أساء سمعًا فأساء إجابة

أساء سمعًا فأساء إجابة

الثلاثاء - 25 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 24 يناير 2017 مـ رقم العدد [13937]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

نشعر بحماقة عارمة حينما نتسرع بإجابة لا تمت للسؤال بصلة. والأسوأ حينما نخوض في حديث لم نفهم لب موضوعه. ولذا قالت العرب: أساء سمعًا فأساء إجابة.
ويروى أن قصة هذا المثل تعود إلى سهيل بن عمرو عندما خرج ذات يوم مع ابنه فلقيهما الأخنس الثقفي فقال: من هذا؟ فرد سهيل: ابني، فقال الأخنس: حياك الله يا فتى؟ أين أَمُّك؟ (بفتح الألف أي إلى أين أنت ذاهب) فقال: أُمي في بيت أمّ حنظلة تطحن دقيقًا! فقال أبوه ممازحًا: «أساء سمعًا فأساء إجابة»! أي أن ابنه لم يفهم مراد السائل الذي قصد معرفة وجهته أو ماذا يريد وليس أمه. فلما رجعا إلى المنزل قال أبوه: فضحني اليوم ابنك عند الأخنس، قال كذا وكذا، قالت: «إنما ابني صبي» قال: «أشبه امرؤ بعض بزّه» أي كما نقول بالعامية «الحَب يطلع على بذرة» أو «من شابه أباه (أمه) فما ظلم» وهو كناية عن أن علة استعجال الرد قد تعلمها من أمه فسارت مثلاً يطلق إلى يومنا هذا.
واستعجال الرد كان وراء مشكلات كثيرة، لا سيما لدى المسؤولين وغيرهم حينما يتسرعون بالرد في مؤتمر صحافي أو اجتماع مهم على سؤال إجابته بعيدة كل البعد عن مقصد السائل. وهذه العجلة كما يقول علماء النفس تدفع الفرد أيضًا لنطق كلمة تدور في عقله الباطن ويخشى أن ينطق بها فيفعل فتفضح الكلمة ما كان يضمره تفكيره أو يتحاشى قوله. ولذا قال الإمام علي: خفرات القلب تفضحها زلات اللسان. وهو ما يحدث حينما تحذر نفسك ذهنيًا في أثناء كتابة البريد الإلكتروني بأن مديرك أو شخصًا ما يجب ألا يقرأ هذا الإيميل فتجد نفسك من شدة العجلة قد أرسلته إليه بالخطأ! وهذا ما يسمى في الأحاديث الشفهية «سبق اللسان» أي الاستعجال بكلمة في غير موقعها وكذلك الحال في الإجابة عن الأسئلة.
ولذا تعلم كبريات مراكز تدريب فنون التواصل في العالم الناس على حقهم في أخذ نفس عميق قبل أن يجيبوا عن الأسئلة. ومن حق المرء أن يستفهم شفاهة عن دقة ما سمع أو يدون الطلب كتابة إذا كانت تداعيات عدم فهم المهمة كبيرة، كأن يؤكد مرؤوس لمديره بأنه سوف يصرف المبلغ الفلاني على المشروع الذي طلب المسؤول الاستعجال به ليكون الطرفان على بينة.
وأحيانًا يكون استعجال الرد مؤشرًا على جهل الفرد، كما قال ابن عطاء الله السكندري «من رأيتَه مجيبًا عن كل من سأل، ومعبرًا عن كلِّ ما شهد وذاكرًا كلَّ ما علم، فاستدلّ بذلك على جهله». وهذا أمر مفهوم، فالممتلئ بطبيعته يتأنى قبل أن يخوض في غمار حديث أو سؤال لم يفهمه جيدًا.
باختصار، من حق المرء أن يستفهم ما سمع حتى يقطع الشك باليقين. وليس من حق السائل أن يغضب حينما توجه إليه أسئلة استيضاحية كهذه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة