ترمب ومهمة إعادة صياغة الشرق الأوسط

ترمب ومهمة إعادة صياغة الشرق الأوسط

الاثنين - 26 شعبان 1438 هـ - 22 مايو 2017 مـ رقم العدد [14055]

يتمثل واحد من الأهداف الرئيسية لدونالد ترمب منذ توليه الرئاسة في العمل على نحو ممنهج على إبطال سياسات سلفه. وعليه، ليس من المثير للدهشة أن تحمل زيارة ترمب إلى السعودية، الأولى له لبلد أجنبي، إشارة إلى تدشين نهج جديد يختلف عن السياسة الخارجية التي انتهجها باراك أوباما في الشرق الأوسط.
المثير أن هذا الأمر واعد ومثير للقلق في آن واحد. على الجانب الإيجابي، ثمة فرصة استثنائية أمام ترمب لإعادة صياغة شكل تعامل أميركا مع المنطقة، وذلك من خلال تناول مجموعة من المشكلات التي تتنوع ما بين علاقة إسرائيل بالدول العربية والراديكالية الإسلامية التي بدأت بالثورة الإيرانية عام 1979، وبلغت ذروتها مع إعلان خلافة «داعش» داخل العراق وسوريا.
إلا أنه في المقابل، يحمل هذا الأمر تداعيات سلبية ينبغي العمل على تفاديها، وبخاصة فيما يتعلق بكيفية تصدي أميركا للأطماع الإيرانية الإقليمية، والعودة إلى مسار تسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
ومن الواضح أنه من خلال اختياره الرياض والقدس أول محطتين له في رحلته الخارجية الأولى، يحاول ترمب إقصاء نفسه عن سياسة التقارب تجاه إيران التي انتهجها أوباما. على هذا الصعيد، اعتمدت حسابات الإدارة السابقة على بناء توازن في القوى بين القوى الإقليمية، تحديداً السعودية وإيران؛ بهدف تقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. إلا أنه بالنظر إلى الحروب المشتعلة في العراق وسوريا واليمن والتوترات المتصاعدة بين السعودية وإيران، يتضح أن استراتيجية أوباما فشلت.
على النقيض، نجد أن ترمب بداخله رغبة قوية للوقوف بصلابة إلى جانب الحلفاء التقليديين لأميركا، السعودية، وكذلك إسرائيل، وأعرب عن اعتقاده بأن إيران مصدر عدم الاستقرار في المنطقة. ويرى ترمب، عن حق، أن إيران استغلت الاتفاق النووي الذي أبرمته مع ست قوى كبرى عام 2015، غطاءً لتعزيز نفوذها بمختلف أرجاء المنطقة، وبخاصة من خلال استخدام عناصر لا تتبع دولاً مثل جماعة «حزب الله» في لبنان وسوريا، والحوثيين في اليمن وقوات «الحشد الشعبي» في العراق. ومن خلال ذلك، شنت إيران حرباً ضد دول عربية عبر تقديمها السلاح والتلقين الآيديولوجي والتدريب لميليشياتها بمختلف أرجاء المنطقة.
اليوم، يلقى ترمب حفاوة داخل الرياض لمنحه الأولوية لعلاقات أميركا الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، وسيجري الإشادة به بصفته شريكاً من جانب دول مسلمة معتدلة، مثل الأردن والإمارات العربية المتحدة، في خضم الحرب الدائرة ضد حركات راديكالية متطرفة مثل تنظيم داعش، وكذلك «حزب الله» في لبنان.
الواضح أن المتطرفين، الذين يشنون حرباً ضد دول مثل السعودية ومصر، لا يمكن هزيمتهم من دون عقد تحالف أوسع مع الدول العربية. من جانبهم، نجح السعوديون، على سبيل المثال، في درء هجمات عدة لتنظيم «القاعدة» ضد وطنهم، وساعدت في هجمات أميركية ضد «القاعدة» و«داعش». ومن المؤكد أن ترمب سيقر ذلك، ومن المنتظر أن يلقي خطاباً مهماً عن الإسلام والغرب، (ألقى الرئيس ترمب خطابا في القمة بالرياض أمس - المحرر).
في المقابل، من المحتمل أن تعلن السعودية عن استثمارات ضخمة في مشروعات للبنية التحتية داخل أميركا (ربما بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار)، بجانب شرائها أسلحة أميركية بقيمة 100 مليار دولار أو أكثر. وستجري صياغة هذه الصفقات في إطار جهود المملكة لتحقيق هدفين أساسيين: تنويع اقتصادها واستثماراتها، وتعزيز قدراتها العسكرية وقدرتها على حماية نفسها، بدلاً من وضع هذا العبء على كاهل الولايات المتحدة. وسيجري التركيز على الشراكة الاقتصادية والسياسية التاريخية بين البلدين. يذكر أن شعار القمة «العزم يجمعنا».
ومع ذلك، لن تدور الاجتماعات حول العلاقات الثنائية فحسب، وإنما ستتمثل قضية أخرى كبرى في الصراع العربي ـ الإسرائيلي القائم منذ 70 عاماً. لذا فالقدس ستكون المحطة التالية بعد الرياض في جولة ترمب.
وتكمن المخاطرة هنا في الأسلوب الذي يحاول ترمب من خلاله إعادة إطلاق مفاوضات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية. إذا ما حصل ترمب على تنازلات عربية. وهناك المبادرة العربية للسلام التي أعلنتها السعودية عام 2002.
وتلزم خريطة الطريق تلك إسرائيل بتقديم تنازلات كبيرة على المدى القصير إلى الفلسطينيين، وأخيراً دولة قابلة للبقاء. في المقابل، تنال إسرائيل الاعتراف الكامل وتطبيع العلاقات مع الدول العربية.
وكي ينجح ذلك، يجب على إسرائيل أن تعرض على الفلسطينيين أمراً ملموساً، مثل الوقف الدائم لجميع أعمال بناء مستوطنات في الضفة الغربية. إذا لم يحدث ذلك، سيصبح لدى إيران وبشار الأسد و«حزب الله» والحوثيين ـ الذين يزعمون أنفسهم محور الممانعة لإسرائيل والغرب ـ حجة قوية أمام العالم الإسلامي، ترى أن القوة السبيل الوحيد للتعامل مع إسرائيل.
وتكمن صعوبة أخرى في كيفية تعامل ترمب مع إيران، خصوصاً الآن بعدما أعاد الولايات المتحدة إلى جانب السعودية بقوة. يذكر أن مستشاره السابق للأمن الوطني، الجنرال مايكل فلين، سبق وأن أصدر «تنبيهاً» شهيراً لإيران لإجرائها اختباراً لصاروخ باليستي. إلا أن السؤال هنا: ما الذي يعنيه ذلك على أرض الواقع؟ من المتعذر تخيل إقدام واشنطن على توجيه ضربة عسكرية لطهران دون استفزاز إيراني واضح، مثل شن هجوم ضد إحدى سفن الأسطول الأميركي بالخليج العربي.
يذكر أن الإدارة الأميركية مددت، الأربعاء، تعليق العقوبات على إيران المرتبطة بالبرنامج النووي، بعدما أقرت بالتزام طهران ببنود الاتفاق. وعليه، فإنه من المهم تحديد أين وكيف ستجري ممارسة الضغوط على إيران.
ويمثل اليمن، النطاق الأمثل لبدء التصدي للنفوذ الإيراني. من جانبها، تضطلع طهران بوضوح بتقديم دعم وأسلحة للحوثيين، في محاولة لخلق قوة على غرار «حزب الله» لتهديد السعودية عبر الحدود. والرياض ماضية في حربها حتى تحبط المخططات الإيرانية.
على النقيض، نجد أن اليمن لا يمثل أصلاً استراتيجياً بالنسبة لإيران. وبالتالي يبدو من الممكن دفع النظام الإيراني نحو إدراك أن مغامرته داخل اليمن ستحمل ثمناً ليس بالهين، مثل إغراق أي من السفن التي تنقل أسلحة للحوثيين، بجانب فرض عقوبات جديدة. وربما يؤدي فتح حوار مع إيران حول اليمن، يشمل السعودية وحلفاءها، إلى إطلاق عملية للتخلص من التصعيد بمختلف أرجاء المنطقة.
وربما الأهم من ذلك، أنه سيكشف أنه من دون المشاركة النشطة لأميركا، ستبقى المنطقة بمثابة بركان مرشح للانفجار في أي لحظة، وأن أوباما كان مخطئاً في سياسته القائمة على النأي بأميركا عن التدخل في الشرق الأوسط. ولا شك أن هذا سيروق لترمب كثيراً.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة