديدة عن برنامجها الاقتصادي الذي يرجّح أن يلغي برامج المساعدات للطبقات الفقيرة ويفرض مزيداً من التضحيات على الطبقة المتوسطة. وتزداد الخشية في ضوء المواقف التي أعلنها بولسونارو سابقاً حول ميله إلى إطلاق يد قوى الأمن والشرطة لمواجهة العنف والفوضى، وحنينه المتكرر المعلن إلى زمن الديكتاتورية العسكرية.
مصدر آخر للمخاوف من التصعيد في المشهد السياسي البرازيلي هو وزير العدل الجديد القاضي سيرجيو مورو، الذي كان وراء محاكمة الرئيس الأسبق لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» - الخصم اللدود لبولسونارو - وزجّه في السجن ثم منعه من الترشّح للانتخابات الرئاسية. ويتوقّع مراقبون أن يصبّ مورو اهتمامه في مرحلة أولى على ملاحقة رموز وقادة حزب العمّال بتهم الفساد وسوء الإدارة من وحي الشعار الذي أطلقه المرشح بولسونارو في حملته الانتخابية عندما قال: إن «حزب العمّال سرطان لا بد من استئصاله».

- المكسيك... عكس التيار
المكسيك تفتح أيضاً صفحة سياسية جديدة، فيها من المجهول أكثر ما فيها من اليقين مع مانويل لوبيز أوبرادور اليساري الشعبوي الذي حملته إلى الرئاسة أغلبية شعبية كبيرة على متن برنامج حافل بالعناوين الكبرى والوعود الصعبة.
لن يكون من السهل على الرئيس الجديد أن يشقّ طريقه نحو تنفيذ ما وعد به من تغيير جذري وإصلاحات واسعة في ظل الموروث الثقيل من الفساد والعنف وتراجع الأداء الاقتصادي والوهن الذي تعاني منه مؤسسات الدولة. يضاف إلى ذلك، أن الرياح الجديدة التي تهبّ من الولايات المتحدة، «جارته» الشمالية الكبيرة، ستزيد من همومه ومشاغله والمفاجآت، رغم تجاوز عقبة كبيرة في الأيام الأخيرة عند التوقيع على المعاهدة التجارية الجديدة بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة على هامش اجتماعات قمة الأرجنتين في بوينس آيرس.

- «سكّري الديمقراطية»
أفاد التقرير السنوي الأخير الذي صدر عن معهد الدراسات الاستراتيجية في أميركا اللاتينية، بأن نسبة المواطنين الذين ليسوا راضين عن النظام الديمقراطي في البلدان الأميركية اللاتينية قد ارتفعت من 51 في المائة في العام الماضي إلى 71 في المائة هذا العام، في حين تراجعت نسبة الراضين من 44 في المائة إلى 24 في المائة؛ ما يفسّر «الانقلابات» الانتخابية التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة.
ويصف التقرير هذه الحالة بأنها بمثابة «سكّري الديمقراطية»، نسبة إلى مرض السكّري الذي لا تظهر عوارضه عندما يكون في طور النموّ، ولا يؤدي سريعاً إلى الوفاة، لكن يكاد يستحيل الشفاء منه بعد ظهوره. ويعزو التقرير أسباب ذلك إلى تراجع مستوى التنمية واستشراء الفساد وانعدام الثقة بالمؤسسات العامة وندرة القيادات التي تتمتع بالسلوك الديمقراطي والكفاءات اللازمة.

- إطلالة «الأرجنتينية الأولى»... وبذخها
أولت وسائل الإعلام في الأرجنتين وأميركا اللاتينية اهتماماً بالدور البارز الذي لعبته جوليانا عواضة، قرينة الرئيس الأرجنتيني، المتحدرة من أصل لبناني، وبخاصة في البرنامج الاجتماعي للقمة ومرافقة نظيراتها من قرينات رؤساء الدول الأخرى. وتوقّفت صحف عدّة عند أناقتها اللافتة وجمالها الذي غطّى، وفق كثيرين، حتى على جاذبية ميلانيا ترمب «الأميركية الأولى» التي عادة ما تخطف الأضواء في مناسبات مماثلة. لكن، في المقابل، فإن وسائل إعلام أرجنتينية انتقدت البذخ الذي رافق تحركاتها وظهورها في مثل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة للبلاد، وأشارت إلى أن ثلث موازنة القمة التي كلّفت الخزانة العامة 112 مليون دولار ذهب لتغطية نفقات لقاءات عواضة وبرنامج زياراتها مع ضيوفها... والهدايا الرسميّة التي اختارتها بسخاء.

- التغلغل الصيني الصامت
حذّرت دراسة نشرها مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين، من سياسة «التغلغل الصامت» التي تتبعها الصين في أميركا اللاتينية منذ سنوات، والتي تختلف كليّاً عن سياسة تغلغلها في القارة الأفريقية على وقع تنفيذ مشروعات البنى التحتية والقروض الميسّرة والمساعدات المالية.
وتفيد الدراسة بأن بكين ركّزت في أميركا اللاتينية على الاستثمار في قطاعات مثل الإعلام ومؤسسات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والفني؛ بهدف الترويج لصورة إيجابية عن الصين، واستقطاب النخب المثقّفة تمهيداً لتغلغل اقتصادي أعمق وأوسع في قارة تزخر بالمواد الأولية التي هي في أمسّ الحاجة إليها، وتشكّل سوقاً استهلاكية واسعة ذات قدرة شرائية متنامية.
وتتحدث الدراسة عن برنامج كبير لزيارات يقوم بها مفكّرون وفنّانون من أميركا اللاتينية إلى الصين بدعوة من الحكومة الصينية، يحظون خلالها بمعاملة ترقى إلى معاملة كبار الزوار.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.