الأدب في موازين السوق الحرّة

إيغلتون يكتب عن التغيّرات المتطرّفة التي صاحبت الحرفة الأدبية

الأدب في موازين السوق الحرّة
TT

الأدب في موازين السوق الحرّة

الأدب في موازين السوق الحرّة

كالعادة، وكما هو متوقّعٌ منه كلّ سنة، لم يتأخّرْ تيري إيغلتون Terry Eagleton، المشتغل في حقل الأفكار العامة والدراسات الثقافية، في طرح نتاجه الذي صار واحداً من تقاليد منشورات جامعة ييل الأميركية المعروفة بسطوتها النخبوية. لم أتأخّرْ كعادتي في قراءة مقدّمة الكتاب الجديد لإيغلتون الذي اختار لكتابه عنوان الشيء الواقعي: تأمّلاتٌ في شكل أدبي

The Real Thing: Reflections on a Literary Form

والكتاب حديث النشر من مطبوعات جامعة ييل لعام 2024.

لستُ أبتغي هنا تقديم قراءة أو مراجعة للكتاب رغم أنني قد فعلتُ مع كتب سابقة لإيغلتون نشرتها جامعة ييل. حفّزني هذا الكتاب على التفكّر الحثيث في التاريخ الفكري لتطوّر الأدب ومتفرعاته (النقد الأدبي مثلاً) في سياق تطوّر السياسات (الدراسات) الثقافية على المستويين الشخصي والجمعي.

ويصلحُ إيغلتون ذاته مثالاً قياسياً للتغيّرات المتطرّفة التي صاحبت الحرفة الأدبية منذ سبعينات القرن الماضي حتى يومنا هذا. الرجل ماكينة عمل منتجة وخلّاقة، ولا أظنّه سيتوقّفُ يوماً عن العمل والإنتاج. السؤال هنا: ما طبيعة عمله اليوم؟ وكيف يتمايز عن أعماله السابقة؟

بدأ إيغلتون عمله في عصر ما بعد الحداثة التي تكاثفت غيومها فأمطرت مفاهيم جديدة مبشّرة بميتات عديدة (موت المؤلف مثلاً)، وخالقة لممارسات ثقافية غير مسبوقة، وناسفة للسرديات الكبرى. صارت الموضوعات الصغيرة التي يمكن توليفها في صورة كولاجية أهم بكثير من مقاربة السرديات الكبرى التقليدية (ولادة، حياة، موت، شيخوخة،،،،). تناغمت النظرية الأدبية في هذه الحقبة مع المستجدات الأدبية، وعدّل النقّاد الأدبيون من طبيعة عُدّتهم النقدية بما يتماشى مع الاشتراطات الجديدة. لم يخرج إيغلتون عن سرب النقد ما بعد الحداثي، وجاءت أعماله تطبيقاً متوقعاً لمواضعات ما بعد الحداثية في خريطة الأدب، رغم أنه (إيغلتون) حرص على تضمين أعماله جرعة آيديولوجية ماركسية الطابع، ربما يصح لنا توصيفها بالماركسية المتثاقفة.

حصلت الانتقالة الفكرية الثانية لإيغلتون مع انحسار أطروحات ما بعد الحداثة وشيوع الدراسات الثقافية بديلاً ممكناً ومقبولاً للنقد الأدبي. لم يعد مقبولاً في هذه الحقبة أن يُنْظَرَ إلى الأدب على أنه مملكة جمالية معزولة يمكن تشريح عناصرها باستخدام مبضع الناقد الأدبي (الكلاسيكي)؛ بل لم يعد وارداً الحديثُ عن ناقد أدبي في عصر الدراسات الثقافية. لم يعد الأدب خبرة شخصية محصورة في نطاق الرؤى الجمالية والاعتبارات البلاغية والألاعيب اللغوية والتبصّرات الفلسفية بقدر ما صار ميداناً اختبارياً لاشتباك عناصر مؤثرة في النسيج الفردي والمجتمعي على شاكلة: الذاكرة، الهوية، النوستالجيا، الهجرة، الإعطاب Trauma النفسية، النسيان، التابع والهامش في مقابل المركزيات المهيمنة. أظنُّ أنّ كتاب ما بعد النظرية After Theory (مترجم إلى العربية) الذي كتبه إيغلتون عام 2004 هو مرثية ضاجّة للنظرية الأدبية والثقافية (الكلاسيكية) مثلما فعل مع ما بعد الحداثة في كتابه أوهامُ ما بعد الحداثة. أراد إيغلتون في كتابه ما بعد النظرية تحقيق هدفين: الأول، تقديم مسح تاريخي لتطوّر النظرية الثقافية منذ ستينات وحتى تسعينات القرن العشرين، مع التأشير الواضح على ما رآه إيغلتون مكامن الإنجاز والعطب في تلك النظرية؛ أما الهدف الثاني فهو تأسيسُ نظرية ثقافية بديلة تستبدلُ بالتعامل مع الموضوعات (الأدبية) الكلاسيكية، موضوعات ثقافية جديدة جرى التعتيم عليها أو تغافلها من قبلُ، على شاكلة: الحقيقة، الموضوعية، النسق الأخلاقي، الثورة، الأصولية،،،. تداخلت النظرية الثقافية بكيفية عضوية مع النظرية الأدبية؛ وعليه صار في عداد البديهة العامة أن يستظلّ النقد الأدبي بظلال النقد الثقافي. لكن هل يوجد نقد ثقافي حقيقي؟ نحن سمعنا بالدراسات الثقافية. الحقُّ ليس مِنْ خلفية مفاهيمية تُعْلي شأن أي نقد سواء أكان أدبياً (كلاسيكياً) أم ثقافياً (في سياق الدراسات الثقافية). التسويغ هو أنّ واحداً من مرتكزات ما بعد الحداثة وما بعد النظرية هو الإطاحة بفكرة وجود ناقد أدبي أو ثقافي. هناك دارسٌ أو مشتغل ثقافي فحسب. إنّ فكرة الناقد، أيّاً من كان، تتأسّسُ على وجود مرجعية تقييمية كما مدرّس المدرسة الذي يُعهد إليه أمر ترتيب الدارسين في توزيعات تمييزية طبقاً لإنجازاتهم المدرسية. الأدب أو الثقافة ليس مدرسة أو جامعة، ومن غير المنطقي أن يلعب فيها الناقد دوراً مرجعياً. المرجع هو القارئ. أنت تقرأ وترى ما قد يكون ملائماً ومتناغماً مع ذائقتك الأدبية والثقافية بعامة. لستَ في حاجة لوسيط مرجعي من أي لون أدبي أو ثقافي. لن يقبل كثيرون بهذه التخريجة وبخاصة مَنْ تحصّلوا على شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي. سيرون في هذا تغييباً لمكانتهم الأكاديمية وانحساراً لأدوارهم على الصعيدين الجامعي التخصصي والثقافي العام؛ لكنّ هذه بعض تشكّلات عصرنا وما يستلزمه من تبدّلات. ماذا سيفعل أطباء الأشعة مثلاً لو بلغ الذكاء الاصطناعي طوراً صار قادراً فيه على تشخيص الأمراض عبر قراءة الصور الشعاعية بأفضل مما يفعل الأطباء الممارسون؟ لا مفرّ من أن ننقاد إلى قوانين العصر ومتطلباته، وأن نُغلّب المصالح العملية على الآيديولوجيا أو التقاليد الكلاسيكية غير المنتجة.

يبدو أنّ قوانين السوق الحرّة لم تعُد تقبل المكوث في النطاقات الاقتصادية؛ بل امتدّت إلى عالم الأفكار. حتى الدراسات الثقافية ما عادت غطاءً مقبولاً لكي يستظلّ الأدب (والنقد الثقافي) بظلّه. تعاظمت الدعوات للتعامل مع الأدب كمنتج سلعي مطروح في سوق حرّة، ودينامياتُ هذه السوق هي الفاعل الوحيد الذي يجب العمل على جعله مسباراً لفرز الأعمال من حيث مقروئيتها. المقروئية صارت هي العنصر الحاسم في تحديد مكانة الكاتب والكتاب، والـ(بست سيلرز Best Sellers) هي المؤشر الوحيد على المكانة، وكلّ ما عدا قوانين السوق الحرّة لن يكون سوى كابح اصطناعي مشابه للقوانين التقييدية في الدولة الشمولية التي هي العنوان الشامل للأدب الأورويلي Orwellian Literature (إشارة إلى جورج أورويل). هكذا تمّ تحييد الناقد الأدبي والثقافي عبر تحطيم فكرة المرجعية الأدبية والثقافية أولاً، ثمّ بمدّ سياسات السوق الحرة إلى ميدان الأدب والاشتغالات الثقافية.

جرّبتُ بنفسي اختبار هذه الحقيقة. الاختبارُ في غاية اليُسْر: سأعملُ على البحث في أمازون على الكتب الجديدة التي تنتمي لحقل النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين. كثرة المنشورات في حقل معرفي دلالة مؤكّدة على شيوع ذلك الحقل وسطوته في حياتنا السائدة. مصداقُ ذلك مثلاً أنّ أحدنا لو جرّب البحث في أمازون عن كتب في الذكاء الاصطناعي لانهمرت عليه شلالات من العناوين في شتى حقول الذكاء الاصطناعي بحيث سيُدفعُ المرء دفعاً لتخصيص نطاق بحثه وحصره في نطاق ضيق، كأن يكون أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مثلاً. عندما مضيت في تجربتي مع النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين ظهرت لي - كما توقّعت - عناوين محدودة، منها مثلاً: النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين: إعادة بعث النظرية

Literary Criticism in the 21st Century:

Theory Renaissance

هل لاحظتم العنوان الثانوي؟ إعادة بعث النظرية. هذه إشارة إلى أنّ النقد الأدبي (والنظرية الثقافية) توارتا تحت غطاء ثقيل فرضته حالة عالمية لا يمكن ردّها (هي العولمة الاقتصادية وقوانين السوق الحرة). هل سينجح مؤلف الكتاب في بعث أمجاد النظرية أو على الأقل جعلها تتواءم مع المتطلبات المعاصرة؟ لا أظنّ ذلك.

ربما ميدانٌ آخر هو مصداق إضافي على وضع النقد الأدبي والنظرية الثقافية في حياتنا الفكرية العامة، ذاك هو ميدان النشر. كان باب النقد الأدبي أحد الأبواب الرئيسية في المطبوعات الثقافية العالمية، صحفاً ومجلات ودوريات ومنشورات جامعية محكّمة ومراجعات الكتب. اليوم قلّما نجد عنواناً فيها تحت لافتة النقد الأدبي. مراجعات الكتب هي الطاغية، وحتى المراجعات هي أقرب لعروض حيادية لا تنطوي على أي جهد تقييمي. واضحٌ أنّ المراجعات تأتي في سياق السياسة الترويجية للكتاب وليس في سياق تقييم نقدي له. دور النشر صارت إمبراطوريات مالية عظمى، وليس من اليسير مواجهة سياساتها أو الكتابة بما يسيء إلى منشوراتها. نحن في سوق حرّة للأدب، معيارها هو المال المتحصل من بيع الكتاب الذي صار سلعة حقيقية - وليس رمزية فحسب - وسياساتها هي تعظيم مقروئية الكتاب عبر الترويج الممنهج له. كلّ ما يعرقلُ سياسة الترويج هو عنصر معطّل لسياسة السوق الحرة ويجب كبحه وإخراجه من اللعبة الأدبية.

لا أعرف كيف يصف إيغلتون نفسه اليوم. بدأ ناقداً أدبياً ماركسياً، ثمّ مُنظّراً ثقافياً، ثمّ مشتغلاً في حقل الأفكار العامة، وهذا ما تشي به عناوين سلسلة منشوراته السنوية في جامعة ييل الأميركية، ومنها كتابه الأخير عن الواقعية. أظنّه يقضي أيامه اليوم وهو مسكون بحنين لا ينقطع إلى سنوات سابقة كان فيها الأدب أبعد ما يكون عن سيف قوانين السوق الحرة؛ لكنّ الحظ شاء له أن يعيش ليشهد ما لم يتوقّع أن يشهده يوماً حتى في أقسى كوابيسه.

ليس لك يا إيغلتون، وليس لنا معك، سوى أن نتجمّل بالصبر ونرى إلى أين سينتهي الأدب في سوق حرّة متغوّلة. لم يعد مقبولاً في هذه الحقبة أن يُنْظَرَ إلى الأدب على أنه مملكة جمالية معزولة يمكن تشريح عناصرها باستخدام مبضع الناقد الأدبي (الكلاسيكي)



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».