ميزانية 2017... برافو للإعلام السعودي

ميزانية 2017... برافو للإعلام السعودي

الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13907]

إن استطعت أن تشيع التفاؤل في أسواقنا في وقت كوقتنا وظرف كظرفنا بأرقام وإحصائيات لا بكلام مرسل فذلك إنجاز، ذلك ما قامت به التغطية الإعلامية الشاملة لموضوع الميزانية في المملكة العربية السعودية، بغض النظر عن المؤشرات القياسية المستقبلية، فذلك حكم سابق لأوانه، إنما النجاح الحالي يتمثل في خطة إعلامية ناجحة آتت أكلها فورًا في تنشيط الحراك في الأسواق نتيجة تعزيز الثقة بالحكومة، وهذا وحده يستحق التصفيق، وللإعلام دور كبير في هذا التنشيط الاقتصادي.
أما السؤال فهو هل تستطيع أن تبني الحكومة السعودية على هذا البناء الأولي وتزيد النجاح نجاحًا، أو تبقى على مكانها؟ هل تملك الحكومة أن تحقق تلك المؤشرات الواعدة التي حفلت بها الرؤية الاقتصادية ودعمتها الميزانية لعام 2017، أم كانت أرقامًا متفائلة غير واقعية؟ فتلك مسألة استباقية لن نتسرع في الحكم عليها، ما يهمنا هو أن نرفع القبعة على التعاطي الإعلامي الممتاز الذي انتهز فرصة طرح الميزانية مستفيدًا من لحظة الصمت والترقب التي سبقت الإعلان عنها، فعزز بأسلوب إعلامي متميز مهني من الدرجة الأولى الثقة في السياسة الحكومية، مما فتح شهية الأسواق فأغلقت أجراسها في اليوم التالي على المنطقة الخضراء فور إعلان الميزانية، مع أجواء من التفاؤل شاعت في التحليلات الاقتصادية التي كتبت أو تحدثت للإعلام، وذلك إنجاز.
بدأ التعاطي الإعلامي يأخذ زخمه المفخم من أول إعلان عنها، لأنه جاء على لسان خادم الحرمين الشريفين باعتباره رئيسًا لمجلس الوزراء، بعبارات كان لصياغتها الذكية الفضل الأكبر في أنها ضخت دفعة من الثقة في الأسواق، فحين تضع الرسالة الأقوى لك في خطابك في مستهل الكلمة مختصرة ومركزة فقد نجحت في إدراك الكيفية التي تساعدك على إصابة الهدف الأول، وقد استهل الملك سلمان الكلمة بهذه العبارة «اقتصادنا - بفضل الله - متين، ويملك القوة الكافية لمواجهة التحديات الاقتصادية والمالية الحالية»، هذه تكفي وتعتبر ما جاء بعدها نقطة ومن أول السطر، ولو كنت أملك قناة فضائية لجعلت من تلك الكلمة فاصلاً يعاد على مدار الساعة.
ليست الأسواق ورؤوس الأموال وحدها من ينتظر أن يسمع نبرة الثقة بالاقتصاد في خطاب القيادات، بل حتى الناس كمستهلكين أيضًا، فالناس تمسك أموالها كمستثمر وكبائع وكمستهلك وقد تسحبها من البنوك وقد تحولها لعملات أخرى إن هي فقدت الثقة في السوق، والناس تفقد ثقتها حين ترى حكومة عاجزة عن الدفاع عن سياستها، صامتة لا ترد على الإشاعات، تعتقد أن «العمل بصمت» سياسة مجدية في ظرفنا هذا، حكومة تترك الإشاعة تكبر وتنمو وتحدث الضرر وهي باقية في غرفها المغلقة تبحث عن الحلول.. حكومة تمرر الميزانية وهي تشعر باستحياء يجعلها تترك مهمة الترويج لسياستها لغيرها لا لمسؤوليها أولاً!!
غالبًا ما تحتاج الأسواق إلى عامل نفسي لتحريكها، خطاب يمنح الثقة، كلمة، موقف سياسي... الخ من العوامل النفسية، وهذا ما فعله التعاطي الإعلامي مع طرح الميزانية بدءًا من كلمة خادم الحرمين الشريفين.
النجاح الثاني هو الإعداد الجيد للسيمفونية التي عزفها الإعلام السعودي الذي صاحب إعلان الميزانية، إعداد من الواضح أنه أخذ وقتًا من قبل الإعلام وجهز مادته وانتظر لحظة الإعلان، من قنوات فضائية وصحف ووسائل تواصل اجتماعي، مستخدمين كل وسائل التوصيل، اختزال، تركيز، رسائل واضحة قصيرة كبسولات مبسطة اللغة، باستخدام الغرافيكس والإنفوغرافيكس، بالمقابلات الخاصة للمسؤولين موزعة ومبرمجة، بالمؤتمرات الصحافية، بنشرات الأخبار العامة والمتخصصة، باللقاءات الخاصة بين المؤثرين والمسؤولين، بسياسة إعلامية تهدف لكسب الحلفاء وتحييد الخصوم المسبق، يرتكز على الظهور الإعلامي لمعظم الوزراء وتحدثهم مدافعين عن سياستهم، ذلك جزء لا يتجزأ من زرع الثقة في الحكومة أولاً من أجل زرع الثقة في السوق ثانيًا، ذلك يكفي للاسترخاء و«حل الكيس»، أي الصرف، لأن الثقة تولدت عند رؤوس الأموال.
لم يكن هناك كلام إنشائي مرسل بل ترجمة فعلية رقمية إحصائية مجدولة لكلمة خادم الحرمين الشريفين، التي أكدت أن الثقة منبعها ليس كلامًا مرسلاً بل برامج تنفيذية، «إن رؤيتنا ليست فقط مجموعة من الطموحات، بل هي برامج تنفيذية».
ترجم هذه الفقرة من خطاب الملك وزير المالية، ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية بجدارة بخطاب مهني مبسط، طمأنا فيه المواطن والمستثمر والمحلل الاقتصادي، وهنا يكمن النجاح في تبسيط المعلومة في تسهيل الوصول لها في ترجمة الخطوات إلى صور قابلة للتداول، صحيح أن محكها وامتحانها سيتضح في التنفيذ، فخلق قاعدة بيانات لحسابات المواطنين الخاصة البنكية وتصنيفها ليس بالعملية السهلة أبدًا، وهذا ما يحتاج توضيحه الإعلام السعودي للمواطنين، إنما كل أمر صعب في بدايته.
خلاصة القول في ظرف كظرفنا الصعب في ظل انخفاض أسعار النفط وظل الصراعات المتقدة من حولنا، أن تعلن الدولة في خضم هذا المعترك أنها خفضت العجز وزادت الإنفاق وركزت على التنمية والتعليم والصحة على حساب الصرف العسكري، فإنك أمام سوق متفائلة تدعو للاستثمار.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو