المعارضة تعلّق مشاركتها في «آستانة» بعد انتهاك موسكو لوعودها

ربطت عودتها بوقف القصف ووضع جدول أعمال أكثر وضوحاً

سكان احدى بلدات الغوطة الشرقية في دمشق يتفحصون تداعيات قصف طيران النظام على مستشفي محلي قبل أيام (إ ف ب)
سكان احدى بلدات الغوطة الشرقية في دمشق يتفحصون تداعيات قصف طيران النظام على مستشفي محلي قبل أيام (إ ف ب)
TT

المعارضة تعلّق مشاركتها في «آستانة» بعد انتهاك موسكو لوعودها

سكان احدى بلدات الغوطة الشرقية في دمشق يتفحصون تداعيات قصف طيران النظام على مستشفي محلي قبل أيام (إ ف ب)
سكان احدى بلدات الغوطة الشرقية في دمشق يتفحصون تداعيات قصف طيران النظام على مستشفي محلي قبل أيام (إ ف ب)

هيمنت حالة من «الاضطراب في التوقعات» على أجواء الساعات الأولى من مفاوضات «آستانة - 4»، أمس، حيث برز تفاؤل، لا سيما من جانب الوفد الروسي، بإمكانية تحقيق اختراق خلال هذه الجولة، يتمثل بتوقيع القوى الضامنة لمقترح بلاده حول «المناطق الهادئة»، بينما أعلنت الفصائل المعارضة تعليق مشاركتها في المحادثات التي انطلقت في آستانة، أمس، احتجاجاً على استمرار القصف في سوريا، وقدّمت مذكّرة إلى ممثلي الدول الراعية تتضمن ملاحظاتها حول اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، محملة المسؤولية إلى موسكو التي يفترض أنها وقعت على الاتفاقية كطرف راعٍ وضامن، رابطة عودتها بوقف القتال ووضع جدول أعمال أكثر وضوحاً.
وقال مصدر في «الجيش الحر» لـ«الشرق الأوسط»: «أتينا إلى آستانة بناء على وعود بإيقاف شامل للقصف في سوريا عند بدء المفاوضات، ومن ثم العمل للتوصل إلى انتقال سياسي، لكن وكما في السابق لم يتحقّق شيء»، مضيفاً: «بعد لقائنا بوزير الخارجية الكازاخية وفي وقت كان من المقرّر استكمال الاجتماعات مع وفد الأمم المتحدة والمبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، ونائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ستيوارت جونز، وصلتنا معلومات عن القصف المستمر، ما جعلنا نتخذ قرار تعليق المشاركة حتى تنفيذ الوعود، ورفضنا كل محاولات حثّنا على العودة إلى طاولة المفاوضات، قبل اتخاذ خطوات تنفيذية».
من جهته، قال عضو الوفد المعارض أسامة أبو زيد إن المعارضين غادروا جلسات المفاوضات بسبب جدول الأعمال غير الواضح وعلى خلفية استمرار المعارك في ريفي حمص ودرعا»، مؤكداً أن تعليق مشاركة الوفد في الحوار سيستمر حتى وقف القتال، ووضع جدول أعمال أكثر وضوحا». بينما قال المعارض ياسر فرحان المشارك في آستانة، لـ«الشرق الأوسط»: «أخلاقيا لا يمكن أن نفاوض والقصف مستمر على الشعب السوري»، متسائلا: «كيف يمكن لموسكو أن تقصف المدنيين من ناحية وترعى المفاوضات من ناحية أخرى؟ وعن رد الفعل على المذكرة التي تقدمت بها المعارضة، قال: «قدّمنا ما عندنا بانتظار الحصول على الإجابة».
وتوقعت وزارة الخارجية الكازاخية، في تصريح لـ«رويترز» بعودة المعارضة إلى طاولة المفاوضات اليوم. ويتفق المشاركون في مفاوضات «آستانة - 4» حول المبادرة الروسية لإنشاء 4 مناطق تهدئة أو أكثر في كل من «إدلب والغوطة الشرقية وشمال حمص وجنوب دمشق»، مؤكدا أن مثل هذا الاتفاق سيكون ملزما.
كما أشارت المصادر من العاصمة الكازاخية إلى أن الاقتراح الروسي «لم يُنجز بصورة نهائية على ما يبدو»، وما زال الخبراء من الدول الضامنة يبحثون في التفاصيل، بما في ذلك مسألة الدول التي ستلعب دور قوات فصل بين المعارضة السورية وقوات النظام السوري في تلك «المناطق الهادئة»، والصلاحيات التي ستتمتع بها تلك القوات. وأوضحت أن النقاش يدور بالدرجة الأولى حول الدول التي تنال القبول من الأطراف السورية، و«يدور الحديث في هذا السياق بالدرجة الأولى عن مصر، التي لم تقطع كل حبال الود مع المعارضة السورية، وشرعت في الآونة الأخيرة في فتح قنوات اتصال مع النظام السوري. وإلى جانب مصر يدور النقاش حول إمكانية مشاركة قوة عسكرية من قوات التدخل السريع التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي».
ونقلت المصادر عن عضو من وفود الدول الضامنة، قوله، إن «التعقيدات حول بعض تفاصيل الاقتراح الروسي قد تحول دون التوصل إلى تفاهم نهائي خلال الجولة الحالية بشأنه، بما في ذلك مسألة قوات المراقبة وهي مسألة معقدة للغاية، وقد يتطلب التوصل إلى تفاهم نهائي بشأنها، إما مشاركة قوى دولية وإقليمية أخرى في المشاورات، أو نقل الموضوع لبحثه في إطار المجموعة الدولية لدعم سوريا».
ونقلت «ريا نوفوستي» من آستانة، أمس، عن مصدر من وفود الدول الضامنة، قوله، إن الخبراء لم يتوصلوا بعد إلى توافق حول الدول التي ستضمن الأمن في «المناطق الهادئة»، وأضاف: «ننظر في كل الاحتمالات. نريد أن تكون تلك الدول معتدلة ومستقلة»، موضحاً أن الحديث يدور بصورة خاصة عن دول مثل الجزائر والإمارات العربية المتحدة، ومصر ودول بريكس، ودول معاهدة الأمن الجماعي. غير أن المصدر اشتكى من أن «هذه الدول لا تثق ببعضها البعض»، مؤكداً أن الخبراء من الدول الضامنة لم يتمكنوا بعد من التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن.
من ناحيته، أكّد مصدر معارض مشارك في آستانة لـ«الشرق الأوسط»، أن «المباحثات لم تصل إلى هذه النقطة إلى الآن في هذا الشأن».
وكان مدير قسم دول آسيا وأفريقيا في الخارجية الكازاخية أيدار بك توماتوف، قد صرح بأنه «إذا توصلت الدول الضامنة لاتفاق الهدنة في سوريا (روسيا وتركيا وإيران) إلى توافق بشأن الوثيقة الروسية ووقعت عليها، فستصبح هذه المذكرة ملزمة، وسيكون تنفيذها على دمشق والمعارضة تحصيل حاصل».
وقال إن الأطراف المشاركة في مفاوضات آستانة تواصل العمل على مسودة الاتفاقية حول منطقة سورية تنضم لنظام الهدنة ومسودة بروتوكول حول تعزيز نظام وقف إطلاق النار، وحول عمليات تبادل الأسرى.
ولفت إلى أن وفد المعارضة السورية يضم 19 شخصاً، بينهم ممثل عن حركة «أحرار الشام». وفي هذا السياق، نقلت وكالة «نوفوستي» أن هناك توقعات بانضمام «أحرار الشام» للهدنة في سوريا رسمياً الأسبوع المقبل.
ونصت الوثيقة التي تتضمن الاقتراح الروسي، على إنشاء مناطق لـ«تخفيف حدة التصعيد» في محافظة إدلب (شمال غرب)، وفي شمال حمص (وسط)، وفي الغوطة الشرقية قرب دمشق وفي جنوب سوريا. والهدف من ذلك هو «وضع حد فوري للعنف وتحسين الحالة الإنسانية».
وبحسب الوثيقة، سيتم العمل في مناطق تخفيف التصعيد على «ضبط الأعمال القتالية بين الأطراف المتنازعة»، و«توفير وصول إنساني سريع وآمن»، و«تهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين».
من جهته، قدَّم وفد المعارضة إلى الأطراف الراعية لمحادثات آستانة مذكرة من عدة بنود، أكد فيها على التزامه باتفاق أنقرة الموقَّع نهاية عام 2016، والمتضمِّن وقفَ إطلاق النار في سوريا برعاية تركية - روسية، بالإضافة إلى المطالبة بإجراءات تنفيذية واضحة.
وطالب الوفد في مذكرته بوقف خروقات النظام السوري لاتفاقية وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن تلك الخروقات لم تنقطع منذ أن تم التوقيع على الاتفاقية، حيث نفَّذ جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية باستخدام كل أصناف الأسلحة المحرمة دوليّاً، كما استهدف المدنيين ودمَّر المستشفيات والمراكز الصحية ومراكز الدفاع المدني بشكل متعمَّد، وتم خنق الأطفال والنساء والشيوخ باستخدام السلاح الكيماوي، بهدف الحسم العسكري، وتعطيل الحل السياسي في آستانة وجنيف، ودفع الحاضنة المعارضة له لهجر مناطقها بشكل قسري، وبدعم من روسيا.
وأكدت المذكرة على ضرورة اتخاذ خطوات تنفيذية استناداً إلى التعهدات الروسية المعلنة في مؤتمر آستانة 2، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتتمثل تلك الخطوات بإلزام النظام السوري وداعميه بالتطبيق الفوري لاتفاقية وقف إطلاق النار، وإيقاف فوري لهجماتهم البرية والجوية، بالإضافة إلى الانسحاب من الأراضي التي تم اجتياحها، منذ 30 ديسمبر (كانون الأول) 2016، ومنها وادي بردى، وحي الوعر والمعضمية والزبداني، وتمكين أهلها المهجرين من العودة إليها.
وتضمَّنت الخطوات التنفيذية التي طالب الوفد بتحقيقها: «البدءَ وفق جدول زمني بإطلاق سراح جميع المعتقلين، والإفراج الفوري عن الأطفال والنساء والشيوخ، وإدخال المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط، وفك الحصار عن كل المناطق المحاصرة، وإخراج كل الميليشيات الطائفية الإرهابية التابعة لولاية الفقيه في إيران من سوريا، وإيجاد آليات مراقبة ومحاسبة لوقف إطلاق النار، والتأكيد على أن الحل في سوريا ينطلق من تحقيق الانتقال السياسي ووحدة أراضي سوريا، ورفض مشروعات التقسيم الفعلي والقانوني، وأن التخلص من الإرهاب ومكافحته يقتضيان مكافحة أسبابه المتمثلة في استمرار نظام الأسد».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.