الأزمة الكاشفة

الأزمة الكاشفة

السبت - 23 شهر رمضان 1438 هـ - 17 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14081]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.
قال أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، صاحب التجربة الطويلة في العلاقات الدولية والعارف بمواطن الأمور عربياً وخليجياً ودولياً: «أرجو ألا تتطور الأزمة لتصل إلى ما لا تحمد عقباه»، تلك عبارة هي صوت ضمير قطاع واسع من النخب في الخليج، بل ومن الرجال والنساء العاديين، أو ما اصطلح على تسميته «رجل الشارع» الذي يملك حساً تلقائياً بالشعور بالمخاطرة، ورغبة طبيعية في التكاتف والتواصل. ومهما بدا على السطح فيما بين البعض اليوم من شقاق، مع الأسف على ما أسميه منصات «وسائل التدمير الاجتماعي» بدلا من «الاتصال»! نتيجة فوران العواطف وقوة الصدمة، فإن العقلاء، وهم كثيرون، يرجون من صميم قلوبهم أن تصل الأمور إلى خواتيم سريعة وتوافقية جامعة وإيجابية.

في الأزمات قاعدة، هي أنها تظهر الحقائق جلية، كما أنها تكشف حقائق كانت متصورة وأصبحت ملموسة، ولم تكن ظاهرة للعيان، هذا يعجل من معالجتها أفضل من بقائها تحت السطح، والأزمة الخليجية ليست استثناء، ولكنها الأكبر والأشد وقعا. في الأزمة الكبرى في الخليج التي نشهد تطوراتها اليوم، يقف كثيرون من أبناء الخليج حيارى، يضعون أياديهم على قلوبهم، ويتمنون أن تُكشف الغمة على وجه السرعة، وبأكثر الوسائل سلمية وحضارية، من خلال حوار بناء بين الأطراف، يزيد من حصانة الإقليم وتجنيبه المزالق الخطرة؛ لأن الخسارة فادحة بل كارثية، إن سارت الأمور إلى «ما لا يحمد عقباه».

ولقد تبين في إطار تأجيج المشاعر، أن هناك متربصين لا تنقصهم الانتهازية، أو الجهل إن أحسنّا النية، يعملون لصب الزيت على النار، والظهور بمظهر الدفاع عن هذا الموقف أو ذاك، فرادى أو دولا، سعيا وراء تأكيد مضمر، أن أهل الخليج قاصرون عن حل خلافاتهم.

شخصياً أتمنى أن تسارع الوساطة الكويتية لوضع خطوات ملموسة للانفراج. لن يكون هناك رابح وخاسر، سيكون الرابح هو المجتمع الخليجي، الذي ظهر للجميع كم هو متداخل ومترابط ووشائجه أقوى من أن تكسر. كما سوف يكون الرابح هو الاستقرار والبعد عن البحر اللجي الذي غرقت فيه، أو كادت، شعوب ودول حولنا. لعل الخطوات العاجلة المرجو أن تتخذ هي عدم تدويل أو أقلمة الأزمة، وكلما كانت محصورة بين الأشقاء الذين لا فكاك من تعاونهم لمصلحة شعوبهم، كان ذلك أفضل.

أحزنني التصريح غير المتوازن للسيد رجب إردوغان، وهو مع الأسف معروف الآن بتصريحاته المتسرعة في كثير من الملفات، فتركيا تعاني داخلياً من انقسام ليس له سابقة، وقد شهدت عاصمتها العام الماضي في شهر يوليو (تموز) قيام بعض سلاح الجو التركي بقصف العاصمة، وكانت آخر مرة وجدت أنقرة فيها نفسها معرضة لهجوم عسكري في عام 1402، عندما هاجمها تيمورلنك! وهذا دليل من بين أدلة أخرى على الوضع القلق في بلاد السيد إردوغان، يحتاج إلى اهتمامه الأقصى وجهده، بدلا من توزيع النصائح أو حتى التهديدات، كما أن الأزمات التي تواجهها أنقرة ليست هينة أو يسيرة، فعدد من نخبها العسكرية في السجون، ومعهم عدد كبير من نخبها العلمية والتعليمية والإعلامية، كما تواجه أنقرة حرباً داخلية مع جزء من شعبها هم الأكراد، وتراجعاً اقتصادياً، فالسيد إردوغان يحكم بلداً منقسماً على نفسه، لا يحتاج إلى أن يتدخل بتصريحات مثل هذه في شأن داخلي خليجي، تحرص الأطراف أن تجد له مخرجاً توافقياً بعيداً عن التشنج.

الراقصون فرحا على وقع الأزمة كثيرون، جماعات وأفراد ودول، ليس كثير منهم حباً في هذا الطرف أو ذاك، بل رجاء في احتدام الموقف ودخول المنطقة، التي هي حتى الآن بعيدة عن نيران الاضطراب، إلى الغوص في الفوضى والشقاق. يريد هذا البعض أن يعمق فكرة عدم القدرة على إدارة الاستقرار والتحكم الناجح في المسؤولية العظمى الدولية المناطة بدول المنطقة، كمصدر دولي للطاقة ومنطقة حيوية بين شرق وغرب.

بعض الأطراف الدولية، حتى الآن نأت بنفسها عن التدخل السلبي النشط، بل إن كثيرا من التصريحات هي باتجاه الدعوة إلى التهدئة وتحكيم العقل والرجوع إلى مكان آمن، في حوار أخوي يحفظ للجميع قدرهم وقدراتهم، كما يحافظ على الأمن الجماعي. كان كثير منا يأمل في أن يتطور مجلس التعاون إلى مؤسسة فاعلة أفضل مما هي عليه اليوم، ولو أنه حقق كثيرا من المنجزات، ولكن هذه الأزمة تدعونا إلى الحديث لإعادة هيكلة هذه المؤسسة الإقليمية، كي تصبح أكثر مؤسسية وفاعلية. فالقول الرائج إن الأزمات تخلق الفرص، ولعله من الأوفق أن تكون فرصة تطوير مجلس التعاون في المرحلة القادمة، هي واحدة من أولويات العمل الجماعي في المستقبل، وبناء قناة فاعلة للحوار الجاد والموضوعي والصريح لمناقشة الهواجس أو المخاوف التي يشعر بها أو يتصورها أي طرف من أطراف مجلس التعاون، دون تهويل ولا تهوين.

لقد كشفت الأزمة ضعف قنوات الحوار أو عدم فعاليتها والحاجة إلى بناء آلية، هذه الآلية المفتقدة، كانت في ذهن المرحوم الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت، الذي بذل، ومن خلال الأمير الحالي وكان وزيرا للخارجية الشيخ صباح الأحمد، جهدا مع الرجال الكبار (رحمهم الله) الملك فهد بن عبد العزيز، والشيخ زايد بن سلطان، وخليفة بن حمد، وعيسى بن سلمان، وأطال الله في عمر قابوس بن سعيد، الرجال الميامين الذين سعوا بكل تصميم إلى خلق هذه المؤسسة الإقليمية، ووقعوا على وثيقة مجلس التعاون في ذلك اليوم المشهود 25 من شهر مايو (أيار) عام 1981، في العاصمة أبوظبي. كانت تلك الآلية في ذهن جابر الأحمد (محكمة لحل المنازعات)، وقتها لم تكن الظروف قد نضجت لمثل هذه الأفكار، ولكن استقر الرأي في وثائق المجلس، على أن يكون هناك «هيئة فض المنازعات» التي يتوجب لتفعيلها رضا أطراف الاختلاف. ومع وجودها على الورق لم تُفعّل، إلا أن المستقبل قد يحتاج إلى إعادة التفكير في مثل هذا الاقتراح، والاقتراحات الأخرى المساعدة على تطوير العمل الجماعي وتجويد وسائل الاتصال البيني، وعدم ترك الأمور للتفاقم المَرَضي الذي يستنزف الطاقات ويهدر الموارد.

عندما قام مجلس التعاون، كتب السيد محمد أبو الخيل، وزير المالية السعودي وقتها، مقالا في مجلة «العربي» المعروفة، يشير فيه إلى أن التعاون الإقليمي يتطلب شيئا من التنازل عن الفهم المتصلب لما يعرف بـ«السيادة الوطنية»، كما تطورت في الدولة البرجوازية الغربية. وقد كتب أيضا السيد عبد الله بشارة، أول أمين عام لمجلس التعاون، التعبير الشهير، أنه لا بد من التفكير في نزع القدسية عن المفهوم التقليدي (السيادة الوطنية) والالتزام الصارم بما يوقع من تعهدات. وقد كان الاثنان محقين، فقد خرجت وقتها أصوات تُهول من السلبيات والتخوف من الاتجاه إلى إنشاء المجلس، بسبب أجندة ما، أو جهلا بالمصالح الكبرى التي يمكن أن تتحقق. المؤسسون (رحمهم الله) كانوا على وعي عميق بالمخاطر، وعلى فهم واضح بالالتزامات التي ما زال العالم يتوقع أن يحافظ الجميع عليها من أجل استقرار المنطقة؛ ليست لأنها في غاية الأهمية لقاطنيها فقط، بل والعالم، حيث إنها مصدر للطاقة، وممر للتجارة، ومثال للاستقرار. إنها مسؤولية ضخمة كشفت الأزمة مدى خطورتها.

آخر الكلام: لا بد من التذكير من جديد بالحكمة  الإنسانية: الكل أكبر من مجموع الأجزاء!

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/06/2017 - 00:12

السبب ارئيسي لكل تلك الإشكالات بين أعضاء المجلس هي صورتة النمطية المنعكسة في العقل الباطن للقيادات والمواطنين أيضاً والتي تظهر المجلس وكأنه عبارة عن دول صغيرة مظلوب منها أن تدور في الفلك السعودي وتأتمر بأمرها وتنتهي بنهيها، تلك الفكرة تحديداً هي ما تجعل التباينات تظهر بين دول المحلس بين حين وآخر.

سعيد بن عبيد الكندي
البلد: 
دولة الإمارات العربية المتحدة
17/06/2017 - 05:31

أ.محمد:رمضان كريم وكل عام وسعاتكم بخير عساكم من عواده..
أتمنى وكثيرون غيري أن تتمكن الوساطة الكويتية وغيرها من الوساطات الشقيقة والصديقة من اقناع كافة الاطراف الخليجية للتوصل إلى حل ينهي الأزمة حلاً جذرياً وليس وقتياً.وعلى الشقيقة قطر أن تلتزم بتنفيذاً الاتفاق ووقف التصعيد واللجوء إلى التهدئة..الجميع يطالب قطر بالتواصل مع دولة الكويت والتمسك بالمبادرة الكويتية لحل الأزمة خليجياً..منعاً للتدخلات الخارجية التي تسعى جاهدة إلى تدمير المنطقة من خلال اشعال فتل الفتنة كذلك استمرار التعنت القطري ورفض التعامل بإيجابية مع وساطة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد يحفظه الله منذ البداية هذا ليس في صالح قطر وجيرانها إنما في صالح من اشعل فتيل الفتنة بين الأشقاء وهم كثر؟!دول الخيج تقع عليها مسؤوليات وأعباء كبيرة تجاه قضايا المنطقة واستمرار الخلافات لن-يتبع

سعيد بن عبيد الكندي
البلد: 
دولة الإمارات العربية المتحدة
17/06/2017 - 06:06

يمكنها من القيام بدور مشارك وفاعل في تسوية أزمات المنطقة بالاشتراك مع أشقانا العرب وستظل الحلول والتسويات لأزمات المنطقة(فقط)بيد الآخرين وهم روسيا إيران تركيا ودول الغرب وخصوصاً الأزمة السورية ولهذا وفي هذا التوقيت بالذات وعند اقتراب الحزم العسكري في سوريا نجد الكل يحشد قواته في سوريا؟! وتتفجر الأزمة بين دول الخليج مع قطر.كي يشغلونا بخلافاتنا؟!ونكون بعيدين عن اجتماعاتهم وتقاسمهم للكعكه السورية..وليس للحل السلمي للأزمة السورية وغيرها من أزمات المنطقة.نحن جميعاً ندرك تماما الدور القطري وبعض دول مجلس التعاون المخيبة لأمال وطموحات الإنسان الخليجي والعربي ونتمنى من قطر وغيرها أن يعوا أن مصلحتهم وأمنهم واستقرارهم جزء لا يتجزء من أمن واستقرار وأزدهار كافة دول المجلس والمثل يقول ما يحك ظهيري غير ظفيري.كذلك نحن في مجلس التعاون قطعنا مرحلة من -يتبع

سعيد بن عبيد الكندي
البلد: 
دولة الإمارات العربية المتحدة
17/06/2017 - 06:38

التطور والنضج السياسي والمعرفي ويجب علينا مؤسسات وافراد أن نحافظ على ما تم إنجازه من عمل خلال الفترة الماضية دول التعاون الله يحفظها ويحفظ قادتها وشعب التعاون جميعاً واجهة أزمات وتحديات كبيرة واستطاعة بفضل من الله وعزيمة وحكمة قاته أن تتجاوز هذه الأزمات وان تحقق الانتصارات وهي اليوم في المقدمة ولا نريد لها التراجع للوراء المنطقة تعيش على بركان والتقسيم على الأبواب؟.لذلك نحن وأشقائنا العرب المخلصين بحاجة إلى جهود ووجود ومشاركة كافة دول الخليج لجانب الأشقاء العرب والمجتمع الدولي بهدف محابة التطرف والإرهاب ومواجهة إيران وحلفائها لنتمكن من إيجاد حلول لقضايانا التي لا تعد ولا تحصى وفي حال استمر الخلاف الخليجي واستمر غيابنا فأن الجانب العربي سيكون ضعيفاً في مواجهة الدول الطامعة في خيرات وثروات المنطقة.رمضان شهر خير وعلى الجميع كسب أجره-تحياتي

سامي سعيد
17/06/2017 - 08:49

نجح مجلس التعاون في التعاون في مجالات، وحقق قدرا أقل من النجاح في أخرى، كما في المجالين السياسي والعسكري لارتباطهما الوثيق بمبدأ السيادة الوطنية الذي يستثير عَصب هذه الدول التي في مجملها حديثة عهد بمفهوم الدولة الحديثة. في الشق السياسي، تعمل الدول الأعضاء على تنسيق مواقفها من مختلف القضايا مع وجود فسحة واسعة للتلونات والتباينات بينها هنا وهناك. وتكون الفرصة أكبر لظهور التمايزات بين مواقف الدول الأعضاء وقت الأزمات وما أكثرها.

سامي سعيد
17/06/2017 - 08:51

ولعل من الصواب القول بأن المجلس بحاجة ماسة، كي يبقى متماسكا ومتطورا، إلى تطوير بناه السياسية على المستوى الفردي والجماعي، وتحديث أساليب ومنهجيات عمل مؤسساته السياسية، وتجديد دماء نخبه السياسية وأساليب تفكيرها وأدوات وآليات تعاطيها الشأن السياسي. فالمجلس وهو في هذا العمر، بحاجة إلى نقلة نوعية في الشقق السياسي تقوم على احترافية العمل السياسي ومهنيته لضمان انتظام عمل المجلس واستقراره.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر