شعر سركون بولص... نبتة زُرعت في مكان ليس أرضها؟

الدراسات التي تناولت تجربته ضئيلة إذا قورنت بشهرته الكبيرة

سركون بولص
سركون بولص
TT

شعر سركون بولص... نبتة زُرعت في مكان ليس أرضها؟

سركون بولص
سركون بولص

مثلما تتغيّر اتجاهات الأدب ومعناه وطرق تناوله بمرور الزمن، يختلف النقد هو الآخر في كلّ حقبة، والنتاج الأدبيّ لكلّ أمة في حاجة إلى مراجعة للتجارب التي دُوّنتْ في الماضي، وأُخِذ بها من قِبل الجميع على أنها حقائق ثابتة، طالما وقفتْ وراءها أقلام حقّقت حظّاً طيّباً من الشهرة بين القرّاء عندما ظهرت للنور أوّل مرة. ولأجل أن يكون البناء النقدي متماسكاً، فإن هذه المراجعة يجب أن تنسحب إلى الخلف تباعاً، دون استثناء حقبة من الماضي، حتى البعيد منه والأبعد، وإن أدى هذا الفعل إلى خسائر في مُنجزنا الأدبي. إن لدى جميع الشعوب الكثير من الأيّام الماضية التي كابدتها، والتي لا تعتدّ بها الأجيال اللاحقة، والشعر القديم جزء من الماضي، فلا بدّ من أن تجري عليه المراجعة نفسها. من هذا العمل ما قام به طه حسين وهو يعيد قراءة المعلّقات، ناسباً الكثير من شعرها إلى علماء اللغة؛ لأن فعل الإبداع فيها معدوم، فهي تعداد ووصف لأجزاء بَدَن الناقة وغيرها من الدوابّ، وهذا عمل غرضه إثباتٌ معجميّ لألفاظ اللغة العربيّة لا غير، وعُدّ كلام نابغة مصر في زمانه مغامرة ربما عادت على صاحبها بالنيل من مكانته؛ لأن الماضي يصير لدى أهل التقليد مقدّساً، وكلّ ثلمة فيه تتحوّل إلى مصدر اتّهام لا يمكن توقّع نتائجه. يقول ميلان كونديرا: «العمل الأدبي الذي يكشف جزءاً مجهولاً من الوجود الإنساني هو وحده الذي يمتلك مبرّراً للكينونة». وبما أن وجودنا البشري على سطح الكوكب في حالة صيرورة دائمة، فإن الأدب هو الآخر في حالة متغيّرة باستمرار، والنقد لونٌ من ألوان الأدب، ويخضع، بالتالي، إلى قوانينه والظروف التي يعيش فيها، أو يندثر.

لم يتناول الدارسون بالتفصيل تجربة الشاعر سركون بولص منذ نشأته في العراق، ثم اتّصاله في بيروت بجماعة مجلة «شعر»، وارتحاله وتجواله في مدن أوروبا وأميركا. البحوث التي تناولت تجربة الشاعر ضئيلة إذا قورنت بالشهرة الكبيرة التي يحظى بها. وبدلاً عن الدراسات الأدبيّة نجد في المجلّات والصحف حوارات قام بها متأدّبون سألوه عن كلّ شيء في دنيا الأدب إلّا شعره، فإن جاء السؤال فهو موازٍ للجواب في الغالب، الذي هو ملغّزٌ أكثر من اللازم، ويعود بولص فيه إلى تنظيرات وآراء شعراء أميركان وإنجليز لم نسمع بأسماء بعضهم، ويتساءل المرء، في بعض الأحيان وهو يدرس شعره، إن كان نبتة ازدُرعت في مكان ليس أرضها، وإلا فلماذا جاءت قصيدته مغلقة بهذه الصورة على القارئ. بالإضافة إلى الحوارات، هنالك تذكارات مع أصدقائه الشعراء؛ سعدي يوسف وأدونيس وعباس بيضون، وغيرهم، ما يشبه الرثاء دوّنوه في مقالات بالصحف عقب وفاته، وهذا لا يدخل، في الغالب، في باب النقد الأدبي.

إن أصالة الشاعر لا تتجسّد في قصائده فحسب، وإنما في أفكاره وقناعاته وطريقته في العيش أيضاً، والنصّ الأدبي لا يعيش في عالم منفصل عن الكاتب، والمحاولات النقديّة التي سارت في هذا الاتجاه، خلال القرن الماضي، انتهت إلى طريق مسدود، أو أنه «لا يؤدي إلى أين»، إذا استعرنا عنوان مجموعة شعريّة لسركون بولص في وصف ما نريد.

الكتاب من نحو 500 صفحة، عنوانه: «سافرتُ ملاحقاً خيالاتي» مجموعة حوارات نشرتها دار الجمل، فيه فصل لحديث الروائيّة سلوى النعيمي مع بولص عام 1997: «أنا لا أكتب قصيدة نثر، أكتب شعراً»، (يصرخ) الشاعر في وجه الروائية النعيمي. «علينا أن نفقد ثقتنا بالعالم. عندما أرى إنساناً واثقاً من العالم أخاف منه. كيف أثق بأن القطار الذي يحملني لن يتفجّر بعد قليل، أو أن مجنوناً سيدخل المقهى حاملاً رشّاشاً يقتل مَن أمامه». وبالإضافة إلى العالم المحيط به، يعلن الشاعر صراحة عدم ثقته بالنقد الأدبي وبالمرأة. ثلاث قضايا لا رابط بينها في الواقع، لكنها التأمت مع بعضها في خياله وصارت جزءاً من ذاته. هل نستطيع عدّ هذا الشعور ما يطلق عليه علماء النفس «جنون الارتياب»؟ أمرٌ آخر يخافه سركون بولص هو اللغة: «أنا من النوع الذي يخاف من اللغة، وفي الوقت نفسه يستغلّها في عمليّة إرهابيّة لإجبارها على الخضوع. هناك نوع من الساديّة في هذه العلاقة». لم أفهم، في الحقيقة، مغزى الشاعر، وكان بإمكانه استعمال حركة أكثر هدوءاً عند تعامله مع كتاب اللغة: «القاموس، هذا الشيء الغريب، يحتوي كلّ شيء في حالة موات، في حالة سبات، يأتي الشاعر ليوقظه، برفسة إن احتاج الأمر». ثم يستعير بولص فِعل الإرهاب ثانية، ولا نعرف أيّة ساقية معتمة في نهر الواقع أو الخيال قادته إليه: «العلاقة بين الشاعر واللغة مختلفة عن علاقة الآخرين بها، إنها علاقة مثيرة يمكن له بواسطتها أن يفجّر العالم، كما يفعل أيّ إرهابي». تنتبه النعيمي إلى الشِّدّة في كلامه، وتسأله لماذا «تستعمل كثيراً تعبيرات مثل التفجير والإرهاب والقتل؟»، يجيبها الشاعر، وباللهجة نفسها: «نعم، أعتقد أن علاقتي (حدّية) مع العالم ومع الكتابة».

الشعر الشديد

إذا رجعنا إلى سنة ميلاد الشاعر 1944، معنى هذا أن عمره وقت الحوار تجاوز الخمسين؛ أي أنه غادر تقريباً هيجان الصبا والشباب، لكنه لا يزال يستعير أدوات تلك السنين في التعبير. وفي مكان آخر من اللقاء، يذكر بولص أسماء الشعراء الذين كان لهم السبق في كتابة قصيدة النثر العربية: يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وشوقي أبو شقرا وعصام محفوظ، ويصف ما قاموا به بأنه «ثورة حقيقيّة» في الشعر العربي. وتُجادله السيّدة المحاورة بأن هذه الثورة تحوّلت إلى مأزق حقيقي؛ لأن ما جاء به هؤلاء مع تقادم السنين لم يكن غير شعرٍ «قليل الكثافة، أوصلَنا إلى ما يسمّيه بعضهم (القصيدة العربيّة الواحدة) المكتوبة أصلاً بلغة الترجمة، والتي لا نفرّق فيها بين شاعر وآخر»، يجيبها الشاعر بالكلام الغريب نفسه، والنبرة نفس النبرة، يابسة إلى حدّ أن القارئ يشكّ في أن «القطْرَ» أتاها ولو مرّة، عن التجديد والتجاوز وبركان اللغة وثورة اللغة وحرب اللغة، وغير ذلك من أوصاف كانت محبَّبة للشعراء، في النصف الثاني من القرن الماضي، على سبيل الافتتان بهذه الأفعال؛ لأنهم كانوا يسعون إلى تغيير الشعر، وبالتالي العالم، بهذه الطريقة الثوريّة!

وهم يتقلّبون محترقين بنار الموهبة، هل كان الشعراء يسيرون في خطّ مواز للدرب الذي سار فيه زعماء الأنظمة اليساريّة الذين ظلّوا يرفعون شعارات الحريّة والاشتراكيّة والتقدّم إلى أمام؛ إلى الأخير؛ أي إلى آخِر درجة من الهدم الذي قاموا به في بلدانهم؟! هذا التماثل بين الشاعر ورجل السلطة يعلنه صراحة فاضل العزّاوي، في كتابه «الرائي في العتمة»، الصادر عن منشورات الجمل، أيضاً: «أرى أن الديكتاتوريّات السابقة التي عشنا في ظلّها كانت تحترمنا حقّاً، ولو بطريقتها الخاصّة، بعكس ما يحدث الآن. كانت تُشعرنا بأهمّيتنا وخطورتنا كشعراء وكُتّاب ومفكّرين ومثقّفين، حين كانت تعتقلنا وتزجّ بنا في السجون، أو حتى حين تقتلنا. أما هؤلاء المسوخ الجدد، وهم جهلة من طراز فريد، فلا يكادون يشعرون حتى بوجودنا، باعتبارهم من سلالة أخرى غير سلالتنا».

أصالة الشاعر لا تتجسّد في قصائده فحسب وإنما في أفكاره وقناعاته وطريقته في العيش أيضاً

لا أتّفق مع الشاعر فيما قاله، واعترافه بهذه الصورة ليس دليلاً على أهمّية ما كان يؤلّفه في الماضي، ويُحكَم عليه بالسجن بسببه، وإنما هو تأكيد لهشاشة الأنظمة السابقة؛ حيث كان رجالها يرتعدون خوفاً من الأغنية واللوحة والمقالة وشريط السينما.

يقول الشاعر الجنوب أفريقي برايتن برايتنباخ: «الشعر عمل كريم؛ أي أنه ليس هبّة ذاتية، بل طريقة مشاركة لما هو مشترك بيننا، لما هو في أعمق ذواتنا». إن لغة الحوار تؤدي أحياناً ما تقوم به المرآة المكبّرة في كشف خفايا النص، كما أن من أول أسس النقد أن يكون الشخص العامل فيه قادراً على عزل القصيدة الرديئة عن الجيدة. لو أعدنا قراءة أكثر الشعر الذي قيل في النصف الثاني من القرن الماضي، لسركون بولص وفاضل العزّاوي، على سبيل المثال لا الاقتصار، لاكتشفنا أنه يتوزّع بين الرسم التجريدي، والألاعيب اللغويّة، والسفسطة، يقوم بها الشاعر من غير لحظة تفكير في أمر القارئ، وهل كان مشاركاً له عبر قناة تجمع بينهما، الحال التي تجري كذلك على الأنظمة الحاكمة التي ظلّت ترفع شعارات الثورية والتغيير للجماهير، وهي في الوقت نفسه بعيدة عنهم. يفهم الإنسان نفسه عندما يشعر بفهم الآخرين لكلماته، والشعر الشّديد في غموضه يشبه هبّةً ذاتيّة ينفعل بها المرء ولا تصل إلى غيره لأنها غير مفهومة حتى لنفسه. هبّة ذاتيّة تخرج من الذات وتعود إليها، حالها حال إعصار صغير يتشكّل في البريّة أيّام الصيف الحارّة ويُثير الأتربة لا غير، وله اسم في اللهجة العراقيّة أعفّ عن ذكره في هذا المقام، لكنه في الحقيقة أبلغ وأصدق وصف له.


مقالات ذات صلة

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

ثقافة وفنون البير كامو

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
يوميات الشرق من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)

إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

أعلنت الأمانة العامة لـ«جائزة الملك فيصل» عن أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لعام 2026 خلال حفل أقيم الأربعاء في الرياض، بحضور الأمير تركي بن فيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة،

لؤي عبد الإله

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.