موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

في نقد نظرية التعاقد الاجتماعي

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن
TT

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

عرفت أوروبا منذ القرن السابع عشر نقلة نوعية في التفكير على جميع الأصعدة، حيث حدث انقلاب هائل في الرؤية للعالم. وعلى الصعيد السياسي، ظهرت نظرية ثورية سميت بـ«التعاقد الاجتماعي»، بدأها بقوة مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة، الإنجليزي توماس هوبز، بكتابه «الليفيتان» الذي وضع فيه اللمسات الأولى والمبادئ المؤسسة لهذه النظرية، معلنًا بداية إمكانية تحمل الشعب لمسؤولياته، وتدبير مصالحه بيده، من دون أن يترك الأمور تنفلت من قبضته.
وركز هوبز على أن العمل السياسي مطالب بضمان أقدس حق، وهو حق البقاء. هذا العمل النظري الافتتاحي سيعمل الفيلسوف جون لوك على إتمامه وترميمه، بالتركيز على حق الملكية، مما سيدشن الانطلاقة الفعلية نحو مجتمع ليبرالي لا يزال صداه مسموعًا في زماننا.
وليتوج التنظير السياسي الحديث مع جان جاك روسو، بكتابه «العقد الاجتماعي» الذي أعلن السيادة للشعب، بوضوح كامل، قائلاً عبارته الشهيرة: «من يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد».

هذه النظرية التعاقدية التي يترابط فيها الناس فيما بينهم بعقود اختيارية تضمن لهم المصالح المشتركة، وتجعل شأنهم العام من اختصاصهم هم فقط، أي إعلان أن الإنسان سيد نفسه، ومدبر أمره، وسيد تشريعه، ومعنف نفسه، والشاهد الوحيد على سلوكياته، والمدرك لما يفيده، ستسود وتطغى في كل أصقاع العالم، مشكلة الأفق الذهني لزماننا. وقد أصبحت تلك القيم والمبادئ وكأنها المسلمة الوحيدة الممكنة لبني البشر، وهو ما دفع الفيلسوف طه عبد الرحمن إلى نقدها، معلنًا أنها نظرية فاشلة، بل «خائنة»، وجب تجاوزها نحو ما يسميه الميثاق الائتماني، فالتعاقد الاجتماعي كنظرية، بحسب ما يراه، قد تآكل، واستنفد إمكاناته. فماذا يقصد طه عبد الرحمن بالميثاق الائتماني؟ وما مبررات دعوته؟
كي نلقي نظرة على موقف طه عبد الرحمن، سنعتمد المدخل العام لكتابه الجديد، الصادر أخيرًا عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بعنوان «دين الحياء»، الجزء الأول.
* موت الإنسان المعاصر
عندما نسمع بفكرة موت الإنسان المعاصر عند طه عبد الرحمن، نتذكر مباشرة الفكرة نفسها عند الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، فهو من أعلنها أولاً، لكن ليس بالمعنى نفسه. ولئن عنى فوكو بالفكرة أن مواصفات الإنسان الحديث، باعتباره حرًا وفاعلاً وصانعًا لمصيره وتاريخه، هي مجرد أوهام، فالإنسان على عكس ذلك مسحوق بقوى وبنيات معتمة تتحكم فيه، سواء أكانت بنيات تاريخية أو اقتصادية أو لغوية أو نفسية أو اجتماعية أو معرفية. فادعاء أن الإنسان هو الفاعل الأول والأخير، هو من وجهة نظر فوكو أمر مزيف. فهو في حقيقته مفعول به؛ إنه باختصار مجرد كائن ميت. لكن موت الإنسان المعاصر عند طه عبد الرحمن قد أخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا.
ينطلق طه عبد الرحمن بداية من إعلان أن الإنسان المعاصر لم يعد يعني سوى الإنسان الغربي، باعتباره النموذج والمثال المجرد الذي تسير البشرية على خطاه. فكل فرد، وفي أي رقعة جغرافية، وأيًا كانت ثقافته، يحمل في صدره «مثال الإنسان المعاصر»، بل يعمل على تجسيده سلوكًا في حياته. وما ساعد على انتشار هذا الطراز من الإنسان ثورة الإعلام والاتصال التي كرسته كأفق ونموذج وحيد موجه للنظر والعمل.
بعد هذا التوضيح، يتساءل طه عبد الرحمن عن أهم سمة تميز هذا المثال من الإنسان الغربي؟ ويجيب مباشرة، وبلا تردد، إنه إنسان ضد «الفطرة»، وهي بؤرة القيم الأخلاقية التي لن تكون إلا ذات جذور دينية، بحسب عبد الرحمن. ومن ضاعت فطرته النابعة من الدين، فقد «مات قلبه». لهذا، فعصرنا لا يقدم لنا في الحقيقة سوى نموذج الإنسان الميت لأنه ضيع الدين، وفصله عن كل قطاعات الحياة. ومن ثم، أصبحت تصوراته وسلوكياته بلا سند من الفطرة ونور القلب. إذن، موت الإنسان عند طه هو موت القلب وضياع الفطرة ذات الأصل الديني، وليس الموت بمعنى ضياع الفاعلية والقدرة على الفعل الحر، كما روج لذلك ميشال فوكو.
ويستمر طه عبد الرحمن في أطروحته، ليعلن أن المسلم ليس بمعزل عن هذا النموذج من الإنسان الغربي، فهو يدور في فلكه، بل يستدمجه ويستبطنه في كيانه، مثله مثل بقية البشر في زماننا هذا، مما يجعل منه بدوره إنسانًا مهددًا بشبح «الإنسان الميت». وكيف لا، وهو يستهلك منتجات ثورة الإعلام والاتصال، بل إنه من المساهمين برأسماله في الترويج لهذه المنتجات؟ باختصار، يقول طه عبد الرحمن: «إن أفراد الإنسانية أصبحوا عن بكرة أبيهم يدورون في فلك الموت».
إن هذا الإنسان المعاصر، المشكل للمثال الخلقي والذهني للعالم، سيوجه له طه عبد الرحمن نقدًا قويًا، خصوصًا لأهم الأسس النظرية التي يبني من خلالها كيانه. وهي أسس تتمثل في نظرية التعاقد الاجتماعي، حيث سيعمل على إيجاد بديل لها لإحياء الإنسان بعد موته. فما حجج طه في رفضه هذا؟
يريد طه عبد الرحمن قلب نظرية التعاقد الاجتماعي التي جاء بها «الإنسان المعاصر» رأسًا على عقب، ليعوضها بنظرية أخرى يسميها «النظرية الميثاقية»، لكن هذه المرة ليس بتعاقد بين الإنسان والإنسان، بل بين الله والإنسان. فإذا كانت نظرية التعاقد تدعي أن الحالة الأولى للبشرية تجري في هذه الحياة المرئية، أي بتعبير طه عبد الرحمن: في العالم الملكي، حيث الاتفاق يجري بين الأجسام، فقد سبقتها مواثقة أخرى جرت في عالم الملكوت، حيث كان الإنسان يتصرف بروحه لا بجسده، وهي المرحلة الأصل التي نسيها الإنسان، بل قام بخيانتها.
إن المواثقة التي يتحدث عنها طه عبد الرحمن كانت في حالتها الأولى روحية، وليست اجتماعية. وكانت منقسمة إلى عهدين نكث بهما الإنسان نفسه، وهما: ميثاق الإشهاد، حيث أقر فيه الإنسان بربوبية الخالق، وميثاق الائتمان الذي فيه إعلان تحمل الأمانة.
إن ما تسمى الحالة المدنية في نظرية التعاقد الاجتماعي هي حالة سلم وحقوق يجب السعي للدخول فيها، إلا أنها ليست كذلك، بحسب طه عبد الرحمن. بل هي حالة ممات ينبغي الخروج منها، والعودة إلى الحالة الملكوتية الأولى. وفقط نذكر أن المقصود بالموت هنا هو الموت القلبي، فحين يكون الإنسان مارقًا عن الدين، تضيع فطرته وأخلاقه، مما يساهم في قتل القلب، فيصبح المرء في عداد الموتى، وعملية الإحياء لن تحصل، بحسب طه، إلا بتجديد الميثاق الأصلي مع الله.
إن التعاقد الاجتماعي بحسب رواده هو وسيلة للخروج من وضع التدني، أو «التسفل» بتعبير طه عبد الرحمن، أي الانتقال من التوحش نحو التمدن. أما النظرية الميثاقية، فهي ترى أن التسفل والتوحش ناتجان عن خيانة الميثاق الأول الذي لم يكن في عالم الملك (العالم المرئي)، بل في عالم الملكوت (العالم الغيبي) الذي لا حل إلا بالرجوع إليه، والعيش في كنفه. بعبارة أخرى: إذا كانت مشكلة التعاقد الاجتماعي هي: كيف يمكن الخروج من التوحش نحو التحضر؟ فإن المشكلة في النظرية الميثاقية قد اختلفت، وأصبحت: هل وفى الإنسان بالميثاق الأول أم لا؟ إذا وفى، فإنه يكون قد حظي بوجود ملكوتي، وإذا لم يوف، فقد انغمس في وجود ملكي فقط. بهذا يقيم طه عبد الرحمن قلبًا جذريًا للأمور، بحيث يجعل من ما يسمى الحالة المدنية حالة موت وخيانة، في مقابل الحالة الأصل، أي اللحظة الملكوتية التي وحدها تستحق أن توصف بحالة الحياة.
وفي سعيه إلى «نسف» النظرية التعاقدية، يضيف طه عبد الرحمن أنها وإن كانت تضع في برنامجها تنظيم وضبط الملكية التي هي أس البلاء، فإن النظرية الميثاقية تبقى الشفاء التام منها، فهي تعمل على اجتثاث الملكية من جذورها، بحيث لا يبقى أي مسوغ يكون من أجله سفك الدم ممكنًا.
وقبل أن يختم طه عبد الرحمن مدخله في كتابه الجديد (دين الحياء) المذكور أعلاه، يذكر بأن الخروج من الخيانة إلى حالة الائتمان لن يكون كما تدعي نظرية التعاقد الاجتماعي، بواسطة «إرادة الجميع»، أو «معرفة الجميع»، أو «تجريد الجميع». بل إن هذا الخروج يجب أن يتم بواسطة إنارة «أهل العلم»، فهم من سيذكرون الناس بالتزاماتهم الروحية، ويدلونهم إلى تجديد المواثقة لربهم، حتى تعود الحياة إلى قلوبهم التي ماتت. وهنا لربما المعضلة التي يضعنا فيها طه عبد الرحمن، فما الدليل على أن من يسمون «أهل العلم» سيحسنون ربط البشر بربهم؟ وهل علاقة الشيخ بالمريد هذه تسلم من الهيمنة والسيطرة؟ ألا يمكن أن تنقلب الأمور، فتصبح إرادة التحرر روحيًا قيدًا في حد ذاته؟ وهل مسألة الروح التي يعول عليها طه لتحرير الإنسان المعاصر هي مشترك كوني أم هي خصيصة لبعض الناس؟ بعبارة أخرى: أليس الأجدر بطه عبد الرحمن أن يعلن أن «الروح هي أعدل قسمة بين البشر»، وألا يتركها في يد البعض على حساب البعض الآخر، تحت دعوى أنهم الأقدر على نقلها. أي أليس الأجدر بنا إعلان تعميم الروح على غرار تعميم العقل في الزمن الحديث، ومن ثم لا حاجة لمن أسماهم طه عبد الرحمن بـ«أهل العلم».
عموما، نقول إن أطروحة طه عبد الرحمن لا تزال بكرًا، تحتاج منا الابتعاد عن الاحتفال بها، وتوجيهها نحو نقاش علمي يبرز مكامن قوتها وضعفها أيضًا، على أساس أن النظرية التي لا تكذب ليست نظرية أصلاً.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». لم يلحظ النقاد أنّ الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي

والأخلاقي في آن واحد


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.