لا تحيا التكنولوجيا

لا تحيا التكنولوجيا

الأربعاء - 16 ذو القعدة 1438 هـ - 09 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14134]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما
نحن في عالم جديد، ولا رجوع إلى الوراء.
أمامك حل واحد، إذا كنت توافق على ذلك: الاستسلام متعاملاً مع الواقع بشعور أنك إنسان عصري كامل.
أمامك حلان، إذا كنت لا توافق على ذلك: الانعزال، وبذلك تعترف بأنك لست أهلاً لهذا الواقع الجديد، أو أن تتعامل مع ضرورياته فقط، تاركاً الأمور الشخصية والاجتماعية على النحو الذي لا يؤثر في حياتك أو حياة أولادك.
هذا يعني الحد من التجاوب مع كل جهاز جديد تطلع به المؤسسات التي تريد أن تمد يدها إلى محفظتك كل شهرين أو ثلاثة، بحجة تطوير الهاتف أو الكومبيوتر، وإضافة شيء هنا وشيء هناك. يعني كذلك الحد من دفع أولادك إلى هذا العالم الخيالي الخطر، الذي سيمتص من أدمغتهم قدرات وُلدوا بها، مثل الذكاء والبداهة والإدراك المستقل، ومثل الاعتماد على المخيلة الخصبة الطبيعية، وليس على تلك المغشوشة بمواد خادعة.
حين كنا صغاراً، كان الخيال يأتينا بوفرة من المطالعة، ومن مشاهدة الأفلام. كلاهما وفّر الثقافة والترفيه. كان لدينا الوقت لأن نستمتع بالوقت، عوض هدره. أعصابنا كانت مرتاحة. ألعاب الصغار كانت لتقوية قدراتهم، وليس للنيل منها.
هذا الأسبوع، وجدت أنني لا أصرخ وحيداً في هذا المجال، ولو أن صرخة الآخرين أكثر اتساعاً وشمولية. ثلاثة مقالات معادية لما يدور في عالم التكنولوجيا ومؤسساتها نشرت في ثلاث صحف ومجلات غربية:
• «ذا نيويورك تايمز» نشرت مقالاً بعنوان «متى ستنفجر الفقاعة التكنولوجية؟»، ملاحظة أن كل ما يحدث هو لصالح المؤسسات، أكثر منه لصالح البشر، وأن «آبل» ستصبح أول شركة تجارية تريليونية (أي رأسمالها بتريليونات الدولارات).
• مجلة «Wired» تكشف عن أن خطة «غوغل» المقبلة هي أن تكتب لك رسائلك الإلكترونية في المستقبل، أمر قد يبتسم له البعض لأنه سيعفيه من مهمّة يعتبرها متعبة، لكن المعنى الوحيد لذلك هي أنها ستدخل معقلاً شخصياً آخر خاصاً بك.
• مجلة «بزنس إنسايدر» عنونت موضوعها «أمازون هو وولمارت الجديد: العملاق التجاري الإلكتروني يصبح رمزاً متزايداً لكل شيء خطأ في عالمنا». أعتقد أن العنوان الطويل يفي بالمقصود.
مع خروج فيلم «Dunkirk»، الذي حققه المخرج البريطاني كريستوفر نولان على نحو ملحمي راقٍ وكلاسيكي، أبت بعض صالات السينما في العالم العربي إلا أن تعرضه بالمجسّمات الصناعية: 4D و3D، وبتقنية الكراسي الهزازة التي توحي لك بأنك تعيش في موقع الحرب. لماذا؟ لكي تعيش الفيلم؟ هذا لن يحدث. ستعيشه أكثر، إذا ما جلست بهدوء، وشاهدته بالبعدين العاديين، وتركت نفسك لحرية السباحة في فضائه. أنت لا تحتاج لأن تتوهم أن القنبلة (والفيلم من النوع الحربي) ستحط في حضنك؛ أنت بحاجة إلى أن تراها تحط في حضن الفيلم.
إنها مؤامرة على الخيال، بقدر ما هي مؤامرة على الفن.
الواحد منا يحتاج إلى الوسطية في كل شؤون الحياة، يحتاج لأن يرسم حدوده في مواجهة هذا الغزو الذي ينهل من الإنسان الوقت والذكاء والخيال والقدرات جميعاً. وعوض أن نشغف بكل جديد لمجرد البرهنة على أننا متيمون بالعصرنة، أو لأننا نخشى أن نوصم بالجهل، لم لا نختار فعلياً ما نريد، ومتى نريده، وليذهب الباقي إلى الجحيم؟!

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
09/08/2017 - 04:37

انها سرطان العقول ان جازت التسمية تلكم (التكنلوجيا ) بدأت بالسيارة والطيارة وانتهت ما انتهت اليه الان وكنا قبل اختراع السيارة نادرا ما تسمع فلان اصيب بداء السكرى او الضغط واو السمنة ثم جاءت البتقنية الحديثة فاصابات الانسان بالتبلد وعقدت اللسان والفست اصحاب المكتبات حيث اصبحوا يديرون ماكينات التصوير وبيع الاوراق والكراسات وانتهت بلاغة اللسان وانخفض عدد الشعراء فى العالم وانتهى الغزل بين الانسان والطبيعة واصبح التصوير هو سيد الموقف لاوصف ولابلاغة حتى الفتاوى الدينية لن تلتقى مع الشيخ او العالم لتنال منه مزيد من الفقه ما عليك الا ان تدخل فى الشبكة وتأتيك الفتوى انها كارثة رحم الله المتنبى وكل شعراءنا

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
09/08/2017 - 14:15

شكرا للأستاذ الرائع محمد رضا على هذه المعلومات القيمة حول ثورات التقنية السريعة يوم بعد يوم ونتفق معه أن الواحد منا يحتاج إلى الوسطية في كل شؤون الحياة، لان الوسطية هو الاتزان وهو أحسن الأمور وأفضلها وأنفعها للناس وأجملها، كما تعرّف على أنّها الاعتدال في كلّ أمور الحياة ومنهاجها وتصوراتها ومواقفها، فالوسطية موقفاً أخلاقياً وسلوكياً ومنهجاً فكريا راقياً يتفق إلى ابعد الحدود مع الفطرة الإنسانية .

ندى حمود
البلد: 
لبنان
09/08/2017 - 17:50

1) لا شك أن التكنولوجيا أعطتنا الكثير من التسهيلات لكنها في الوقت نفسه سرقت منا الكثير من النِّعَم والمتع التي كنا نعيشها فيما مضى؛ من منا يستطيع أن يتذكر أرقام أهله واخوته وأصدقائه بعد "ابتداع" وسائل الاتصال الحديثة؟ من منا ما زال يعيش فرحة الأعياد والزيارات المتبادلة بين الأهل والأقارب بعد أن أصبح الواحد منا يكتفي بمعايدة أحدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ صحيح أنها اختصرت الزمن والمسافات لكنها سرقت منا بهجة استلام رسالة بريدية بعد طول انتظار، وخطفت منا متعة المطالعة ونحن نقلب صفحات كتاب لأديب أو مفكر، حتى متعة الكتابة بالقلم تخطه اليد على الورق بات من الزمن الماضي الجميل، وبتنا نكتفي بوضع كلمة (Like) أو (Share) عندما نقرأ فكرة لأحدهم على إحدى هذه الوسائل بعد أن كنا في الماضي نجتمع ونتناقش فيها؛ حتى الأطفال سرقت منهم براءتهم...يتبع

ندى حمود
البلد: 
لبنان
09/08/2017 - 17:54

2) ومع كل هذه التكنولوجيا والتسهيلات والكثير من وسائل التسلية إلا أن الإنسان كان أكثر سعادة وأكثر استمتاعاً بالزمن من الوقت الراهن، هذا إذا لم يكن قد أدمن الوحدة والعزلة عن الناس. وعلى الصعيد الصحي فإن الاعتماد الكلي على الوسائل التكنولوجية المتطورة يؤدي إلى الكسل وقلة النشاط، والإصابة بمشاكل في العينين والظهر والرقبة، ناهيك عن عدم النوم الصحي بسبب انبعاث الأشعة من الأجهزة الكهربائية في غرف النوم، كما أن استخدام الأجهزة الذكية قبل النوم له تأثير سلبي على الدماغ والقدرة على النوم؛ فضلاً عن ابتعاد المرء عن القراءة التي تغذي عقله بالمعلومات وتعمل على "تشغيل" خياله نظراً لاستسهال الحصول على المعلومات بعد أن تسلل الانترنت الى المنازل. القائمة تطول وتطول وتحتاج إلى صفحات لإبراز مساوئ هذه التكنولوجيا المقيتة.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة