«مانفستو» بن مبارك: سردية للخارج ومكاشفات للداخل

رئيس الوزراء اليمني قال لـ«الشرق الأوسط» إن السلام يتضاءل... والكهرباء تستهلك 30 % من الميزانية

TT

«مانفستو» بن مبارك: سردية للخارج ومكاشفات للداخل

رئيس الوزراء اليمني متحدثا مع "الشرق الأوسط" بالسفارة اليمنية في لندن (تصوير: حسن باجبير)
رئيس الوزراء اليمني متحدثا مع "الشرق الأوسط" بالسفارة اليمنية في لندن (تصوير: حسن باجبير)

لم يعلم الحوثيون أن أمين عام الحوار الوطني اليمني الذي اختطفوه عام 2015 سيشق طريقه سريعاً إلى موقع أصبح يحشد فيه القوى الغربية، ويعمل على تغيير سرديتها للأزمة اليمنية ضمن «مانفستو» أو برنامج عمل يشمل مكاشفات للداخل أيضاً.

لكنهم يعلمون أن هجماتهم في البحر الأحمر بمزاعم نصرة غزة ساعدت الحكومة التي يرأسها الدكتور أحمد عوض بن مبارك على استثمار فرصة لم تكن ماثلة منذ بداية الأزمة اليمنية، التي بدأت بانقلاب 21 سبتمبر (أيلول) 2014 وتستمر حتى اليوم.

جانب من لقاء "الشرق الأوسط" مع رئيس الوزراء اليمني بمقر السفارة اليمنية في لندن (تصوير: حسن با جبير)

في يوم الخميس 16 مايو (أيار) 2024، كان الطقس اللندني على غير عادته، مشمساً ودافئاً. أتيحت الفرصة للقاء رئيس الوزراء اليمني الدكتور أحمد عوض بن مبارك بمقر السفارة اليمنية التي تقع في زاوية تقاطع «كرومول روود» مع «كوينز غيت» غرب العاصمة البريطانية.

تجاوز اللقاء 20 دقيقة، لكنه كان بمثابة شرح لـ«مانفستو» أو برنامج عمل الحكومة داخلياً وخارجياً، وأجاب عن أسئلة عديدة تتعلق بالسلم ومستجدات سياسية؛ أبرزها زيارته إلى بريطانيا، وتعاطي الولايات المتحدة مع هجمات البحر الأحمر، إلى جانب تحديات الكهرباء والخدمات وانتقادات النزول الميداني المكثف.

تضاؤل السلام

يعتقد كثير من الراسخين في فهم الأزمة اليمنية أن العمليات الحوثية في البحر الأحمر غربلت فرص السلام، رغم أن الجماعة تقول، وعلى لسان مسؤوليها، إن الأمرين منفصلان.

الرواية الرسمية الأممية تتحدث عن أنها عرقلت تحركات المبعوث هانس غروندبرغ الذي تلقى بدوره انتقادات ضمنية من وزير الخارجية اليمني الجديد الدكتور شائع الزنداني.

ويرى ماجد المذحجي، رئيس مركز صنعاء للدراسات، أن الاستجابة السياسية للتطورات في البحر الأحمر أو التصعيد العسكري الحوثي المحتمل والحرب الاقتصادية الحالية، مجموعة من التحديات الحالية التي ستتعامل معها حكومة بن مبارك، بالإضافة إلى العبء التقليدي، وهو وجود 8 أعضاء مجلس فوق رئيس حكومة واحد.

لذا، كان مهماً سؤال رئيس الوزراء اليمني: هل ما زال السلام قائماً في ظل التصعيد الحوثي؟ «بالنسبة إلينا سيبقى السلام خياراً استراتيجياً»، يعلل بن مبارك ذلك بأنه مع التصعيد الحوثي الأخير «أصبحت فرص السلام تتضاءل، نتيجة تصرفات الحوثيين وانحيازهم للبعد الآيديولوجي مقابل المصالح البراغماتية التي كان من الممكن أن يحققوها لو انصاعوا للحلول المطروحة على الطاولة».

«أصبح العالم ينظر بريبة شديدة للدور الذي من الممكن أن يلعبه الحوثيون في أي صيغة سلام مقبلة»، ويعتقد رئيس الوزراء أن هذا الأمر بالتحديد «بدأ يشغل بال المجتمع الدولي بشكل كبير، خاصة في ظل استخدام الحوثيين القدرات والعلاقات الوطيدة بينهم وبين إيران»، مما جعل السلام يتعقد أكثر فأكثر.

ويرى رئيس الحكومة اليمنية ضرورة مراجعة ربط السلام مع عمليات البحر الأحمر. وعند سؤاله عن شرط واشنطن على الحوثيين وقف الهجمات البحرية لإكمال العملية السلمية قال: «تعاني الحكومة اليمنية من الدفع بصيغٍ عنوانها السلام لكنَّها تقود إلى مزيدٍ من الصراع، وتعمل على إطالة أمد الصراع بمستويات وأشكال مختلفة... في مراجعاتنا مع المجتمع الدولي كنَّا دائماً نؤكِّد - وأنتَ تعلمُ كم ضُغط علينا باتجاه الذهاب إلى ستوكهولم وأعلنت هناك اتفاقية سلام لم تصمد لساعات - ونحن في كلّ الصيغ الجديدة سواء هدنة أو ما بعدها أو الآن خارطة طريق، يهمنا أنْ يدعم المجتمع الدولي خطة سلامٍ حقيقي تقود إلى خطة سلامٍ مستدامٍ، وتقود إلى عدم تسليم اليمن بشكلٍ أو بآخر إلى أحضان حركةٍ مثل الحوثي تخدم أجندة إيران، وهذا سيكون وبالاً ليس على اليمنيين فقط - وسيرفضهم اليمنيون - لكن كذلك على المنطقة والعالم».

ومضى يتساءل: هل سيعود الحوثيون حركة عادية إذا ما توقفوا اليوم عن عملياتهم في البحر الأحمر ويمكن التعاطي معهم؟ ثم قال إن «تصرفات الحوثيين خلال الأشهر الماضية أظهرت توجهاً آيديولوجياً واضحاً، وارتباطاً وثيقاً بالأجندة الإيرانية التي أوضحت أنَّهم يشكلون تهديداً كبيراً... لذلك لا يهمنا كيف يدعم الأميركيون أو لا يدعمون أيَّ صياغة مقبلة، بقدر ما يهمنا أن يتم دعم ما هو مستدامٌ، ويساعد اليمنيين على الوصول إلى صيغة يمكن من خلالها أن يتعايشوا، وأن يتعاطوا مع قضاياهم بطريقة أكثر ديمومة».

الحوثيون وغزة

لا يرى رئيس الوزراء اليمني أن الحوثيين يمتلكون قاعدة أو أساساً أخلاقياً للادعاء بنصرة غزة.

ويقول بن مبارك: «من يفجر البيوت على رؤوس ساكنيها... والمساجد والمدارس... من يحاصر مدناً كاملة كما يحصل في تعز منذ أكثر من عشر سنوات، من يقنص الأطفال وهم ذاهبون للمدارس والنساء وهم ذاهبات لآبار المياه، لا يمتلك أساساً أخلاقياً للادعاء بأنَّه ينتصر لقضية عادلة مثل قضية أهلنا في فلسطين.

وأضاف رئيس الوزراء: «بالتأكيد ما يقوم به الحوثي جزء من أجندة تستخدم فيها إيران وكلاءها في المنطقة، والحوثيون إحدى هذه الأدوات».

«التحور» الغربي

تغيرت سردية الحرب كثيراً، يقول رئيس الوزراء: «كثير مما كنا نقوله وننبه إليه أصبح الآن (الغربيون) هم الذين يذكروننا به. وكثير من السرديات التي قامت عليها حتى الحلول الأخيرة سقط. تعلم أن الحوثي لا يمكن أن يأتي للسلام إلا من خلال محفزات اقتصادية، الحديث أنه ليس هناك تأثير كبير لإيران على الحوثيين. الحديث أن الحوثي لا يمثل إلا إشكالاً داخلياً في اليمن، ولا يشكل خطراً على المستوى الإقليمي، الحديث أن الحوثيين لا يمكن أن يشكلوا خطراً على المصالح الغربية بشكل مباشر، كل هذه القضايا سقطت، الآن أصبح الغرب هو من يذكرنا بهذه القضايا».

ويرى بن مبارك أن هذا التحور الغربي من المهم أن يقود إلى «تحول استراتيجي في طبيعة النظر إلى الحوثيين، ليس فقط (بوصفهم) طرفاً عسكرياً أو اجتماعياً، لكنهم يمثلون تهديداً آيديولوجياً، وطبيعة هذه الآيديولوجيا وتأثيرها ليس على اليمن وحسب، وإنما المنطقة والعالم»، مضيفاً: «أعتقد أن التطورات التي حصلت ستساعد بشكل كبير جداً على تغيير هذه السردية».

استثمار هجمات البحر الأحمر

هناك طريقان للتعامل مع هجمات الحوثيين. الأولى تذكير الغربيين بأنه تم تحذيرهم سابقاً ولم يستجيبوا، وبذلك فهي مشكلتهم الآن. والثانية استثمار الموقف بطريقة بنائية. وبسؤال رئيس الوزراء اليمني: «أي الطريقين قد تسلك الحكومة؟». أجاب: مهم بالطريقين. ويعلل ذلك بأن الشرعية لو أرادت بناء سردية جديدة «فلا بد من دحض السرديات السابقة التي قام وظل عليها كثير من الحلول الترقيعية خلال الفترة الماضية».

«أتفق بأنه لا يكفي بأن تذكر بخطأ السرديات دون أن توجد سردية مقابلة، وهذا ما نقوم به الآن»، يقول رئيس الوزراء: «رغم كل التفاصيل ما زلنا نطرح قضية العمل بالطريقة الدبلوماسية بشكل كبير، لكن يجب كذلك أن يتم دعم الحكومة اليمنية بشكل مباشر، فالقبول بالسماح لقوات خارج الدولة مثل الحوثيين بالسيطرة على الحدود والمياه الإقليمية اليمنية كان أحد الأخطاء الاستراتيجية، وبالتالي البديل هو دعم الحكومة اليمنية بخفر سواحلها، بقواتها، بامتلاك أدوات تمكنها من الدفاع عن المياه الإقليمية».

ويعتقد بن مبارك أن وجود الحكومة اليمنية على الأرض وزيادة تمكينها من أدواتها السيادية وممارسة أعمال السيادة على أرضها «إحدى القضايا المهمة التي نعمل عليها، لذلك، رفع مستوى التعاون مع الدول الغربية على هذا الأساس بعد تصحيح هذه السرديات يعد من القضايا المهمة، والاستراتيجية أيضاً بالنسبة لنا».

زيارة بريطانيا

أعلنت المملكة المتحدة رفع نسبة المساعدات لليمن هذا العام 56 في المائة، ووجهت الحكومة البريطانية دعوة رسمية لرئيس الوزراء اليمني للقاء مسؤولين.

وأفاد رئيس الحكومة اليمنية بأنها جاءت «لمناقشة العديد من القضايا الثنائية، ومسائل أخرى منها البحر الأحمر الذي يعد من الملفات الساخنة هذه الأيام، بالإضافة إلى نية المملكة المتحدة رفع المساعدات المخصصة لليمن، خاصة من الجانب الإنساني، وحرصنا على أن يكون هناك موازنة بين ما يُقدم من مساعدات في اليمن إنسانياً، مع الجوانب التنموية المهمة، وفتح آفاق التعاون الثنائي خاصة في المجال الاستثماري، في قطاعات مثل الطاقة أو النفط مع الحكومة البريطانية».

وتحمل الزيارة التي أجراها بن مبارك دلالات لافتة، حيث أجرى أكثر من ثلاثة اجتماعات رئيسية مع الحكومة، التقى خلالها وزيري الخارجية والدفاع، ولاحقاً وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط» سينشر لاحقاً، وصف اللورد طارق أحمد وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط مناقشاته مع رئيس الوزراء اليمني بأنها «مثمرة للغاية».

واشنطن والتأرجح

كثيرٌ من النقاد اليمنيين قالوا إنَّ الإدارة الأميركية الحالية - التي تنتهي ولايتها مع نهاية العام - تعاملتْ مع الملف اليمني على أنَّه ملف مماحكاتٍ داخلية أكثر من كونه أزمة لـ30 مليون يمني! وسألت «الشرق الأوسط» بن مبارك: كيف ترون ذلك؟ فقال: «نعتقد أنَّ أنسنة الأزمة اليمنية منذ البداية كانت إشكاليةً، وكان دائماً ينظر للملف اليمني من زاوية إنسانية، وكأن ما يحصل في اليمن هو نتاج إعصار أو كارثة طبيعية، وأنَّ المساهمة الرئيسية للعالم تتجلى في الدعم الإنساني أو إيقاف أي عملية عسكرية خشية انعكاسها على الجانب الإنساني»، هذه قضية أولى، أما المسألة الثانية فيقول رئيس الوزراء إن الإدارة الأميركية الحالية كانت تعد الملف اليمني إحدى أولوياتها العشر، وتعرف بأنَّ الحوثيين كانوا مدرجين على قائمة الإرهاب (FTO)، «ثم رفعتْهم من القائمة من دون أيَّة ضغوط بالحصول على شيء مقابل».

ويعتقد رئيس الوزراء اليمني أنَّ المزيد من التعاطي مع أساس المشكلة في اليمن، واستيعاب طبيعة التحدي وما يمثله الحوثيون، هو الذي سيمكن أية إدارة أميركية، سواء حالية أو مقبلة، من أن تكون تدخلاتها في اليمن أو مقارباتها لمعالجة المشكلة اليمنية حقيقية لمصلحة اليمنيين والمنطقة، ولمصلحة ولحماية المصالح الأميركية في المنطقة.

تماسك مجلس القيادة

يصعب الحديث في اليمن عن مجلس القيادة الرئاسي من دون الإشارة إلى التوافق الذي كان يوماً ضرباً من المستحيلات. ولكي يتوافق الأعضاء على رئيس حكومة فهو أيضاً تحد آخر، يبدو أن بن مبارك نجح في تجاوزه.

يقول رئيس الوزراء: «أعتقد أن وجود كل هذه القوى، التي كانت قبل تشكيل مجلس القيادة تتحارب، في كيان واحد خطوة متقدمة بشكل كبير جداً، توحيد كل القوى المناهضة للمشروع الحوثي والمشروع الإيراني في المنطقة أمر مهم، وشكّل خطوة للأمام، أنا بصفتي رئيس وزراء أتيت بتوافق كامل بين كل القوى المشاركة في المجلس القيادي، وهناك موقف داعم واضح من كل هذه القوى، ولا يمكنني بصفتي رئيس وزراء أن أعمل وأن أقوم بكل هذه الخطوات من دون دعم من مجلس القيادة بكل مكوناته».

هناك من راهن على سقوط المجلس، لكنه أثبت عكس ذلك، على الأقل منذ تشكيله عام 2022 وحتى اللحظة. ويقر رئيس الوزراء بوجود التحديات سواء الداخلية أو الخارجية، ويرى أنه لا يمكن تحقيقها من دون دور تكاملي بين مجلس القيادة بوصفه قيادة سياسية لمرحلة تدير السلام الحرب، والحكومة بوصفها جهازاً تنفيذياً يعكس الإرادة السياسية لمجلس القيادة، ويقول: «كثير مما أقوم به بدعم مباشر وتوجيهات مباشرة من مجلس القيادة... وطبيعة التحديات أمامنا تعطينا حافزاً أن نمضي معاً».

ما يجدر ترقّبه من الحكومة؟

لا يعتقد رئيس مركز صنعاء للدراسات أنه يجدر الترقب كثيراً للحكومة الجديدة، ويقول ماجد المذحجي لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة «إذا استطاعت تحسين مواردها المالية فهذا بحد ذاته إنجاز»، وأضاف: «أنت تتحدث عن سلطة كاملة ومجلس رئاسي من دون أي موارد مالية، فإذا استطاعت تحسين هذه الموارد، ومن ثم تحسين مجموعة الخدمات الأساسية، وإذا استطاعت تجاوز هذا الصيف الساخن الذي من الواضح أنه سيكون لملف الكهرباء فيه محدد حاسم في تفاعل المجتمع معها، فهذا بحد ذاته إنجاز».

سارع الدكتور أحمد بن مبارك منذ تعيينه في مطلع فبراير (شباط) 2024، ومباشرة مهامه في عدن، إلى النزول الميداني والتحدث مع المسؤولين والمواطنين. وهناك من تلقى هذه النزولات الميدانية بانتقاد، وهناك من رحب بهذه الخطوة.

يقول مصطفى نعمان، وكيل الخارجية اليمنية الأسبق لـ«الشرق الأوسط»: «من دون شك، إن اقتراب المسؤولين على كل المستويات هو نشاط يجب الإشادة به من حيث المبدأ، لكن إذا لم يقترن بإيجاد حلول ملموسة فإنه يصبح فرصة للظهور الإعلامي ومادة للتندر والسخرية... هكذا يكون المطلوب هو تزامن النزول الميداني مع الإنجاز العملي».

وسألت «الشرق الأوسط» رئيس الوزراء عن رده على الانتقادات، فأجاب قائلاً: «أنا في وضع أعتقد أن الاقتراب من الناس قضية مهمّة، بل ضرورةٌ، وهذا نهج ومسارٌ وليس خياراً في هذه المسألة، فالاقتراب من الناس والاستماع لهم. ببساطة ولظروف كثيرة وفي المقدمة الظرف الأمني، صارت هناك مسافة بين المسؤولين والمواطنين، ولكن علينا أن نتحمل بصفتنا مسؤولين ذات المخاطرة التي يتحملها المواطن».

ويعترف الدكتور بن مبارك بوجود أزمة ثقة، ويقول إنه يجب ترميمها: «الاتصال بالناس يعطيك حسَّاً مختلفاً في كيفية التعاطي مع المشكلة. كثيرون أوصوني بألا أخرج، وأنا أتفهم هذا الأمر، لكنني أقول إن كل نزول ميداني كان يمنحنا فرصةً للاطلاع على المشكلة بطريقةٍ مختلفةٍ وبروح مختلفةٍ، وكان يعطينا ذخيرةً مختلفةٍ، وإذا لاحظت أنه في كثير من الأحيان يكون هناك مواجهات مباشرة مع المواطنين، وكنت أوجِّه الإعلام الرسمي بنشرها مع أنَّها تحتوي على نقد مباشر لي شخصياً أو لحكومتي، لكن مهمٌ جداً أن يتحول هذا إلى مسارٍ، سواء ما يتعلق برئيس وزراء أو بالنسبة للحكومة بشكلٍ عام. وبعد كلّ نزولٍ هناك أجندة عملٍ يجب تنفيذها سواء تلك التي تحدُث بعد زياراتي للمواطنين أو بعد الزيارة للمحافظات. وكثيرٌ من المحافظات كنتُ فيها من دون أي حمايةٍ وبين الناس، لكن بعد كلّ نزولٍ أعود مع فريقي ونناقش كلّ ما شاهدناه، ونضع مصفوفة عملٍ، ونبدأ العمل عليها، ونتخذ إجراءات بعضها عاجلٌ، وبعضها يحتاج إلى تدخلات مختلفةٍ، لكنني أعتقد أنَّ هذه مسألة مهمة، وأنَّ هذا النوع من المباشرة والاتصال بالناس قضية مهمة جدَّاً بالنسبة لي بصفتي رئيس وزراء وبالنسبة للحكومة بشكل متكامل».

أول مائة يوم

«كيف مرَّت أول مائة يومٍ على توليكم المهمة الجديدة؟». يجيب رئيس الوزراء: «صعبة بالتأكيد؛ لأنَّ الظروف صعبةٌ، وتعلم أنني أتيت في ظلِّ توقف تصدير النفط، وهذا حرم الحكومة اليمنية من أكثر من 70 في المائة من مواردها في ظل عنوان رئيسيٍ للحرب، وهو الحرب الاقتصادية، سواء بمنع انتقال البضائع من مناطق سيطرة الحكومة إلى مناطق سيطرة الحوثيين، وحرم الحكومة كثيراً من الموارد ومنع تصدير الغاز المنزلي من مأرب، ومنع تصدير النفط، وكل ذلك خلق حرباً اقتصادية حقيقية موجهة نحو الحكومة اليمنية».

الأمر الآخر، والحديث لرئيس الوزراء: «هناك إيحاءاتٌ عامةٌ بأنَّنا نعيش مرحلة سلام ونحن خلال الأسبوع الماضي لدينا أكثر من 48 شهيداً نتيجة المواجهات المباشرة مع الحوثيين، بالإضافة إلى الصعاب المتعلقة بالبناء المؤسسي، والذي تعاني منه الحكومة اليمنية نتيجة أوضاع الحرب المباشرة. وبالتالي كان هناك الكثير من التحديات التي واجهتني بصفتي رئيساً للحكومة».

في المقابل، يرى بن مبارك أن هناك الكثير مما تحقق خلال هذه الفترة: «أتيت بعناوين رئيسية، فقد أتيت بمسألة الإصلاح، والمزيد من الشفافية والمكاشفة، والمزيد من العلاقة المباشرة مع الإنسان العادي في الشارع، ومسارات رئيسة أخرى كانت تركز على استخدام أمثل للموارد؛ للإنفاق والعمل على زيادة الموارد غير النفطية، وإصلاح مالي وإداري للمؤسسات الرئيسية للدولة، وحضور لكل المؤسسات وتفعيلها من خلال العاصمة المؤقتة عدن، واستخدام أمثل للمساعدات والإعلانات الدولية، ورغم الصعوبة، حققت الطاقة والوقود فقط جملة من الإنجازات والقضايا من خلال تفعيل لجان المناقصة، فنحن فقط في مجال الوقود الذي يصرف على الطاقة سيكون هناك تخفيض أكثر من 35 إلى 40 في المائة، مما كان ينفق سابقاً من خلال إجراءات شفافة ومناقصات، وهذا سيكون له أثر على المدى المتوسط كما أن هناك عدداً من الإجراءات التي تم اتخاذها وساعدت على إعادة تنمية الإيرادات، كما أن هناك خطة عامة لهذا الأمر».

يكمل رئيس الوزراء حديثه عن التركيز على «إعادة شد جهاز الدولة، وهناك حضور - أستطيع أن أقول عنه كبير جداً - لكل مؤسسات الدولة وإعادة تفعيلها من العاصمة (المؤقتة) عدن. وكان هناك عمل جاد ومسؤول في مسألة تفعيل الدور التكاملي بين الحكومة والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة لإرسال رسالة أننا في إطار إعادة بناء الثقة بين المواطن والحكومة، وبين الحكومة والمجتمع، وبين الحكومة والجوار الإقليمي والدولي. ونعد هذا نهجاً ثابتاً للحكومة، وأعتقد أننا بشكل أو بآخر استطعنا إيصال هذه الرسالة، بالإضافة إلى عدد من الإجراءات المتعلقة بقضية الإصلاح الإداري والمتعلقة بمكتب رئيس الوزراء، من خلال مجموعة من فرق العمل بصيغ جديدة ومختلفة أو من خلال محاولة التركيز على عدد من الوزارات التي نعتقد أن لها أثراً مباشراً؛ سواء في تنمية الإيرادات، أو لها علاقة بشكل مباشر بتقديم الخدمات للمواطنين».

مأساة الكهرباء

انقطاع التيار الكهربائي بات أسلوب حياة أكثر من كونه مشكلة. ولأن المواطن اليمني في النهاية لن يقيه من الحر الشديد أو تلف المأكولات في ثلاجة المنزل أي عذر، فله الحق على الأقل في أن يشتكي. وبالفعل، يشكو كثير من اليمنيين هذه المأساة المتكررة.

يقول رئيس الوزراء: «عانى هذا القطاع في الفترة الماضية لأسبابٍ كثيرةٍ حتى قبل الحرب، وقد غاب التعاطي الاستراتيجي مع هذا الملف لفترة طويلة، وكان هناك اعتماد كبير على الحلول الجزئية».

الدكتور أحمد بن مبارك خلال اجتماع مع قيادات بشركة مصافي عدن النفطية الحكومية في العاصمة المؤقتة (رئاسة الوزراء اليمنية)

وتنفق الحكومة اليمنية 30 في المائة من مواردها على قطاع الطاقة؛ 75 في المائة من هذا الإنفاق يذهب وحده إلى الوقود، ولهذا، استهدفت استراتيجية الحكومة بقيادة بن مبارك سعر الوقود نفسه. «كانت الاستراتيجية أولاً بالتركيز على إيقاف النزيف حتى نستطيع أن نحقق وفرة تمكننا من استخدام استثمارات على المدى المتوسط وعلى المدى الطويل... فمثلاً الوقود الذي كان يتم شراؤه بـ1200 دولار للطن سنشتريه الآن بـ760 دولاراً للطن، وأنا هنا أتكلم عن وفرة تقترب من النصف، ونتكلم عن وفرة مماثلة سيتم تحقيقها في نقل النفط الخام الذي يصل إلى بعض محطات الطاقة خاصة في عدن... وهناك عمل على الانتقال من استخدام الديزل أو المازوت، وتوسع باستخدام الطاقة النظيفة؛ سواء الطاقة الشمسية، أو طاقة الرياح، بالتنسيق مع أشقائنا، سواء في السعودية أو الإمارات».

ويحتاج قطاع الكهرباء إلى وقت لإصلاحه، واستثمارات كبيرة وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، ويرى بن مبارك أنه لا يمكن للقطاع الخاص أن يساهم من دون مجموعة من الإصلاحات الهيكلية، «سواء ما يتعلق بالطابع التشريعي أو إصلاح شبكات التوزيع، وإيقاف الهدر والفاقد، سواء نتيجة ضعف شبكات التوزيع أو المدّ غير القانوني والسحب من شبكات الكهرباء، فضلاً عن تصحيح لتعرفة وزيادة نسب التحصيل، فهناك جملة من القضايا التي تتطلب توجهاً استراتيجياً مختلفاً مع قطاع الطاقة».

ويعتقد رئيس الوزراء أن بعض التدخلات العاجلة على المدى القصير والمتوسط ستكون ممكنة، لكنها طويلة المدى، وتحتاج إلى استثمارات كبرى، وستتطلب التحول إلى استخدام الغاز بوصفه وقوداً رئيسياً لإنتاج الطاقة الكهربائية المأمولة في البلاد، وإنتاج تكميلي من خلال الطاقة النظيفة؛ كطاقة الشمس وطاقة الرياح، أو غير ذلك من البدائل الأخرى.


مقالات ذات صلة

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

رفع زعيم الحوثيين سقف التهديد بالانخراط في الحرب دعماً لإيران، في حين تكشف التقارير العسكرية عن حيازة الجماعة ترسانة من الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
شؤون إقليمية إيراني مسن يركب دراجة هوائية بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

مخاوف من استعانة إيران بوكلائها لمهاجمة أهداف أميركية في الخارج

حذّر مسؤولون أميركيون وغربيون من مؤشرات كثيرة تفيد بأن إيران قد تلجأ إلى أذرعها ووكلائها في المنطقة لتنفيذ هجمات انتقامية ضد أهداف أميركية بالخارج

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شؤون إقليمية منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية تعترض صواريخ فوق تل أبيب (أرشيفية - رويترز) p-circle

تأهّب إسرائيلي تحسّباً لضربة أميركية قريبة على إيران

يقدّر مسؤولون أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يميل إلى شنّ ضربة عسكرية واسعة على إيران «قريباً»، بعدما أخفقت طهران في تلبية المطالب الأميركية خلال المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».