وزير البريد

وزير البريد

الاثنين - 12 شعبان 1438 هـ - 08 مايو 2017 مـ رقم العدد [14041]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
في الأبحاث التي قمت بها من أجل «أوراق السندباد» تبين لي أن «وزير البريد» كان الأكثر أهمية بين وزراء الدولة العباسية، وربما الرجل الثاني في الحكم، مع أن هيغل سوف يقول بعد قرون، إنه «ليس من رجل ثان في أنظمة الشرق». الذي لم أستطع الوصول إلى مراجعه، قبل وضع الكتاب، هو كيف كان يعمل البريد، وكم كان عدد موظفيه ورواحله ورجاله وحمامه الزاجل، الذي كان الأكثر ثقة واعتماداً واقتحاماً من الرجال. غير أنني عثرت يومها على كلام لهيرودوتس، أبي المؤرخين، يصف بريد ملك الفرس في حربه على اليونان ومبعوثيه: «الذين لم يكن يوقفهم مطر أو ثلج أو حر أو ظلام الليل عن القيام (بدوراتهم البريدية)». ودوراتهم هو المصطلح الذي استخدمه صاحبنا هيرودوتس، ولا يزال يُستخدم تقنياً إلى اليوم.
وفي يفاعنا كان ساعي البريد، أو «البوسطجي»، جزءاً من رومانسية المرحلة لأنه كان يحمل رسائل العشاق والمحبين بعيداً عن أعين الرقباء. وقد أقحم في مصر ضمن الأغنية العاشقة التي قالت: «البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي». وقد يخيل إليك أن الساعي سمّي البوسطجي، لأن البوسطة كانت تحمل الرسائل قبل كثرة السيارات. لا. بل لأننا ترجمناه عن الإيطالية، بوستا.
وقد كتبت لجنابكم غير مرة، كيف كنا في صيف القرية ننتظر وصول ساعي البريد مرتين في الأسبوع. في المرحلة الأولى على فرسه، وفي مرحلة المكننة، تعلم قيادة الدراجة البخارية، وأصبحنا نسمع صوت محركها من بعيد، فنسارع إلى الساحة كي يوزع البوسطجي الرسائل، كمن يوزع الأمل والفرح: رسالة من ابن مهاجر، وأخرى من أب مهاجر، أو رسالة حب موقعة باسم مستعار، أو جريدة لا يهم إن وصلت متأخرة يومين أو عشرة، فلن يتغير شيء في هدوء البال.
عندما سمعنا بالبريد السريع في أوروبا، كنت قد هاجرت البلد إلا زائراً. ثم قيل لنا عليكم بالفاكس. ثم بالـ«دي إتش إل». وأخيراً البريد الإلكتروني، لا فرس ولا دراجة بخارية عتيقة، ولا حمام زاجل. و«الآيباد» كما في وصف هيرودوتس، لا يعيقه ثلج ولا مطر ولا نشرة جوية، وليس له اسم بالإيطالية. إيميل، حتى بالصينية، إلا إذا أصررت على «البريد الإلكتروني».
ما هي الخطوة المقبلة؟ لقد أسأت طرح السؤال. لا «خطوات» بعد الآن، بل قفزات في الأثير الإلكتروني بعيداً بعيداً عن الخيال. ويبقى الحنين مجرد فرس بيضاء مُتعبة، ودراجة نارية صاخبة، وأغنية معاتبة: البوسطجية اشتكوا.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
08/05/2017 - 06:29

قال الشاعر السودانى مصفى سند فى مقابلة تلفزيونية حينما سئل عن السعادة قال هى اجمل شىء مضى من عمرك وليس شىء قادم حركت فينا الشجون استاذ سمير ونحن فى مرحلة الشباب نسمع الشعر العذب عن الحب عبر الرسائل والبريد وذاك يخاطب محبوبته من طرف الحبيب جاءات اغرب رسائل يحكى عتابه فيها وقال نسيناه قال التقنية افسدت لنا كل ذلك ولم اسمع شعرا عن (miss call) ولا عن جوالك بل فقدنا حتى البلاغة فى الكلام وفصاحة اللسان وصار الزوج يجلس فى الحدائق واماكن الترفيه بجانب زوجته وكل يفتح ( النت ) وهى كذلك لم يتجازبوا حديثا حتى ينفضوا ويذهبو ا الى منازلهم ليواصلوا الانعزال

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
08/05/2017 - 11:42

بلاغة الكاتب تحول القارئ الي شخص عاشق،والعاشق طبعا ينتظر قدوم عشيقته،ونحن ننتظر كتابات كاتبنا المفضل الأستاذ عطا الله. الله يطول في عمرك

عطيه عيسوى /صحفى
البلد: 
مصر
08/05/2017 - 18:14

لا خطوات بعد الآن..لا يا سيدى،محاولات البشر لا تتوقف عن كل جديد وغريب.وأذكر أنه قبل نحو قرن أو أكثر طلب رئيس مكتب براءات الإختراع فى الولايات المتحدة الأمريكية إغلاق المكتب لأنه لم يتبق شىء يُنتظر اختراعه من وجهة نظره.ثم انظر ماذا حدث بعد ذلك .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة