الأزمات السياسية وارتفاع الأسعار

الأزمات السياسية وارتفاع الأسعار

الاثنين - 23 شوال 1438 هـ - 17 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14111]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
يرتبط العائد من الاستثمار ارتباطاً وثيقاً بمعدل المخاطرة، فكلما زادت المخاطرة في أي استثمار، زاد العائد المتوقع منه، وفي الأحوال الطبيعية، يتطلع السواد الأعظم من التجار إلى استثمارات آمنة حتى وإن كانت قليلة العوائد، مؤمنين بنظرية القليل المستمر، إلا أن هذا القليل قد لا يرضى البعض الآخر من المستثمرين. لذلك فهم يلجأون إلى استثمارات ذات معدل خطر عالٍ للبحث عن عوائد أعلى. وتتعدد العوامل المسبّبة لارتفاع معدل الخطر، فمنها مثلاً، المتاجرة بالممنوعات المعرضة للمصادرة في أي وقت، أو تجارة المواد ذات الطلب المتقلب أو غير المتوقع. وتعد الحالة السياسية والاقتصادية للبلدان من أكثر العوامل تأثيراً على معدل الخطر في الاستثمار، فالدول المستقرة سياسياً واقتصادياً تحمل معدل خطر منخفض، فيما قد يرتفع هذا المعدل أضعافاً حين الاضطرابات السياسية والاقتصادية. لذلك فالمتوقع من عائدات الاستثمار، والأسعار بالتبعية، الارتفاع في حال الأزمات السياسية أو الحروب، بسبب زيادة معدل الخطر، ومن هنا تبرز نوعية من التجار ممن يستفيدون وينتفعون من هذه الأزمات.
ربط الأسعار والعوائد من الاستثمار بالحالة السياسية ليس غريباً على الاقتصاديين، بل قد سبق ربط مستوى الديمقراطية أيضاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية في بعض الأبحاث العلمية. والخلاصة أن الاستقرار السياسي عامة، يؤدي إلى أسعار معتدلة، وارتفاع صحي تدريجي في الأسعار. ومع وجود الأزمات، تتعرض الدول إلى عوامل عدة قد تتسبب في زيادة الأسعار، وقد يكون بعض منها منطقياً بحكم الحالة السياسية، ويعود الجزء الآخر إلى استغلال بعض المستثمرين للحالة الراهنة لزيادة أرباحهم، مستغلين انشغال الحكومات بحل الأزمة السياسية. من العوامل المسببة في ارتفاع الأسعار هي حالة الذعر التي قد تدب بين الناس في حال الأزمات السياسية العنيفة. وترتبط هذه الأزمات في أذهان الناس بالجوع ونقص المواد الغذائية، ولذلك، يتهافت الناس حيناً إلى متاجر المواد الغذائية ليشتروا ما هم بحاجة إليه وما هم ليسوا بحاجة إليه. هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب، قد يدفع التجار حينها لزيادة الأسعار؛ مبررين بزيادة الطلب على العرض، والواقع أن تكلفة هذه المواد لم تختلف بزيادة الطلب. وهنا تلعب الرقابة الحكومية دوراً مهماً، فالإغفال عن التجار سيسبب ارتفاع الأسعار من دون شك.
ومما قد يسبب ارتفاع الأسعار أثناء هذه الأزمات، إحجام كثير من المستثمرين عن دخول الأسواق المضطربة سياسياً، بسبب ارتفاع معدل الخطر، هذا الإحجام يقلل من المنافسة التجارية ويسهّل على التجار رفعُ أسعارِهم. كما أن إدراك المستثمرين بحاجة الحكومة إليهم، قد تدفعهم إلى استغلال الوضع، ومطالبة الحكومة باستمرار رفع الأسعار. وهنا يبرز الدور الحكومي في احتواء ارتفاع الأسعار، وذلك إما عن طريق فرض رقابة دائمة على التجار، أو بدعم البضائع عن طريق دفع الفارق بين أسعار ما قبل الأزمة وما بعدها. والأهم من ذلك كله الإعلان عن الاحتواء الحكومي لارتفاع الأسعار، فمن دون هذا التوضيح، سيستمر الطلب المرتفع في السوق بهدف التخزين، وسيصعب كثيراً منع الارتفاع المستمر للأسعار.
وتتعدد الأمثلة على ارتباط الأزمات بارتفاع الأسعار على المستوى العالمي أو حتى على المستوى العربي، فبعد أحداث الربيع العربي وما صاحبه من تقلبات سياسية، زادت الأسعار في كثير من الدول العربية بسبب جشع التجار وانخفاض الرقابة الحكومية عليهم. ومؤخراً، تعد الحالة القطرية من الأمثلة الحية على تأثير الأزمات السياسية على أسعار البضائع والمواد الغذائية. فعلى الرغم من تعدد المصادر الإخبارية بين إثبات ونفي بارتفاع الأسعار، فإن كثيراً من الجهات الاقتصادية تؤكد أن ارتفاع الأسعار منذ بداية الأزمة، يساوي معدل الارتفاع السنوي. وعلى الرغم من تعهد الحكومة القطرية باستمرار توفر المواد الغذائية، فإن التقارير توضح زيادة في الأسعار. ومن المحتمل أن الحكومة قد تدخلت فعلاً لدعم البضائع، وآتى تدخلها نتائج سبّبت تقنين الارتفاع في الأسعار إلى حد معقول. وقد يكون هذا الارتفاع مبرراً بأي حال، خاصة أن الأغذية المستوردة عن طريق المنفذ البري المُوقَف، تشكل ما يقارب 40 في المائة من نسبة الأغذية المستوردة؛ فمن الطبيعي زيادة الأسعار لهذه المواد، خاصة أن تكلفة النقل للمواد البديلة أعلى بكثير. توافر المواد الغذائية قد يعني أن الحكومة القطرية فعلاً وفرت المواد الغذائية كما وعدت، إلا أن الفارق في تكلفة النقل وهو معدل الزيادة بالسعر، سيدفع ثمنه المستهلك لهذه المواد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة